برّ بحر: هل يعكس الفيلم الواقع فعلًا؟!

الممثّلات منى حوّا، وشادن قنبورة، وسنا جماليّة

شاهدت فيلم 'برّ بحر'، مؤخّرًا، في 'سينماتك حيفا' بمركز الكرمل، ضمن جولة عروض له في البلاد (أراضي 48). يسرد الفيلم، من إخراج ميسلون حمّود، قصّة ثلاث شخصيّات نسائيّة فلسطينيّات يعشن في 'كيريم هتيمنيم' في تل أبيب، حيث تتّخذ كلّ منهنّ أسلوب حياة يميّزها عن الأخريات. لشابّتين منهنّ أسلوب حياة 'متحرّر' نسبيًّا، فالأولى أنثى قويّة ومستقلّة (الممثّلة منى حوّا)، والثانية مثليّة جنسيًّا (الممثّلة سنا جماليّة)، أمّا الثالثة (الممثّلة شادن قنبورة)، فقد وصلت مؤخّرًا إلى الشقّة التي تسكن فيها تلك الشابّتان، وهي تتّسم بأسلوب حياة 'محافظ'.

النقد التالي ليس صادرًا عن شخص درس السينما أو الإخراج، إنّما عنّي، آلاء عازم، بالتعاون مع رفيقتي رنا حاجّ يحيى (خرّيجة فنون وعلم نفس)، والتي شاهدت الفيلم، وبلورنا، معًا، نقدًا عامًّا له، إيمانًا منّا بأنّ الشباب هم الأجدر بنقده، لا سيّما أنّ المخرجة ذكرت أنّ فيلمها موجّه لهم.

قراءة نسويّة: عن المغتصب

النقطة الأولى: يتمحور الفيلم، كما أرى، حول كيفيّة تعايش الشخصيّات الثلاث مع التمايز بينهنّ في المعتقد وأسلوب الحياة؛ بينما يسرد الفيلم، من جهة، الصراعات الشخصيّة التي تعيشها كلّ شخصيّة على حدة، إلّا أنّه يصل لمرحلة تجتمع فيها الشابّات الثلاث بهدف حلّ المشكلة التي تواجه نور (الشخصيّة المحافظة)، إذ تتعرّض لاغتصاب على يد خطيبها.

بعد كل الصدامات التي حدثت بين الشخصيّتين 'المتحرّرتين' والشخصيّة 'المحافظة'، يمكن قراءة التطوّر الذي طرأ على علاقتهنّ قراءة نسويّة، والقول إنّ ما جمعهنّ، في النهاية، صراعهنّ المشترك كإناث في وجه الذكوريّة المتفشّية في مجتمعنا العربيّ، بغضّ النظر عن معتقداتهنّ الفرديّة، فقد تعرّضن لتجارب متشابهة. صحيح أنّ نور تعرّضت لحادثة جدّيّة، الاغتصاب، لكنّ ليلى، الأنثى القويّة، مارس حبيبها الذكوريّة ضدّها، أيضًا، والذي اشتكى من أسلوب حياتها المتحرّر وطلب منها عدم التدخين عند حضور أخته. ليس هذا فقط، بل إنّ سلمى، المثليّة جنسيًّا، مورست بحقّها الذكوريّة، إذ هدّدها أبوها باحتجازها في البيت عندما علم بمثليّتها.

يمكن القول، إذن، إنّ ما أدّى لتلاشي الحواجز بين الشخصيّات الثلاث بسبب تمايز أسلوب الحياة، قضاياهنّ وصراعاتهنّ المشتركة كإناث عربيّات في مجتمع ذكوريّ سلطويّ، الأمر الذي نجحت ميسلون حمّود في عرضه من خلال الفيلم إلى حدّ ما. لكن، ثمّة عدّة أسئلة تدور في أذهاننا: لِمَ لَمْ يُعاقب المغتصب في النهاية؟ هل اكتفت المخرجة بتهديده بالفيديوهات التي صوّرتها خطيبته له وهو مع فتاة أخرى؟ لمَ صُوِّرَ المغتصب على أنّه شخصيّة قرويّة متديّنة؟ هل تعلم المخرجة عن حوادث اغتصاب تحدث، أيضًا، من قبل أشخاص 'يساريّين متحرّرين' وغير متديّنين؟ هذه النقطة ليست بسيطة، وهي جديرة بالتأمّل في اعتقادي، ولا أعتقد أنّ الفيلم تعامل معها بحساسيّة كما يجب.

نعم، نجحت حمّود في تصوير فئة لا بأس بها من مجتمعنا، ألا وهي الفئة التي تتعامل مع قضاياها بسطحيّة، كما تعاملت نور وصديقاتها، مثلًا، مع حادثة الاغتصاب، طالبةً من خطيبها السابق أن يطلّقها وإلّا نشرت الفيديوهات التي صوّرتها له مع فتاة أخرى.

السؤال الذي يتوجّب علينا سؤاله: ما الهدف من الأفلام التي ننتجها؟ إذ لا أعتقد أنّ على الفيلم أن يكون 'مرآة' تعكس الواقع المجتمعيّ وحسب، بل عليه، أيضًا، أن يطرح ويقترح حلولًا ممكنة للتعامل مع هذا الواقع. تكمن أهمّيّة الفيلم، في هذه الحالة، في أنّه يساهم في رفع سقف مطالب الجمهور الذي يتوجّه له؛ فحين يقدّم لنا فيلم ما حلًّا، كالذي قدّمته حمّود لحادثة الاغتصاب، سنبقى أسرى التفكير والآفات التي نعاني منها، وما الفيلم إلّا أسير لها أيضًا.

المثليّون: الواقع أشدّ

النقطة الثالثة: حين يأخذ شخص على عاتقه تمثيل واقع ما من خلال عمل أدبيّ أو فنيّ، فعليه أن يعرضه بكلّ صراعاته. فمثلًا، صراع المثلّيين والمثليّات بعامّة، والفلسطينيّين منهم بخاصّة، لا ينحصر في ما عرضته حمّود فقط!

من المعلوم لي أنّ هذه ليست القضيّة الأساسيّة في الفيلم، لكن حتّى في مشهد مواجهة سلمى لأبيها حول مثليّتها، لم يظهر ما يحدث مع المثليّين في الواقع، في موقف كهذا؛ ليس ثمّة ذكر للعنف، والتهديدات والتهكّمات، وغيرها من أساليب النفي والتهميش التي يتعرّض لها المثليّون في مسيرة الحفاظ على هويّتهم.

السياق والجيل الجديد

النقطة الرابعة: ذكرت حمّود في إحدى المقابلات، أنّ الفيلم صادر عن حاجتين؛ إنتاج أفلام تتحدّث عن قضايانا المجتمعيّة الداخليّة، بما أنّ الكثير من الأفلام أُنْتِجَت عن الاحتلال، بالإضافة إلى الحاجة للحديث عن الجيل الجديد.

السؤال الذي يُطرح: هل قضايانا المجتمعيّة الداخليّة منفصلة عن السياق الاجتماعيّ السياسيّ الذي نقع فيه جميعًا؟ الجواب هو لا. والجواب الأوسع هو أنّه ليس بإمكاننا التطرّق لقضايانا المجتمعيّة بمعزل عن التطرّق إلى لاحتلال الصهيونيّ الذي يشكّل أرضًا خصبة لاستمرارها، ويساهم في وجودها.

من جهة أخرى، وبالتطرّق إلى الحاجة الثانية التي ذكرتها حمّود في المقابلة، 'الحديث عن الجيل الجديد'؛ حرّيّ بي القول إنّ هذا الجيل لم يوجد فجأة، لم يولد فجأة، هذا 'الجيل' كان جزءًا منّا دائمًا، لكن بفعل التهميش والإنكار اللذين تعيشهما فئات اجتماعيّة عديدة، ليس فقط تلك التي عرضتها حمّود في فيلمها، فإنّ صوتها يغيب ولا تحصل على أيّ تمثيل لدى أيّ جهة. نحن نمارس هذا التهميش تجاهها طوال الوقت، وفي النهاية نتساءل: كيف لهذه الشخصيّات في الفيلم أن توجد فجأة؟ لا، الأمر ليس أنّها 'جيل جديد'، الأمر هو أنّنا بحاجة إلى أن نطّلع عليها ونتعرّض لها أكثر، لنفهمها ونفهم أنفسنا أيضًا.

في النهاية، كلّ ما ذكرته مادّة للمراجعة، لكن حرّيّ بي القول إنّ علينا، شبابًا فلسطينيّين، ألّا نقبل بالأفلام التي لا تناسب تطلّعاتنا، وأن نصبو للأعمال التي ترفع وعينا تجاه قضايانا. نعم، نُسَجَّلُ في وزارة الداخليّة معلنين وجودنا عند قدومنا إلى الحياة، لكنّ معظمنا يقضي حياته مهمّشًا ولا وجود له.

 

آلاء عازم

 

 

 

طالبة علم اجتماع وفنون في جامعة حيفا، متطوّعة في صحيفة المدينة.

 

 

 

 

* تُنشر المقالة بالتزامن مع صحيفة المدينة الورقيّة - حيفا.

تعليقات Facebook