عزمي بشارة: من جامعة بير زيت إلى مؤسسة "مواطن" وما بعد



التقيت بعزمي بشارة أول مرة في العام 1984 على ما أذكر. كان في زيارة قصيرة من ألمانيا حيث كان يحضر للدكتوراه. التقيت به في مقهى صغير في بلدة بير زيت مقابل الحرم القديم للجامعة،  وكان بصحبة صديق له. تحدثنا قليلا وأشار إلى أنه مهتم بالقدوم للعمل في جامعة بير زيت بعد تخرجه. كنت أنا في حينه عميدًا لكلية الآداب التي هي الإطار الإداري للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والتي كانت قيد التطوير، ولي فيها مسؤولية مباشرة عن التوظيف، خاصةً استقطاب الشباب الفلسطيني الواعد لغرض بناء المؤسسة وليسهموا في تطويرها أيضًا.

تطورت كلية بير زيت الأكاديمية، التي كانت قائمة منذ بداية الخمسينيات من القرن العشرين وكمدرسة ثانوية قبل ذلك، إلى جامعة في وجه معارضة الاحتلال ومساعيه المستمرة لوضع عراقيل وصعوبات أمام تطويرها، أسوة بالجامعات الفلسطينية الأخرى لاحقًا. وكانت النظرة في حينه إلى إنشاء أو تطوير المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة على أنه عمل مقاوم يعزز الصمود، شعار المرحلة في حينه، إضافة لإيفاء حاجات مجتمعية.

كان سروري كبيرًا عندما علمت أن عزمي متخصص في الفلسفة، وهو حقل تخصصي أيضًا، نظرا للحاجة لتطوير برنامج الفلسفة ولغرض تدريس مواد الدراسات الثقافية التي تحتوي كمية لا بأس بها من الفكر الفلسفي، وهي متطلب لجميع طلبة الجامعة كجزء من ما يمكن أن يسمى مواد "الثقافة العامة" المضافة إلى متطلبات التخصص. وسررت أيضا أنه خريج جامعة همبولدت في برلين، تلك الجامعة العريقة التي درس فيها هيجل وأثر على ماركس تأثيرا كبيرا حتى لو أنه "قلبه على رأسه" كما كَتَب ماركس لاحقا. وكنت وأنا في مرحلة الدراسة قد قرأت محاضرات هيجل في فلسفة التاريخ الذي ألقاها في تلك الجامعة، وفهمت أن عزمي له اهتمام خاص بهيجل والفلسفة السياسية عمومًا. وكنت أعلم كما يعلم دارسي الموضوع أن الإنتاج الفكري والفلسفي الألماني خلال القرون الثلاث الأخيرة بشكل خاص من أهم ما أنتج من فكر في أوروبا، ولأسباب قد يصعب حصرها.

تفرغ عزمي للعمل في جامعة بير زيت ابتداءً من العام الدراسي 1985-1986. عملنا معا على استقطاب مدرسين جدد آخرين وتدريس التخصص الفرعي في الفلسفة الذي استقطب بعض أفضل الطلاب في حينه، إضافة إلى مواد أخرى. وقد كان لعدد من هؤلاء الطلبة عدة أدوار مجتمعية هامة لاحقا، وكان لبعضهم دور بارز في العمل الوطني بعد تخرجهم، وكانت صلات عزمي مع عدد منهم وثيقة واستمرت لعدة سنوات بعد ذلك.

لم يمر وقت كثير لأن يصبح لعزمي حضور واضح بين الطلبة وداخل مجتمع الجامعة. كان حضوره مميزا كمحاضر ومتحدث صاحب شخصية كاريزمية ومحلل متمكن في القضايا الفكرية والسياسية والمجتمعية. كانت محاضراته داخل وخارج الجامعة أيضا تستقطب أعدادا كبيرة من الحضور. ومع بداية الانتفاضة الأولى في نهاية العام 1987، أغلقت جامعة بير زيت وباقي الجامعات الفلسطينية، واستمر هذا الإغلاق لمدة أربع سنوات. غير أن التدريس الجزئي في رام الله استمر بعد نهاية العام الأول للإغلاق، ولأعداد محدودة من الخرجين خاصة. وقد يسر هذا الظرف على ما أعتقد، الحفاظ على تواصل مستمر من قبل عزمي بين الضفة ومناطق 48، إذ كان يتنقل كل أسبوع بين رام الله والناصرة، خاصة بوجود عبء تدريسي مخفف بسبب هذا الظرف. وفي مرحلة ما أصبح من الواضح أنه يؤسس لحركة سياسية في الداخل، وفي الوقت نفسه حافظ على صلاته وتواصله مع الشطر الآخر لفلسطين تحت الاحتلال.

ومع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر 1988 وبدء الاتصالات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية إثر ذلك، كون المجلس الوطني الفلسطيني أقر من ناحية المبدأ حل الدولتين للصراع وضمن حدود عام 1967، أصبح من الواضح أن الاتصالات الجارية والمستمرة تسعى لإيجاد ترتيب سياسي ما للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأنه من المرجح أن يكون حكما ذاتيا محدود الصلاحيات، لغرض إنهاء الانتفاضة المدنية التي لم تجد إسرائيل حلا سهلا لها.

كان هذا أحد الأسباب التي دفعت لإنشاء المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية - مواطن، لكنه لم يكن السبب الوحيد. فمن جهة، إن إنشاء سلطة سياسية حتى لو كانت محدودة الصلاحيات، ستؤدي لنشوء جملة من الأسئلة والقضايا الداخلية الجديدة حول طبيعة هذه السلطة وعلاقة المواطنين بها وما إذا كانت هناك أية إمكانية لأن يكون نظام الحكم فيها بدرجة ما ديمقراطيا، أم أنها ستكون على نموذج الدول السلطوية العربية، خصوصًا أنها ستكون سلطة تحت الاحتلال. لكن، من جهة أخرى، لم يكن موضوع طبيعة السلطة السياسية ومساوئها في السياق العربي أمرا مستجدا عربيا أو فلسطينيا. فمنذ أواسط القرن الثامن عشر وحتى الآن ما زالت المطالبات العربية بالإصلاح السياسي متواصلة وغير منقطعة. ولم تنقطع أيضا المطالبات بإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية أيضا حتى قبل إنشاء السلطة الفلسطينية.

وفي أواخر العام 1989، تبلورت فكرة إنشاء مركز دراسات وأبحاث يعنى بالحكم وطبيعته وآلياته ويصدر الكتب والمنشورات حول موضوعات ذات علاقة، مع تركيز خاص على المضمون الفلسطيني. وعقدت الهيئة التأسيسية لها أول اجتماع لها في العام 1990 وتكونت من أربعة من الزملاء في جامعة بير زيت هم: عزمي بشارة، وسعيد زيداني، وموسى البديري، وجورج جقمان. وخلال الأعوام الأربعة اللاحقة ترك سعيد وموسى مجلس الإدارة وقمنا عزمي وأنا بتشكيل مجلس إدارة جديد وموسع بموجب القانون، وانتخب عزمي رئيسا لمجلس الإدارة وأنا مديرا عاما للمؤسسة.

كانت مواطن من أولى المؤسسات التي أنشأت في الضفة الغربية والتي عنيت بشؤون الحكم وطبيعة النظام السياسي القائم، وبالمستقبل الفلسطيني بشكل عام. وقد شكلت مؤتمراتها السنوية، والذي عقد مؤتمرها السنوي الثاني والعشرين في نهاية أيلول 2016، أحداثا لا تخلو من أهمية ومحطات تثار فيها موضوعات الساعة الملحة وموضوعات إستراتيجية تخص الفلسطينيين ككل. وقد حُرص دائما ما سمح الموضوع على إشراك فلسطينيين من الداخل ومن الخارج إضافة للأرض المحتلة بعد عام 1967. ولم تكن نظرتنا لفلسطين أو للشعب الفلسطيني محصورة أو مقصورة على الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان عزمي في أغلب الأحيان يلقي كلمة الافتتاح في المؤتمرات السنوية، لكنها لم تكن كلمة "بروتوكولية" شكلية بل كانت محاضرة أو مداخلة معمقة قائمة بذاتها، وكان ينظر لها على أنها أحد أهم محاور المؤتمر.  

وكان موضوع أول مؤتمر سنوي عقدته مواطن في نهاية العام 1995 "أزمة الحزب السياسي الفلسطيني" والذي صدر بعد ذلك في كتاب. لكنه لم يكن أول كتاب يصدر عن مواطن. فقد باشرنا العمل فعلا في أول مشروع لها في العام 1991 ونجم عن هذا المشروع عدة ندوات، وعقدت أولى هذه الندوات في القدس وليس في رام الله، وثلاثة كتب صغيرة وكتاب "حول الخيار الديمقراطي: دراسات نقدية" الذي صدر أيضا في بيروت وأسهم فيه برهان غليون وسعيد زيداني وموسى البديري إضافة لإسهامي وإسهام عزمي بفصول من الكتاب. وكان الفصل الذي كتبه عزمي اللبنة الأولى لمجلدين صدرا لاحقا.

مع مرور الوقت، أصبحت "مواطن" من أكبر دور النشر في الضفة الغربية، ولديها ثماني سلاسل من المنشورات: من الكراسات التعليمية، إلى الأبحاث والدراسات، إلى سلسلة "الذاكرة الفلسطينية" التي تعنى بالتجربة الفلسطينية بأشكالها المختلفة في الداخل والخارج. ولم يكن عمل "مواطن" مقصورا على المنشورات والأبحاث بالرغم من استخدامها الواسع للتدريس في الجامعات الفلسطينية إضافة للجمهور العام. فقد تم بناء علاقات وثيقة مع معظم الأحزاب الفلسطينية وكل الكتل النيابية في المجلس التشريعي دون استثناء، الأمر الذي عزز سمعة "مواطن" كمؤسسة وطنية غير فئوية تعنى بالقضايا الفلسطينية والعربية أيضًا. وقد أسهم عزمي إسهاما هاما في توثيق الصلات مع الأحزاب السياسية بما في ذلك بعد انتخابه عضوا في الكنيست، بالرغم من كثرة مشاغله. وأجرى أيضا علاقات مع عدد من الباحثين والمؤسسات والشخصيات السياسية ومراكز الأبحاث العربية وفي مصر تحديدا. وخص عزمي "مواطن" بعدد من كتبه والتي كان أغلبها يعاد طباعتها في بيروت لجمهور أوسع ويدرس عدد منها في الجامعات العربية.

وقد تساءلت بيني وبين نفسي عدة مرات: كيف أمكن عزمي أن ينتج هذا العدد من الكتب بالرغم من كثرة مشاغله وإنجازاته الأخرى، بما في ذلك الكتب الضخمة التي ألفها بعد اضطراره للبقاء خارج الوطن، مثل المجلدين الكبيرين حول الدين والعلمانية (2015) وما تلاهما لاحقا من مجلدين كبيرين آخرين عن ثورة مصر؟ لا أدري تماما، سوى أني أعلم من خلال علاقتي به طيلة هذه السنوات أنه مفكر ألمعي متعدد المواهب يندر أن يخرج من فلسطين مثله أو أي دولة عربية أخرى.


تعليقات Facebook