كان 2016: الدّورة الّتي أحرجت الصّهاينة

كين لوتش خلال استلامه السّعفة الذّهبيّة بمهرجان كان

يمكن القول إنّ الدّورة الأخيرة من مهرجان كان السّينمائيّ كانت حادثة مؤلمة بالنّسبة للّوبي الصّهيونيّ (crif) في فرنسا وجمهوره، أو لكلّ الصّهاينة أينما كانوا، من اللّحظة الّتي أطلق فيها المهرجان ملصقه قبل شهرين، حتّى الدّقائق الأخيرة منه، قبل أيّام، حين أُعلن عن الفائز بالسّعفة الذّهبيّة.

لم تحتفِ الدّورة الـ 69 للمهرجان بأسماء مخرجين يُعرفون بمناصرتهم للقضيّة الفلسطينيّة فحسب، بل يُعرفون بيساريّتهم كذلك، ولهم آراؤهم السّياسيّة والاجتماعيّة الّتي يعبّرون عنها في أفلامهم كما في تصريحاتهم وحواراتهم. وهم، وهنا تكمن أهمّيتهم، من الأسماء الحيّة الأفضل سينمائيًّا؛ الفرنسيّ جان لوك غودار، والبريطانيّ كين لوتش، والإسبانيّ بيدرو ألمودوڤار.

من بين كلّ المخرجين الكبار الأحياء اليوم، الأكثر تقديرًا وإنجازًا سينمائيًّا، هما غودار ولوتش، لكنّهما كذلك الأكثر صراحة في إعلان تضامنهم مع الفلسطينيّين، والمهرجان هذا العام بدأ بالأوّل وأنهى بالثّاني.

'احتقار'... ملصق لكان

لجان لوك غودار مواقف عديدة تمتدّ لسنين طويلة، أعلن من خلالها تأييده للفلسطينيّين في مراحل مختلفة من نضالاتهم، ولطالما اتُهّم بمعاداة السّاميّة في فرنسا دون أن يمنعه ذلك من القول، مثلًا، إنّ ما يفعله الإسرائيليّون بالفلسطينيّين اليوم، هو ما فعله هتلر أمس باليهود.

جان لوك غودار

لا يقتصر حضور فلسطين لدى غودار على المقابلات الإعلاميّة، فمتى تحدّث في السّياسة يُتوقّع أن يأتي على ذكرها، بل يمتدّ حضورها لديه إلى الأفلام؛ من «هنا وهنالك» (1976) إلى «فيلم اشتراكيّة» (2010)، مرورًا بـ «موسيقانا» (2004)، وغيرها من الأفلام، حيث تحضر فلسطين إن لم يكن ضمن الموضوع والحوارات، فبكوفيّة تضعها إحدى الممثّلات. وقد كرّم المهرجان هذا العام غودار، بأن اتّخذ لقطة من فيلمه «احتقار» ملصقًا له.

مناصر للمقاومة الغزّيّة

المهرجان الّذي بدأ بغودار، انتهى بكين لوتش، صاحب الأفلام الاجتماعيّة والسّياسيّة والتّاريخيّة، الّتي يعبّر من خلالها عن انحيازاته للعدالة والحرّيّة. ولوتش من بين الأبرز سينمائيًّا في مناصرة الفلسطينيّين، وتحديدًا في دعوته المتكرّرة للمقاطعة الثّقافيّة التّامّة لإسرائيل، وكان من أوائل الأسماء الكبيرة الدّاعية لذلك، ما سهّل الأمر على آخرين. وقد كان لوتش من أبرز المتظاهرين أمام مبنى البي بي سي تنديدًا بتغطيتها للحرب الأخيرة على غزّة، المنحازة لإسرائيل، قائلًا عن المقاومين هناك إنّهم 'مقاتلون مقاومون وليسوا إرهابييّن أو مسلّحين'.

وقد نال لوتش قبل أيّام سعفته الذّهبيّة الثّانية في مسيرته السّينمائيّة، وذلك عن فيلمه «أنا دانييل بليك»، ونادرًا ما يحصل ذلك، إذ يكفي أن ينال أحدهم السّعفة مرّةً واحدة ليكون في مصافّ المخرجين الكبار. ثمّ، بعد كان، ذهب إلى باريس وحضر افتتاح مهرجان السّينما الفلسطينيّة هناك، وجدّد، في اليوم التّالي من السّعفة، دعوته لمقاطعة إسرائيل.

الإسبانيّون

مرّ بالمهرجان أيضًا بيدرو ألمودوڤار، وهو أحد أفضل المخرجين وأكثرهم تأثيرًا، والّذي شارك في المسابقة الرّسميّة بفيلم «خولييتا». قبل سنتين، أصدرت مجموعة من المشاهير الإسبان، من بينهم ألمودوڤار، والجميلان بينيلوبي كروز وخافيير باردم (الّذي حضر كذلك المهرجان)، رسالة تضامنيّة مع غزّة، وقد ضجّت الصّحافة بهذا البيان لثقل الأسماء الإسبانيّة الثّلاثة، سينمائيًّا وعالميًّا.

بيدرو ألمودوڤار

كانت الرّسالة نداءً إلى الاتّحاد الأوروبيّ، يطالبون فيها بـ 'إدانة القصف من البرّ والبحر والجوّ على السّكّان الفلسطينيّين المدنيّين في قطاع غزّة… غزّة تعيش رعبًا هذه الأيّام، تُحاصر وتُهاجم من كافّة الجهات، البيوت الفلسطينيّة تُدمّر، ويُمنع عنها الماء والكهرباء، وتُمنع الحركة تجاه المشافي… في حين أنّ المجتمع الدّوليّ لا يفعل شيئًا.' وقد نعتوا ما تفعله إسرائيل بـ 'الإبادة الجماعيّة'. وقد وضعت استديوهات هوليوود كلًّا من كروز وباردم على لائحتها السّوداء، بسبب ذلك.

'ميونيخ' نصري حجّاج

لم يكتف المهرجان هذا العام بما ذُكر ليكون حادثة مؤلمة لصهاينة فرنسا، فثمّة مكوّن رابع لهذه الحادثة، أكثر مباشرة؛ فضمن فعاليّة «سوق الفيلم» التّابعة للمهرجان، والمخصّصة للأفلام قيد الإنجاز، كان من بين الأفلام المدرجة للعرض ربع ساعة من فيلم «ميونيخ: حكاية فلسطينيّة»، للمخرج الفلسطينيّ نصري حجّاج، وضجّت لذلك الصّحافة الصّهيونيّة، الفرنسيّة تحديدًا، عدا عن رسائل أرسلها رئيس اللّوبي الصّهيونيّ لكلٍّ من رئيس بلديّة كان ورئيس المهرجان، بالإضافة إلى اجتماعه مع الأخير، وذلك لمنع عرض الرّبع ساعة من فيلم حجّاج الّذي يتناول الرّواية الفلسطينيّة لعمليّة ميونيخ الفدائيّة عام 1972. أخيرًا، حصل العرض كما هو مبرمج تمامًا وأُحرج الصّهاينة، وفوق ذلك، حضره كين لوتش وعبّر لحجّاج عن تأييده له ولفيلمه.

نصري حجّاج

أتى كل ذلك صدفة، كأيّ حادثة، فلم يتآمر منظّمو المهرجان على اليهود ولم يتواطؤوا مع الفلسطينيّين، لكن لحسن حظّنا أنّ لدينا قضيّة عادلة لا تخاف الأسماء الكبيرة المستقلّة والمتضامنة مع القضايا العادلة في بلادها، أن تعلن تضامنها معها.

تعليقات Facebook