"رجل يغرق": سبعة مشاهد تلخّص الحالة الفلسطينيّة

من فيلم "رجل يغرق" لمهدي فليفل

 

اللاجئ الغريب في أوضح صوره؛ هكذا صوّر المخرج الفلسطينيّ، مهدي فليلفل، الفنّان عاطف الشافعي في فيلم "رجل يغرق" (2017)، الذي يروي قصّة شابّ فلسطينيّ من مدينة غزّة، كما بدا من اللهجة، هاجر بـ "طريقة غير شرعيّة" من فلسطين إلى اليونان عن طريق البحر، ليواجه ظروفًا قاسية هناك، تدفعه إلى تقديم تنازلات كبيرة للبقاء على قيد الحياة وتأمين الطعام والسجائر فقط.

وإن كان سير أحداث الفيلم يعرض الحياة الصعبة والتجربة المريرة التي خاضها المهاجر في اليونان، من خلال المعنى القريب، إلّا أنّ المعنى البعيد يعكس الحالة العامّة للقضيّة الفلسطينيّة في هذه المرحلة من عمرها، ولذلك كان الفيلم مشبعًا بالكنايات عن هذه القضيّة، من خلال تصوير معاناة أحد المهاجرين الفلسطينيّين؛ بدءًا من البحر الذي هاجر عبره كثير من اللاجئين "غير الشرعيّين"، وحيدين وضائعين، يبحثون عن مكان أفضل للعيش، ويسعون إلى تحقيق آمال وطموحات قد تكون سرابًا لدى وصولهم إلى محطّتهم التالية، ما يشبه حال القضيّة الفلسطينيّة في بحر السياسة الدوليّة.

 

البيت الفلسطينيّ

يستيقظ المهاجر بين أصدقائه المهاجرين الفلسطينيّين، في بيت متواضع تعلو أحد جدرانه صورة للزعيم ياسر عرفات، ليطلب مبلغًا من بعضهم يكفيه لسدّ جوعه، سدّ جوعه فقط، فيرمي به كلّ واحد منهم على الآخر من دون أيّ نتيجة، فأوضاعهم ليست أفضل بكثير منه، في دلالة على حالة البيت الفلسطينيّ المتخبّط والعاجز عن تأدية واجباته حتّى، إذ لم يسدّد أحد رفاق السكن ديونه البالغة 2 يورو للمهاجر، وهو البيت الفاقد أوراقه بكلّ أطيافه؛ فشخصيّة الشابّ "فتح"، ولاسمه دلالة خاصّة طبعًا، تمثّل الداخل، أمّا الخارج فيتمثّل بشخصيّة "أبو الحبّ"، ولعلّ اسمه كناية عن الحبّ والعاطفة الكبيرة التي يحملها الفلسطينيّ في الخارج لبلاده، نتيجة خروجه من المشهد، ومواجهة الواقع اليوميّ المرير، بخلاف قسم كبير من الفلسطينيّين داخل فلسطين التاريخيّة، الذين تولّدت لديهم حالة من الإحباط والضيق تدفعهم إلى استغلال أيّ فرصة للهجرة، وذلك ما تجسّد بقفز الممثّل عاطف الشافعي من الشرفة نهاية المشهد، مع عدم حصوله على حاجته من رفاق السكن.

نضال تائه وتحالفات متناقضة

يخرج المهاجر إلى الشارع في عُجاج مدينة أثينا تائهًا، يطلب سيجارة من المارّة بعد أن تنازل عن وجبة الفطور، ما يعبّر عن رغبات شخصيّة بحتة، ولعلّ في ذلك إشارة إلى الاستجداء والضياع الفلسطينيّ السياسيّ أمام العالم في الفترة الراهنة، وجولات جمع المساعدات المعنويّة والمادّيّة.

شخصيّة "البيس" كانت قشّة الغريق لدى المهاجر، ويمكن أن يُعَدّ دوره تجسيدًا للولايات المتّحدة، والحوار الذي دار بينه والمهاجر تصويرًا للعلاقات الأميركيّة – الفلسطينيّة، فلقد سار على نهج "ارم نفسك في البير، وسأساعدك بعدها"، وهو الذي أمّل المهاجر بمنحه خمسة يوروهات إن سرق له حذاءً من أحد المتاجر في أثينا، ليقدّم المهاجر تنازلًا آخر ويذهب لسرقة الحذاء فعلًا، لكنّه لم يناسب مقاس "البيس"، ما أدّى إلى استغنائه عن خدماته، وتوبيخه، ونكرانه لتنازلاته، وعدم منحه المبلغ المتّفق عليه. وعلى الرغم من كلّ ذلك، ظلّ المهاجر آملًا وقابلًا بأيّ شيء يأتي من "البيس"، حتّى لو كانت السيجارة التي تعبّر عن الرغبات الخاصّة.

 

 

لقد ركّز فليفل على حالة النضال الفلسطينيّ الذي لا يأتي بنتائجه المرجوّة للأسف، في مقابل القوّة والهمجيّة الإسرائيليّة؛ إذ ناضل المهاجر في الفيلم لبيع الحذاء المسروق عبر محاولات عديدة باءت بالفشل، مع تضمين فليفل لمشاهد هذه المحاولات تفاصيل دقيقة، كإزاحة المهاجر للعوائق الصغيرة في الشارع، مثل علب المشروبات الفارغة، أثناء تجواله بحثًا عن مشترٍ، مهملًا قضيّته الشخصيّة الرئيسيّة ووضعه المادّيّ والاجتماعيّ المعدوم في اليونان، إلى أن وصل جدارًا يسدّ الطريق ويعزله عن القادم، يرمي حجارته الصغيرة عليه.

"كوكا كولا"

بعد أن هدّ التعب المهاجر الفلسطينيّ وافترش الأرض غافيًا، متوسّدًا الحذاء، جاء يونانيّ ليوقظه، فسأله عن هويّته لا عن اسمه، ليجيب المهاجر: "أنا من فلسطين، فلسطينيّ"، ليواصل محاولته بيع الحذاء، فيقتنع اليونانيّ بشرائه، لكن بشروط، إذ على المهاجر أن يرافقه إلى البيت، متذرّعًا بأنّه لا يحمل مالًا في جيبه.

في منزل اليونانيّ، صبيحة اليوم التالي، يكون المهاجر قد أدّى تنازلًا كبيرًا مقابل الحصول على المال لشراء وجبة وعلبة سجائر؛ إذ منح جسده لليونانيّ الذي استغلّه جنسيًّا، ولقد عرض الفيلم موقف المجتمعات من هذا الاستغلال، من خلال تهميش اليونانيّ وعدم إظهار وجهه مطلقًا. بعد إتمام المهمّة، حصل المهاجر على المال، لكنّ ملامح الندم والنزق التي بدت عليه لاحقًا، تبيّن حالته الشعوريّة تجاه ما تعرّض له من استغلال.

عاد المهاجر إلى شوارع أثينا، تناول وجبة متواضعة وسيجارة، ووقف على إحدى التلال ليلقي بعلبة "كوكا كولا" في وجه المدينة. "كوكا كولا"، التي تمثّل الرأسماليّة الأميركيّة المتوحّشة في الذهنيّة العربيّة، حاضرة بقوّة في المشهد، حيث صبّت كلّ التنازلات التي قدّمها المهاجر في مصلحتها التجاريّة أو المادّيّة، فبتقديمه جسده لشخص غريب مستغلّ يحصل على المال، ليدفعه لشركة "كوكا كولا" نهاية المطاف!

العودة إلى البحر

لمشهد البحر نهاية الفيلم مآلات كثيرة، ينهي بها المهاجر المسألة؛ العودة إلى الوطن، أو الانهزام لصالح الواقع، أو الاسترشاد نحو طريق أفضل، وهنا تركيز على ضرورة الالتفات إلى بناء المشروع الوطنيّ وإصلاحه بخطوات منظّمة ومدروسة وثابتة. ذلك ما لم يهتد له المهاجر في متن الفيلم، إذ لم يبحث عن عمل، ولا عن حلول صائبة لتحقيق آماله من الهجرة. كما ينادي المشهد الأخير بضرورة الاتّكال على الذات الفلسطينيّة، لا سواها، في مسيرة التحرير والانعتاق من الاحتلال الإسرائيليّ، ويصوّر المشهد مرّة أخرى عوم القضيّة الفلسطينيّة في بحر لجّيّ.

 

 

"رجل يغرق"، من إخراج الفنّان مهدي فليفل وبطولة الفنّان عاطف الشافعي، فيلم متقن من حيث السيناريو، والتمثيل، والإخراج، والموسيقى التصويريّة، التي أدّت دورها بهدوء وتأثير جيّد. ضرب الفيلم عصفورين بحجر واحد؛ سلّط الضوء على موضوع الهجرة التي يطمح إليها العديد من الشبّان الفلسطينيّين، وكان في الوقت نفسه تلخيصًا رمزيًّا جيّدًا للحالة الفلسطينيّة.

حاز الفيلم على جائزة "المهر القصير" لأفضل فيلم ضمن جوائز مهرجان دبيّ السينمائي الدوليّ عام 2017، وجائزة "سيلفر سبيك" لأفضل فيلم قصير في مهرجان بلدوليد السينمائيّ في إسبانيا، كما نافس ضمن ترشيحات مهرجان "كان" السينمائيّ العالميّ، وترشيحات جوائز "البافتا" العالميّة لأفضل فيلم قصير.

 

 غسّان فايز القيسي

 

 

كاتب فلسطينيّ يقيم في الأردنّ. يهتمّ بالشأن الفنّيّ والسينمائيّ والسياسيّ. يدرس الإذاعة والتلفزيون في جامعة 'البترا'.

 

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook