وثائقي الاحتجاج النسائي في أراضي 48

من فيلم "ليدي كلّ العرب" لإيناس مراعنة

للفيلم الوثائقيّ أهمّيّة كبيرة في معرفة المجتمعات وطبيعتها، فهو يشكّل وثيقة غنيّة للوقوف على طبيعة مجتمع ما في فترة محدّدة، وكذلك الاطّلاع على قضايا النّاس وأحوالهم وتغيّرها تاريخيًّا.

عرفت صناعة السّينما في فلسطين إنتاج عدد من الأفلام الوثائقيّة الّتي لا تتناول القضايا السّياسيّة فحسب، إنّما تبحث عددًا من القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة، الفرديّة والجماعيّة، ومن ضمنها قضايا المرأة.

في استقراء لعدد من الأفلام الوثائقيّة الّتي صدرت في أراضي 48 بعد عام 2000، والّتي اتّخذت من المرأة محورًا لها، نرى أنّ النّساء، متحدّثات في الأفلام أو مخرجات، أبدين احتجاجًا واضحًا على قضايا يوميّة تنوّعت بين الاجتماعيّ والقانونيّ والدّيني، وحتّى المهنيّ.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ المرأة حصلت على حضور مركزيّ في العديد من الأفلام ذات المضمون السّياسيّ – القوميّ، الّتي أُنتجت في أراضي 48، كفيلم 'عروس الجليل' لباسل طنّوس، وفيلم 'زهرة' لمحمّد بكري، لكنّ هذا المقال يرمي إلى تناول الأفلام الّتي بحثت القضايا الشّخصيّة والاجتماعيّة.

بدّي أتحدّى!

تقدّم الحوارات في الأفلام نموذجًا لموقف النّساء من قضايا معيّنة، شخصيّة وعامّة، وتخلق حدّة تلك المواقف أحيانًا حالة من التّعاطف؛ ففي موقفها تجاه محاولة مقتل ابنتها، تردّ الأمّ في فيلم 'ليدي كلّ العرب' لابتسام مراعنة بالقول: 'بدّي أتحدّى!' وهي جملة كفيلة بأن تجعلنا، نحن المشاهدين، ندقّق النّظر في الصّورة الكاملة، بين حرّيّة الاختيار للفتاة في أن تترشّح لمسابقة ملكة جمال، وبين العادات والتّقاليد الّتي ترى في هذا التّرشيح استباحة لجسد امرأة تثير حفيظة مجتمع فيهبّ لمنعها... ولو بالقوّة!

ولا تكتفي هذه الأمّ بالاحتجاج على موقف المجتمع - الطّائفة الدّرزيّة في هذه الحالة - على قرار ابنتها، بل تتوسّع في طرحها وتقول: 'كلّ شهر بقتلوا بنت بحجّة شرف العيلة، والبنات بتدفع الثّمن!'

بَدَل

وفي فيلم 'بدل' للمخرجة إيناس مراعنة أيضًا، تتناول قضيّة ما يُعرف بزواج البدل،[1] وفيه تناقش إحدى البطلات حول تقسيم الوظائف في البيت بين الرّجل والمرأة، فتضحك ميّادة ابنة العشرين ربيعًا لأنّ جارها ينظّف البيت 'كالنّساء'، وتقول للمخرجة بنبرة ساخرة: 'إذا زوجك بجلي ليش إنت بالبيت؟'

ملصق فيلم 'نازك' لرامز قزموز

وهنا تضع المخرجة بطلتها أمام تحدٍّ جدّيّ، وهو تحدٍّ يوميّ لدى السّواد الأعظم من النّساء، سواء كنّ عاملات أو غير عاملات، حول تقاسم الأدوار بين المرأة والرّجل، داخل البيت وخارجه.

ولا بدّ من الإشارة أخيرًا، إلى أنّ المخرجة ابتسام مراعنة، قد قدّمت خلال السّنوات العشر الماضية، عددًا لا يستهان به من الأفلام الّتي تسلّط الضّوء على النّساء وقضاياهنّ اليوميّة، وكانت الأكثر إنتاجًا في هذا السّياق.

بعيدًا عن المطبخ...

أمّا بطلات فيلم 'عبر الحدود' للمخرج بلال يوسف، فتتكاتف اثنتان منهنّ لإعلاء صوت امرأة ثالثة. تجلس ثلاثتهنّ ويناقشن موقف الدّين الإسلاميّ من النّساء، وبين المتديّنة والعلمانيّة يدور نقاش صاخب ينتهي بسلام...

يناقش المخرج مع بطلات فيلمه قضيّة مكانة النّساء ويستمع إلى مواقفهنّ المناهضة لممارسات المجتمع الذّكوريّ. يقدّم هذا الفيلم صورة جديدة لبطلة الفيلم، عائشة، الّتي تنتقل من المطبخ إلى حقل العمل الجماهيريّ، لتكون مقولة الفيلم في نهايته إنّ كلّ امرأة قادرة على التّغيير والتّأثير.

أوّل شرطة عربيّة

أمّا المخرج رامز قزموز، فينحو منحًى فيه تحدّ لمجتمعنا على الصّعيدين الجندريّ والقوميّ، ويختار نازك، أوّل عربيّة تعمل في الشّرطة الإسرائيليّة ثمّ محقّقة أحداث فيها، لتكون بطلة فيلمه.

يضع المخرج بطلته في المركز، يتعامل معها فردًا وحالةً، متنقّلًا بين العمل في سلك الشّرطة بصفتها مهنة 'رجال'، وبين مكانة المرأة في المجتمع وتوقّع أن تقوم بمهامها أمًّا وزوجةً، ثمّ صاحبة مهنة. ولا يتردّد قزموز في نقل صورة إصرار نازك على القيام بوظيفتها وسط الرّجال، مقابل نساء أخريات مقتنعات بالفصل بين الرّجال والنّساء في الحيّز العامّ!

وفي حالة نازك، يُضافُ إلى الرّفض الاجتماعيّ لعملها وسط الرّجال، رفض سياسيّ قوميّ يكثّف من حالة التّحدّي، إذ أنّ خدمة العربيّ في الشّرطة الإسرائيليّة يعدّ من الأمور المكروهة لدى الشّرائح الأوسع من الفلسطينيّين في أراضي 48.

طلاق

إنّ صناعة أفلام كهذه توجب الالتفات إلى أفلام الطّلّاب أيضًا، ففي المدارس والكلّيّات والجامعات، تُنْتَجُ أفلام لا ترى النّور خارج النّطاق التّدريسيّ، لكنّها جديرة جدًّا بالبحث والتّحليل. فعلى مدار سنوات، تمكّن قسم الإعلام في مدرسة الفرنسيسكان الثّانويّة في النّاصرة، مثلًا، تقديم أعمال لافتة، وأودّ هنا الإشارة إلى فيلمين على وجه الخصوص:

الإعلاميّة ندين حامد

حظي فيلم 'نادين' عام 2010 بالجائزة الأولى في مهرجان القدس الدّوليّ لأفلام الشّباب على اسم 'فان لير'، وكانت الإعلاميّة نادين حامد قد قدّمت خلال دراستها الثّانويّة فيلمًا طلائعيًّا جريئًا تنتقد فيه المجتمع بدوائره القريبة والبعيدة، على التزامه الصّمت حيال تزويج الفتيات وهنّ دون الـ 20، وشيوع الطّلاق في مثل هذه الزّيجات لأسباب مختلفة. وفي حوار شائق مع جدّتها، تعاتب الحفيدة جدّتها وتصرّ على أنّ المطلّقات صغيرات السّنّ يدفعن أثمانًا باهظة نفسيًّا واجتماعيًّا، تمتدّ لتطال أولادهنّ وأحفادهنّ، منطلقة في ذلك من تجربتها الذّاتيّة، إذ انفصل والدها عن والدتها وهي في سنتها الثّانية.

الحقّ في اختيار الشّريك

أمّا في العام 2014، فقدّمت الطالبة جوانا شومر، فيلمًا رائعًا وجريئًا بطلته جدّتها الّتي تزوّجت بعد وفاة زوجها. وبالكثير من الحبّ، تطرح جوانا قضيّة حرّيّة وحقّ اختيار المرأة لزوجها، وتصوّر لنا امرأة غاية في الاستقلاليّة والمرح وحبّ الحياة برفقة زوجها الثّاني.

إنّ أبرز الفروقات بين الأفلام المهنيّة وأفلام الطّلّاب، هو مدى الجرأة في طرح الأمور. فكلتا الطّالبتين اختارت الأقرب إليها بطلةً لفيلمها، وقدّمت سيرتها دون تحفّظات ورموز، بل بوضوح وصراحة وحدّة، وليس من السّهل أبدًا أن يقدّم الإنسان نفسه أو الأقرب إليه للنّاس نموذجًا لقضايا ذات حساسيّة اجتماعيّة، ويكشف عن أسرار وخبايا شخصيّة وعائليّة.

تتميّز هذه الأفلام بجمل قصيرة تختتم الفيلم، فيها عظة للنّساء وللمجتمع... علّنا نتعظ.

 


[1]. زواج البدل، أو نكاح الشّغار وفق قديم كلام العرب، هو أن يُزَوّج الرّجل ابنته أو أخته أو غيرهما ممّن له الولاية عليها، على أن يزوّجه الآخر، أو يزوّج ابنه أو ابن أخيه، ابنته أو أخته أو بنت أخيه أو نحو ذلك، وهذا الزّواج استقبحه الإسلامه ونهى عنه الرّسول (ص).

تعليقات Facebook