راجع...



يفاجئنا عزمي بشارة كل مرة من جديد بمشاريعه... لكننا قررنا هذه المرة أن نعد له نحن المفاجأة، تقديراً لشخصه وتضحياته بعد عشرة أعوام من المنفى، لكن أيضا انتصارا لقضية مناضل ومثقف وسياسي تفتحت أجيال على فكره ومؤلفاته.


هل غادرنا عزمي بشارة لنسمي هذا الموقع/ الملف بـ'راجع'؟

لا، لم يغادرنا رغم أنه خرج من البلاد بشكل قسري إلى المنفى قبل عشر سنوات، ولم يغادرنا إلى درجة أنه تجذر في وعينا، نحن أبناء الحركة الوطنية من مختلف الأجيال، بفكره وحضوره الطاغي.

لم يغادرنا إذ أصبح حضوره الطاغي مثل حضور الوالد أو الأب، ليس بمعنى الوصاية على الأبناء، فهو يرفض الوصاية ويطلب منا تولي مسؤوليتنا في مشروعنا الوطني. حضور الأب بمعنى أنه تحول إلى حضور طاغ وطيف دائم أصبح وجهة للتمرد عليه بهدف إثبات الحضور وإظهار النضوج، أو التعلق به والإعجاب إلى درجة التماهي بكل ما يفعله. هذه صفات القادة الكبار.

قضية عزمي بشارة لم تبدأ قبل عشر سنوات عندما اضطر إلى الخروج من فلسطين إلى رحاب العالم العربي، بل منذ انطلاق الانتفاضة الثانية التي امتدت إلى صفوف الفلسطينيين في الداخل، إذ حددت المؤسسة الإسرائيلية مشروع التجمع وبشارة القومي الديمقراطي وتحديدا مشروع 'دولة كل المواطنين' خطرا وجوديا. وهذا ما قاله بالضبط قبل أيام من تفجر قضية عزمي بشارة في العام 2007 رئيس جهاز الأمن العام (شاباك) حينذاك، يوفال ديسكين، بأن مشروع دولة كل المواطنين الذي يتحدى يهودية إسرائيل هو خطر إستراتيجي وتآمري على إسرائيل ويشكل خطرا وجوديا عليها.

دولة كل المواطنين... خطر إستراتيجي وجودي

لا بد من العودة بالذاكرة إلى الوراء. نشرت صحيفة 'معاريف' يوم ١٣ آذار/ مارس 2007 تقريرا امتد من الصفحة الأولى حتى الثالثة عن جلسة خاصة عقدت في مكتب رئيس الحكومة حينذاك إيهود أولمرت وبمشاركة ديسكين ومسؤولين أمنيين لبحث الأوضاع السياسية لدى المواطنين العرب وما وصف بـ'التراجع المتواصل في حجم التماثل مع الدولة، وصعود أطراف متآمرة داخلها (الأقلية العربية) والمخاطر التي تنطوي على ذلك' . ونقل عن ديسكين قوله خلال الجلسة إن 'زيادة خطيرة في تطرّف عرب إسرائيل... إن زيادة تطرّف مواطني إسرائيل العرب هو خطر إستراتيجي على وجود الدولة'.

والتطرف المقصود حينها هو تبني وثائق التصور المستقبلي التي صدرت في العام ذاته لمشروع دولة كل المواطنين المناهض ليهودية إسرائيل، وهيمنته على الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل وعلى النخب السياسية والأكاديمية والثقافية العربية، وهو ما اعتبره 'الشاباك' حينها، بحسب تصريحاته، خطرا إستراتيجيا. والوثائق هي 'الرؤية المستقبلية' الصادرة عن اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية؛ 'الدستور الديمقراطي' الصادر عن 'عدالة'؛ وثيقة مركز 'مساواة' أو ما سمي 'وثيقة النقاط العشر'؛ و'وثيقة حيفا' الصادرة عن مركز مدى - الكرمل.

ونقلت 'معاريف' حينها عن مصادر أمنية رفيعة المستوى قولها في جلسات مغلقة إن ما يحصل في صفوف العرب في إسرائيل هو 'الخطر الإستراتيجي الحقيقي للمدى البعيد' على طابع إسرائيل اليهودي وحتى لوجودها كدولة يهودية.

'الشاباك': خفض سقف الخطاب السياسي... ورفع سقف المطالب من العرب

وذكرت 'معاريف' بأن 'الشاباك يحذر من مواصلة ابتعاد عرب إسرائيل عن الدولة، ويوصي برفع سقف المطالب التي تضعها الدولة أمام الأقلية العربية'.  

واقتبس التقرير معطيات من 'مؤشر العلاقات اليهودية – العربية' من العام 2006، والذي أظهر أن أكثر من 73 في المئة من المواطنين العرب يخشون من عنف الدولة تجاههم فيما أعرب 68 في المئة من اليهود خشيتهم من اندلاع انتفاضة فلسطينية داخل إسرائيل.

وأشار التقرير إلى أن الأجهزة الأمنية حذرت من أن 'التطرف' والتماثل مع الفلسطينيين والمقاومة يحصل بشكل علني ونتيجة تحريض القيادة السياسية العربية، وأنه ليس هناك أي وسيلة قانونية حقيقية لمواجهة ما يحصل.  

وأضاف التقرير أن 'المقلق بشكل خاص هو ظاهرة وثائق التصور المتكاثرة في أوساط النخب المختلفة لدى عرب إسرائيل. حتى الآن يوجد أربع وثائق، والمشترك لها هو تصور إسرائيل كدولة كل المواطنين وليس دولة يهودية'. وأضاف التقرير أن المخابرات حذرت من أن لديها معلومات تشير إلى أنه سيجري توحيد الوثائق الأربع في وثيقة واحدة.

في أعقاب النشر في 'معاريف'، توجّه الصحافي علاء حليحل، رئيس تحرير صحيفة 'فصل المقال' حينها، إلى قسم الإعلام في مكتب رئيس الحكومة بهدف تلقي أجوبة بشأن تصريحات ديسكين وتدخل 'الشاباك' بإصدار الوثائق المستقبلية.  وجاء في رد مكتب رئيس الحكومة: 'إن ما نُشر أخيرا (في 'معاريف') غير دقيق. فـ’الشاباك’ مؤتَمَن، من ضمن مسؤولياته، الحفاظ على أمن الدولة ونُظُم الحكم الديموقراطي ومؤسساته، في مقابل اي تهديدات تغييرية. وضمن هذه المسؤولية يُطلب من ’الشاباك’ أن يُحبِط أيّ نشاط تغييري من أطراف معنية بالمسّ بطابع دولة إسرائيل دولةً يهودية وديموقراطية، حتى لو كان نشاطها يتم عن طريق أدوات توفرها الديموقراطية، وذلك انطلاقًا من مبدأ الديموقراطية تدافع عن نفسها'. ولاحقا توجه مركز 'عدالة' للمستشار القضائي للحكومة بهذا الشأن.

وفي 3 نيسان/ أبريل من العام ذاته، صرحت الوزيرة السابقة شولاميت ألوني، في مقابلة مع 'المشهد الإسرائيلي' أجراها الزميل بلال ظاهر، بأن 'على عضو الكنيست عزمي بشارة أن يبدأ بتوخّي الحذر لأن لديّ انطباعا بأن ’الشاباك’ يُعدّ ملفا ضده. وأقترح عليه أن يحاذر، لأنه لا يوجد شخص لا يمكن حياكة ملف ضده... عزمي بشارة بالنسبة لهم مثل الشوكة في الحلق'.

تضاف التقارير والتصريحات المعلنة التي نشرت في العام 2007 إلى محاولات التضييق على بشارة والتجمع منذ هبة القدس والأقصى في العام 2000 ومنعه من خوض الانتخابات، لكن هذه المرة كشفت تصريحات رئيس 'الشاباك' بأن قرار التخلص من بشارة قد اتخذ وأن كافة الوسائل متاحة بعدما فشلت المحاولات القضائية، لذا قرر 'الشاباك' اللجوء إلى تلفيق أخطر التهم الأمنية لبشارة وهي 'مساعدة العدو خلال الحرب' التي تصل عقوبتها الإعدام.

كانت الأجواء في إسرائيل في ذاك العام شديدة التطرف، خصوصا بعد الإخفاق الإسرائيلي في الحرب على لبنان، وأسر جنود إسرائيليين في لبنان وغزة بفارق أسابيع. بقراءة متجددة على بعد عشرة أعوام، يبدو أن المؤسسة الإسرائيلية قررت البدء في استعادة هيبتها الأمنية وردعها بدءًا من الداخل، أي من عزمي بشارة. وقررت مواجهة مواقفه ومشروعه السياسي بأدوات أمنية مخابراتية لا يمكن مواجهتها قانونيا ولا إعلاميا، وقد جندت لهذا الملف مئات الأشخاص من وحدات مختلفة.

في موازاة ذلك، كان خطاب التجمع الذي أسس له بشارة نظريا وفكريا، خطاب دولة كل المواطنين، قد هيّمن على الخطاب السياسي العربي، وتبنته بشكل مباشر أو غير مباشر معظم القوى السياسية في الداخل، وصار في صلب الوثائق المستقبلية. واعتبرت الأجهزة الأمنية حينها أن بشارة هو الذي يقود 'التطرف' في الشارع العربي من خلال دعمه المعلن للمقاومة وزياراته المتكررة لسورية ولبنان، بالإضافة إلى الأبحاث واستطلاعات الرأي التي أجريت حينها وأظهرت مرة تلو الأخرى أن التجمع وبشارة هم الأكثر شعبية في أوساط الشباب وفي الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 18 عاما حتى 31 عاما، وبشكل كبير في الشرائح التي تصل إلى 41 عاما، أي أن مشروع التجمع وشعبية بشارة يهيمنان على الساحة العربية وعلى النخب العربية ويرفعان السقف السياسي للمواطنين العرب.

هذه هي الخلفية والسياق الحقيقي لقضية عزمي بشارة، قضية تصفية سياسية، قضية دولة تواجه مشروعا سياسيا بأدوات أمنية مخابراتية، بعدما فشلت في إجهاضه من خلال الملاحقة القضائية والتحريض الإعلامي.

***

خرج عزمي بشارة إلى المنفى بعدما كان يخطط للاستقالة من الكنيست والتفرغ للكتابة وأعماله الفكرية في قرية والده ترشيحا. خروج اعتبره البعض بأنه نهايته السياسية ونهاية تأثيره كمثقف ومفكر هام على مستوى الوطن العربي وفلسطين، وبأنه سينزوي في شقة صغيرة في إحدى العواصم العربية مثل أي 'لاجئ سياسي'، أو الانعزال عن الناس في برج عاجي في بيروت أو دمشق. لكنه فاجأنا، كما يفاجئنا كل مرة من جديد، بأن لديه طاقات لا تنضب، وإذ به يؤسس مركز دراسات يتخصص بالديمقراطية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، مقره ليس في بيروت أو برلين، وإنما في إحدى مدن الجزيرة العربية.

خرج عزمي بشارة إلى المنفى وصار فكره القومي الديمقراطي مهيمنا على جزء كبير من الشباب العربي والنخب العربية السياسية والثقافية.

يفاجئنا عزمي بشارة كل مرة من جديد بمشاريعه... لكننا قررنا هذه المرة أن نعد له نحن المفاجأة، تقديراً لشخصه وتضحياته بعد عشرة أعوام من المنفى، لكن أيضا انتصارا لقضية مناضل ومثقف وسياسي تفتحت أجيال على فكره ومؤلفاته، ولنقول له إن نفي المنفى يحصل كل يوم في فلسطين بفضل مؤلفاته ومشروعه السياسي الذي لم يعد ملكه وحده، وإنما صار تيارًا واسعا يتجاوز الحزبية والفئوية، أي صار وعيًا وممارسة، بل صار حتى تيارا على مستوى الوطن العربي.

اخترنا تسمية 'راجع' لهذا الملف لأن قضية عزمي بشارة مثلها مثل باقي قضايا المناضلين الفلسطينيين، الذين يناضلون ضد الصهيونية ويتعرضون للملاحقات ويعيشون في المنفى، لن تنتهي إلا برجوعهم وعودتهم إلى وطنهم الحر. عزمي بشارة راجع لأنه ابن هذه الأرض العربية وابن الشعب الفلسطيني... ولأنه مناضل من أجل الحرية وضد الظلم... ومن أجل قضية عادلة... ولأن له أهل ورفاق وأخوة وأبناء ما زالوا في انتظاره ههنا. هو حتمًا راجع...

تحية لعزمي بشارة وأسرته....

لمتابعة تصفح موقع 'راجع' اضغط/ي هنا


لم يكن هذا الملف/ الموقع ليخرج إلى النور بهذه الجودة والسرعة لولا التفاني في العمل من قبل مدير الموقع شادي صالح، والمبرمج باسل شليوط، والزملاء محمد محسن وتد وأحمد دراوشة ورامي حيدر، وشكر للزميل علي مواسي على الاستشارة والمساعدة في اختيار التسمية.


تعليقات Facebook