قراءة في واقع فلسطينيي الداخل وضرورة تجديد المشروع الوطني



بمناسبة عشر سنوات على خروج عزمي بشارة إلى منفاه القسري

مدخل

لا يمكن تناول موضوع العلاقة المتبادلة بين فلسطينيي الداخل وبين مؤسسات الدولة العبرية خارج السياق الاستعماري للصراع، وعلينا أن نتفق بادئ ذي بدء بأننا نعاني من سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري في الحقوق والإقصاء التام من قبل كافة مؤسسات الدولة اليهودية، ليس لأننا أقلية مهاجرة مثلا، أو لأسباب تتعلق باللون أو مكان السكن أو الدين، وإنما لأننا جزء من الشعب الفلسطيني وهو الشعب الأصلاني الذي تعرض ولا يزال لأعتى مشروع استعمار استيطاني إحلالي في التاريخ الحديث، وهذا يعني أن علاقات القوة والسيطرة القائمة بيننا وبين الأكثرية اليهودية نابعة من ومرتكزة على نتائج هذا المشروع الاستعماري المستمر.

جرى في العقدين الماضيين تطوير جدي لمفردات خطابنا في تشخيص وقراءة الماضي والواقع، ونسج روايتنا التاريخية ووضع تصور لمستقبل علاقتنا مع الدولة اليهودية وفي مقاومة الصهيونية، وذلك أساسا بفضل الجهود الفكرية للدكتور عزمي بشارة التي نشرت في أوائل التسعينيات، والتي تحولت إلى خطاب وأدبيات التجمع الوطني الديموقراطي مع منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وكانت الأكثر تأثيرا في العقود الأخيرة في بلورة الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل. كان هذا واضحا أيضا في وثائق التصور المستقبلي. مع ذلك، بقي مشروعنا يراوح في خانة المواطنة وما يشتق منها من مطالب وحقوق، ومنها طبعا موضوعة 'دولة المواطنين' التي مع الوقت تطورت لترتبط بموضوعة حقوق الشعوب الأصلانية Indigenous People، لكننا لم نذهب بعيدا في إعادة السياق الاستعماري للمشروع الصهيوني وقيام إسرائيل، وما نجم عنه من تطهير عرقي وتهجير وتدمير للوجود الفلسطيني والقضاء على المدينة الفلسطينية، خاصة أن هذا السياق هو الذي لا يزال يحدد طبيعة علاقة مؤسسات الدولة اليهودية بالفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية.   

الاتفاق على هذا التشخيص هو الركيزة الأولى والضرورية للوصول لصياغة متفق عليها وطنيا لمشروع تحرري للعرب الفلسطينيين في الداخل من هذا الاستعمار المستمر. لا يوجد حتى الآن اتفاق حتى على بداية حوار وتفاهم حول ضرورة صياغة هذا المشروع، وهناك من يعتقد بأن الناس لا تريد سوى تحسين ظروف معيشتها اليومية ولا تريد أن تنشغل بالأمور الكبرى، وان الأجدى أن نتجاوب مع توقعات الناس، وكـأن هناك تناقضا بين أمال ومطامح الناس وهمومها اليومية وبين المشروع الجماعي الوطني. حان الوقت لكي تقوم النخب والقيادات السياسية والاجتماعية الفلسطينية بلعب دور مركزي في كسر فرية الدعاية الصهيونية حول التناقض بين القضية الوطنية العامة وبين قضايا الناس وهمومها ومعاناتها، وهي أصلا نتاج المشروع والسياسة الصهيونية نفسها، وفي التوعية والتثقيف وبناء الوعي الجمعي، ليس فقط بأن لا تناقض بين المطالبة والعمل لحل قضايا ومشاكل الناس اليومية، وتوفير الحلول له وتحسين حياتها، وبين الانشغال بالمشروع الوطني وبناء المؤسسات المجتمعي القومية، وإنما باعتبارهما متكاملين تماما.

بعد ما يقارب السبعين عاما على النكبة، فإن هذا الواقع الاستعماري الاستيطاني الذي نعيشه حتى الآن يتكرس في القوانين التي تسن بفعل الأغلبية اليهودية والإجماع القومي الصهيوني، كما يجري تكريسه على الأرض عبر استخدام الأذرع التنفيذية للدولة، وكذلك لمؤسسات الاستيطان الصهيوني شبه الحكومية، مثل الصندوق القومي وقسم الاستيطان وغيرها. وما يعنينا نحن في هذه المداخلة ليس الاستعراض التاريخي ولا تفاصيل الخطاب، سواء للضحية المقموعة أو الجاني القامع، وانما الفعل السياسي للمجتمع الفلسطيني في الداخل من خلال جدلية كونه ضحية هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني من ناحية، وبكونه يعيش تحت المواطنة الإسرائيلية من ناحية أخرى. وكذلك يعنينا ما يتطلبه هذا الفعل السياسي من أسس جامعة لخطاب ورواية مشتركة، حتى لو كانت هناك تباينات واجتهادات كثيرة وخلافية بشأن تفاصيل الفعل السياسي نفسه. سأتطرق في هذه القراءة لخمسة أسئلة مركزية وأحاول الإجابة عليها لمقاربة أوضاع هذا الجزء من الشعب الفلسطيني وفق ظروفه، ولخلق حوار داخلي ضروري جدا للانطلاق من حالة المراوحة في المكان التي نعيشها في هذه المرحلة الغاية في الخطورة التي نمر بها.

السؤال الأول: الرؤية والهدف

السؤال المركزي هو سؤال الرؤية والهدف الإستراتيجي، أي سؤال المشروع، وهو يأت قبل سؤال إستراتيجيات وأساليب الفعل السياسي. بالضبط من هنا، من هذا السؤال نبدأ ومن هنا ننتهي، فماذا نريد نحن فلسطينيي الداخل حقيقة وما هو مشروعنا؟ هل نريد مشروعا تحرريا للتخلص من الاحتلال الاستعماري، أم تحسين شروط حياتنا في اطاره، وهل يخدم فعلنا السياسي الشق الاول او الثاني من هذا السؤال؟؟ هل نريد تخفيف وطأة اقتلاعنا مثلا في أم الحيران في هذه الأيام وما سيتلوها في حوالي أربعين قرية مسلوبة الاعتراف او في عمليات هدم بيوتنا الداهمة؟ ؟ هل نريد تخفيف الأضرار في عمليات مصادرة أرضنا مثلا برافر؟ هل يتحول مثلا موضوع عودة المهجرين اللاجئين في وطنهم إلى قراهم الأصلية إلى موضوع مركزي وإستراتيجي في نضالنا وحراكنا السياسي مثلا أم يبقى في أدنى سلم الأولويات بالمقارنة مع المطالب المدنية مثل الميزانيات وتحسين البنى التحتية، وبالتالي نكون  قد اختصرنا موضوع المهجرين إلى موضوع توزيع قسائم بناء, وحصرناه جماهيريا في مسيرة العودة السنوية؟؟

هل نقبل صياغة المحتل لعلاقتنا بالوطن من خلال نفيها بالكامل وتحويل فلسطين إلى جغرافية مستعمرة جديدة تعكس سيطرة رواية المستعمر وهزيمة رواية الشعب الأصلاني ؟؟ وهل نستسلم لهذا الواقع ونتنبنى ونذوت هذه الجغرافيا المغتصبة أم نريد استعادة الوطن مكانيا ونفسيا ونعود أسيادا فيه كما يليق بأصحاب الوطن وأصحاب الأرض الأصليين؟ (في هذا السياق استخدام الرواية الصهيونية للمفردات التوراتية والنصوص المقدسة لإضافة هالة من المصداقية على روايتهم استعمارية الطابع, مقابل مثلا ما فعل المستعمرون البيض في أمريكا الشمالية الذين نقلوا أسماء ومفردات بلادهم الأصلية في أوروبا، لا تخفف من وزر الجريمة، بل تجعلها أبشع.)

إننا حقيقةً لا نملك هذا المشروع حتى لو تحدثنا عنه ببعض الجمل أو تطرقنا اليه بمصطلحات معينة. ولا يكفي لكي تمتلك مشروعا تحرريا أن تستعمل مصطلح مثل المساواة في الحقوق المدنية والقومية الذي أصبح شائعا في السنوات الأخيرة. بدون أن يكون هذا الشعار مموضعا كمركب من مركبات المشروع التحرري وكرأس حربة في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري ومناقضا له، يصبح شعارا تأمليا في أحسن الأحوال، أو شعبويا لا يعول عليه ولا طائل منه.  إن مشروع وخطاب التحرر من الاستعمار يجب أن يستند للحقوق الثابتة لأصحاب الوطن الأصليين ولروايتهم التاريخية وأن يحتوي على مفردات التحرر وعلى مصطلحات رفض الأمر الواقع والاستعداد للنضال وأن يحتوي على إستراتيجيات تغيير الواقع تغييرا ثوريا وجذريا.  

إذا سؤال الرؤية وهو سؤال المشروع الوطني هو السؤال الأهم. وعلينا أن نصوغه كمشروع متكامل لاستعادة السيادة والشراكة في الوطن والتحرر من المشروع الاستعماري الصهيوني تكون المواطنة في دولة المواطنين مركبا مركزيا فيه. وهذا يعني أنه حان الوقت لتطوير خطابنا السياسي بما فيه مشروع التجمع الوطني الديموقراطي والوثائق المستقبلية بهذا الاتجاه. 

السؤال الثاني: جدلية قدرة الفعل السياسي ومنالية المشروع

لقد طور التجمع مشروع وخطاب دولة المواطنين ومشروع الإدارة الذاتية الثقافية للأقلية القومية في مواجهة المشروع الصهيوني كتحد ديموقراطي وانساني لاستمرار بل وتعمق الطبيعة الاستعمارية للصهيونية داخل إسرائيل، وذلك في ظروف اتفاقية أوسلو ومناخ التوصل إلى حل سلمي، على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين حلا عادلا وفق قرارات الأمم المتحدة. وقد اعتبرنا وما نزال نعتبر هذا المشروع حلا ديموقراطيا للعرب واليهود في آن لأنه يعتمد المساواة الكاملة والمواطنة المتساوية في دولة مدنية ويعطي الشعبين فرصة لممارسة حقهم في تقرير المصير ويحقق نوع من العدالة النسبية. حان الوقت لكي يرتبط مفهوم دولة المواطنين في خطاب التجمع بموضوعة حقوق السكان الأصلانيين ارتباطا عضويا.  لقد أقرت الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلانية عام 2007 وفي هذا الإعلان تم الإقرار بحقوق الشعوب الأصلانية في تقرير المصير وفي الأرض والموارد بشكل عام وفي الحكم الذاتي وكذلك في إدارة شؤونها الثقافية والتراثية والحضارية المختلفة.

وهذا بالنسبة لنا يعني تحديدا أن الحق في المواطنة المتساوية تنبع أصلا من هذه الحقوق ولهذا فهي مطلقة وغير مرتبطة بواجبات أو بولاء للدولة مما يعني تصحيح الغبن التاريخي عبر إقامة شراكة حقيقية في إدارة شؤون الوطن ومقدراته.

هذا المشروع في جوهره مناقض للصهيونية ومقاوم لها ولمشروعها الاستعماري في المنطقة، والذي من دون القضاء عليه لن يتحقق أي سلام عادل ولو بالحد الأدنى مع الشعب الفلسطيني، وبطبيعة الحال فلن يحدث في الموازاة اي تغيير نحو دولة المواطنين في داخل إسرائيل دون نزع الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية. ما نراه اليوم أمام أعيننا تحت حكم اليمين الذي يريد فرض 'أرض إسرائيل الكاملة' هو الصورة العكسية تماما، حيث يجري تعميق الاستيطان، وفرض زحف تدريجي للسيادة الاسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1967، وبالترابط الوثيق يجري تغول العنصرية والفاشية ضد المواطنين العرب داخل إسرائيل.

الظروف السياسية الحالية تستدعي تجديد المشروع الوطني الفلسطيني العام المناهض للمشروع الاستعماري الصهيوني العنصري، ومن دون الخوض في قضية الحل الدائم وتضاؤل إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فإن مشروع دولة المواطنين يبقى هو السلاح الأهم الذي نرفعه في وجه الصهيونية ونطرحه كبديل ديموقراطي وإنساني، ونعمل على تجنيد حلفاء لنا من اليهود أنفسهم. لا معنى ولا وجود لشراكة أو تعاون يهودي عربي بدون هذا القطيعة مع الصهيونية كمشروع استعماري استيطاني، يكرس سيطرة شعب على آخر، والبديل هو بقاء إسرائيل كدولة غازية وصليبية في المنطقة تعيش في خوف دائم داخل الجدران التي تقيمها وتعتمد على القوة العسكرية كإسبارطة حديثة. هذه الدولة العسكرية هي أيضا دولة فصل عنصري (أبرتهايد) لا تقيم وزنا للقانون الدولي، وتخرق القرارات والمواثيق الدولية، مما يفتح حلبة واسعة للنضال من أجل فرض العقوبات الاقتصادية على إسرائيل ومقاطعتها كما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لإخضاعها للإرادة الدولية. 

السؤال الثالث : المشروع الوطني والهمّ اليومي

هناك فعلا فجوة بين مقتضيات المشروع والرؤية للتحرر من الاستعمار واستعادة الشراكة في الوطن وبين هموم ومشاغل وطموحات الناس اليومية، وهذا واقع طبيعي. ولكن هناك من ينظر ويؤدلج الموضوع بأن الناس لا يهمها الآن المشروع الكبير، ولا يهمها الوطن والتحرر من الاستعمار، فهي تريد المسكن والتعليم ومقاومة العنف ومنع هدم البيوت وتريد العمل وتحسين مستوى معيشتها، ولهذا فهي تريد علاقة طبيعية مع الدولة وهذه لن تكون إلا من خلال خطاب معتدل ومقبول إسرائيليا. وينسى من يمارس وينظًر للاعتدال واللياقة السياسية المقبولة إسرائيليا، أن هذا التقسيم بين معتدلين ومتطرفين استخدم لعقود طويلة بيد المؤسسة الصهيونية الاستعمارية لإحكام السيطرة على السكان الأصليين، وابقائهم منزوعي الأرض والانتماء بلا هوية وبلا كرامة وطنية.

بالطبع، لا تناقض بين واقع وهموم وآمال وطموحات الناس وبين المشروع السياسي، بل بالعكس، هناك تكامل واضح وعضوي. إن مصداقية مشروعنا السياسي وشرعيته أصلا مرتبطتان بهموم الناس وقضاياها، وإن لم يكن كذلك سنفقد هذه الشرعية وستعزف الناس عن القيادة وعن العمل السياسي كله.

 الأمر الأساسي الذي يستعصي فهمه مع الأسف حتى على بعض مثقفينا هو أنه لا تناقض بالمرة بين مشروع التحرر من الاستعمار واستعادة الوطن وبين تحصيل الحقوق ونيل المساواة كمواطنين، بل يوجد تكامل رائع بينهما. المشكلة هي عندما يكون سقف المطالب، بمعنى سقف المشروع، هو تحصيل الحقوق المدنية ونيل المساواة، وعندها يصبح هذا المشروع واصحابه مطالبون من المنظومة الصهيونية القامعة بدفع الثمن لنيل المساواة بالولاء لها ولمشروعها، والقبول بنتائجه، بل وبتبريره بأثر رجعي.

نحن نريد تحسين شروط حياتنا لأننا أصحاب حق وأصحاب هذا الوطن. نحن نريد مساكن وبنى تحتية لأننا بحاجة ماسة لها وهي من حقنا كأصحاب حق وأصحاب وطن وهذا ليس منة من أحد . نحن نريد مدارس افضل، ونريد جهاز تعليم أفضل ونريد أن نديره نحن لأننا أصحاب حق وأصحاب وطن. نحن نريد جامعات ومعاهد أبحاث عربية لأننا أصحاب حق وأصحاب وطن ولا فضل لأحد علينا في ذلك. نحن نريد تنمية اقتصادية وقطاعات صناعية متطورة ومنتجة ونريد مصارف وشركات تأمين لأننا أصحاب حق وأصحاب وطن ولأننا نستحق ولا فضل لأحد علينا في ذلك. وفي نفس، الوقت نريد العودة لقرانا المهجرة واستعادة أراضينا المصادرة وبناء مدن وقرى جديدة لنا عليها. هكذا يكون خطاب أصحاب البلاد الأصليين.

شعبنا يريد حقوقه المدنية دون أن تأتي على حساب كرامته وعزة نفسه وعن حقه في أن يكون سيد نفسه في وطنه، وهو الباقي في وطنه والمتمسك بهويته، وهو الذي صمد في وجه كل مشاريع الصهيونية لاقتلاعه ولشرذمته، والقضاء على هويته العربية الفلسطينية. الأهم، أن نرفض أي نوع من المقايضة بين مكاسب مدنية وحقوق مطلبية هنا وهناك مع حقوقنا الجماعية أو بالولاء للدولة العبرية، أو بينها وبين تمسكنا بحقنا بالنضال مع شعبنا الفلسطيني في الدفاع عن حريته ومقدساته، ومن أجل كنس الاحتلال والمستوطنات ونيل الحرية والاستقلال وفي المشاركة بإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بعد فشل أوسلو وما يسمى حل الدولتين.

عملنا السياسي بما فيه وجودنا في الكنيست هو وجود نضالي معادٍ ومتحدٍّ للصهيونية، وللعنصرية ولجوهر الدولة اليهودية، وهذا ما علينا ان نثبّت عليه خطاب القائمة المشتركة. تفاصيل العمل البرلماني قد تغرق المشتركة في ما قد يتراكم، لعملية اندماج زاحف يسعى لتحقيق إنجازات صغيرة ثانوية في عملية تنافس بين نواب يتباهى كل منهم من هو أشطر ويعرف من تؤكل الكتف أكثر، فيما يشبه تطوير نموذج جديد لدور الوكيل بين السلطة والناس، ولكنها هي التفاصيل نفسها قادرة أن تكون ترجمة لمشروع عرب الداخل كشعب أصلاني يرى في المواطنة وسيلة لاستعادة الوطن من خلال تحقيق المساواة الكاملة في 'دولة لكل المواطنين'، وفي بناء المؤسسات القومية الجامعة كأساس للإدارة الذاتية لشؤونها.

لم يعد من الممكن قيادة وتوجيه نضال الناس حتى في مجال تحصيل الحقوق المدنية وتحسين شروط حياتها وفي التصدي للهجمة العنصرية الفاشية بنفس الوسائل القديمة. الاستمرار في نهج رد الفعل خاصة برلمانيا باستخدام نفس وسائل الاحتجاج التي لا تسمن ولا تغني من جوع تثير بعض العناوين لساعات، ومن ثم يعود كل شيء عاديا، بانتظار القانون العنصري القادم أو الهدم القادم. هذا لم يعد مقبولا وشعبنا ينتظر من القيادة إجراءات نضالية رادعة وقوية، وليس فقط إضرابا هنا ومظاهرة هناك.

نعم، طبيعة المرحلة الفاشية العنصرية تتطلب منا دراسة كل الاحتمالات والخطوات الجذرية، ومنها مثلا الامتناع عن المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية كإجراءات نضالية جماعية عقابية، لدورة واحدة أو أكثر.  

وهي تتطلب كذلك بناء العدة والعتاد أي بناء المؤسسات الوطنية والمجتمعية الجامعة. لم يعد يكف النضال البرلماني ومطالبة المؤسسة الاسرائيلية بما نستحقه من الميزانيات والبنى التحتية، وإنما ما يعول عليه هو ما نقوم به نحن كمجتمع وكشعب ببناء مؤسساتنا القومية الجامعة، والتي من المفروض أن تأخذ دورا فاعلا في تحصين المجتمع وبناء هويته والحفاظ على نسيجه الوطني والمجتمعي في غياب مؤسسات الدولة، كما أن تلعب دورا فاعلا في بناء القدرات الاقتصادية والعلمية والبحثية واستغلال الموارد البشرية الهائلة التي يمتلكها شعبنا. أي تأخير في إعادة بناء لجنة المتابعة وتحويلها من جسم تنسيقي بين الأحزاب والحركات السياسية إلى مؤسسة تمثيلية منتخبة وبناء الصندوق القومي والأذرع المهنية التنفيذية سيكون له تأثير سلبي وضار إلى حد كبير على تطورنا كمجتمع وكشعب، وعلى قدرتنا في مواجهة المخاطر والتحديات الخارجية والداخلية.

هكذا وفقط هكذا من المكن أن نحقق مكاسب في مجال الحقوق المدنية، وردع السياسة العنصرية الغاشمة من استمرار تطبيق مشاريع الهدم والمصادرة. هذا هو درس تجربة القائمة المشتركة الأساسي وكذلك دروس النضال ضد قانون برافر وصولا لأم الحيران مؤخرا.

السؤال الرابع: علاقتنا بالمشروع الوطني الفلسطيني والقضية الفلسطينية

لأول مرة منذ نصف قرن، يكون هذا السؤال سؤالا عمليا ويحتمل الكثير من الاجتهاد بل المبادرة للخوض به في العمق، ليس فقط عند فلسطينيي الداخل، بل داخل الهيئات والأحزاب والفصائل والتجمعات الفلسطينية في كل مكان. بعد الفشل واقتراب النهاية المحتومة لعملية أوسلو وكل ما تمخض عنها، وإزاء الانقسام الفلسطيني الكارثي، والتجزئة  الجغرافية بين غزة والضفة، تبرز الضرورة الماسة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، وهذا يتطلب تضافر جهود كل أبناء الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

بدون الخوض في أفاق حل الصراع وقضية حل الدولة الواحدة باحتمالاتها المختلفة أو حل الدولتين الذي أصبح حقيقة أقرب للوهم منه للواقع، وذلك بعد مضي ربع قرن على اتفاق أوسلو - الذي بدل أن يفضي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أفضى على أرض الواقع إلى تطبيق سياسة فصل عنصري وتكثيف الاستيطان وتهويد القدس وأدى بالنتيجة  للانقسام الداخلي- سيكون لفلسطينيي الداخل دور هام وإسهام كبير في إعادة بناء هذا المشروع، وفي الحوار الفلسطيني الداخلي، وأيضا في إطلاق مبادرات قاعدية خاصة على مستوى الشباب الفلسطيني في كل مكان للدفع بهذا الاتجاه.

هل ثمة تناقض بين كل ما تقدم في إعادة صياغة وبناء مشروعنا الوطني التحرري من الاستعمار الداخلي وبين انخراط فلسطينيي الداخل في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني؟

لا تناقض ابدا، بل على العكس تماما. إن بلورة الخطاب الفلسطيني والمشروع الوطني التحرري في الداخل كرأس الحربة في مواجهة الصهيونية الاستعمارية من جهة، وطرح هذا المشروع كما تقدم -أي بما يحمله من حل ديموقراطي وعادل وانساني لليهود والعرب- سيعزز ويقوي دور هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في المشروع الوطني العام.

السؤال الخامس: حول طبيعة علاقتنا يالآخر  

سؤال تفاعل وعلاقة المستعمرَ بالمستعمِر، وسؤال جدوى وأفاق العمل السياسي وواجب وسلوك الضحية المقموعة أمام القامع الجلاد، خاصة مع اشتداد حالة الصراع وازدياد العنصرية والفاشية وتعمق الاستقطاب والفجوة بين المجموعتين، هو سؤال غاية في الأهمية. من الواضح لنا أن مشروعنا السياسي المقترح للتحرر من الاستعمار الصهيوني، هو مشروع ديموقراطي وانساني للعرب الفلسطينيين سكان البلاد الأصليين، ولليهود كذلك، وهو المشروع الديموقراطي الوحيد الذي يضمن حق تقرير المصير للشعبين على أسس من العدالة والمساواة. لهذا لا يوجد لدينا ما نخفيه، وعندنا كل أسباب القوة للإجهار بمشروعنا لليهود كذلك.

 هل للحالة الاستعمارية نفسها تأثير على المستعمَرين بشكل مختلف عن حالات الصراع الأخرى بدون السياق الاستعماري. هل من الممكن أن تتطور لدى المستعمَر حالات من استذوات خطاب ورواية المستعمِر وتقبلها والاستعداد للتعامل معها من أجل نيل الحقوق؟ هناك من يعتقد أن للكلمات تأثير سحري على المستعمِر والقامع خاصة إذا قيلت بأسلوب معتدل ومقبول! هناك من يؤمن بأن واجب الضحية تحسين أخلاق الجلاد والقامع وإعادة تثقيفه أو تخليصه من عقدة الخوف مثلا. هؤلاء يعجزون عن الإجابة على سؤال لماذا كلما تحسن الوضع الإستراتيجي للمجموعة القامعة وازداد نفوذها وتأثيرها المنطقي والدولي ونمى اقتصادها كلما ازدادت يمينية وعنصرية وفاشية وتفاقمت عقدة الخوف عندها؟

ما البديل؟

يقول فرانس فانون (وفي هذا السياق بالذات نستطيع استحضار الكثير من أقوال ونظريات عالم النفس والثوري المكافح فرانس فانون) إن 'محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً لأن ذلك يبدل الكون تبديلاً تاماً. لذلك لا يمكن أن يكون ثمرة تفاهم ودي'. ويقول:'تغيير المستعمَر للعالم الاستعماري ليس معركة عقلية بين وجهتي نظر، ليس خطاباً في المساواة بين البشر، وإنما هو تأكيد عنيف للأصالة تفرض مطلقة.' لا أورد هذه الاقتباسات من الطبيب النفسي والفيلسوف المعادي للاستعمار فرانس فانون لكي نستعيد مقولة العنف الثوري، وإنما لكي نزيل أوهام فئات من المجتمع الأصلاني حول إمكانية تغيير المستعمِر من خلال تحسين الأسلوب في الخطاب، وايصال صورة معتدلة عن خطاب السكان الأصليين. نستعيده حتى نحصن انفسنا بعنفوان وانتصاب قامة أصحاب الوطن الأصليين في وجه المستعمِر، ونتخلص من بعض التشوهات الاستحواذية لدى البعض، لأخذ الرضى والتربيت على الأكتاف من فئات وسطية، أو تسمي نفسها يسارية أو ليبيرالية في مجتمع الأكثرية القامعة والمستعمِرة.

بدل العنف الذي ينظر له فانون للتخلص من الاستعمار، هناك إستراتيجيات عديدة سلمية ومدنية لترجمة مشروع التحرر من الاستعمار الصهيوني، وتحقيق الحياة المشتركة، ولكنها تبدأ أولا ببدء التصرف كشعب أصلاني له مشروع، وعنده مؤسسات قادرة على حمل هذا المشروع بشموخ وعنفوان وبمهنية عالية، ووضع المخططات لتطويره وتنفيذه، والتعامل مع الآخر ومع العالم كممثلة شرعية لهذا الشعب.

اقرأ/ي أيضًا | عزمي بشارة: من جامعة بير زيت إلى مؤسسة 'مواطن' وما بعد


تعليقات Facebook