مهرجان الفيلم العربيّ برلين... أوقات لسينما ما بعد الثورات

من فيلم "على كفّ عفريت" المشارك في المهرجان

 

مضت سبع سنوات على انطلاق الثورات العربيّة أواخر عام 2010 وبداية 2011؛ سنوات شهدت إلى جانب الحراك السياسيّ وتقلّباته غير المتوقّعة في الدول العربيّة، إنتاجًا غزيرًا من الأفلام السينمائيّة، الروائيّة والوثائقيّة، تنطلق وتحكي من قلب هذه الثورات التي فجّرت معها طاقات ومواهب شبابيّة جديدة.

أصبحت الأفلام القادمة من الدول العربيّة مصدر ترحيب ومحطّ اهتمام لدى العديد من المهرجانات الدوليّة حول العالم؛ فالحدث التاريخيّ الثوريّ حصل في عصر التكنولوجيا الرقميّة التي تتيح إمكانيّات أكبر وأسرع لتوثيق المشهد، وحكاية القصّة، وإنتاج الفيلم.

 

ولعلّ السنوات الأولى للثورات تميّزت بإنتاج سينمائيّ عربيّ يحكي عن الثورات نفسها، إلّا أنّه بدأت تتشكّل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ "سينما ما بعد الثورات"، وهي تلك التي استوعبت الحدث، وبدأت تحكي عمّا بعده، حيث عوالم الشخصيّات تدور في لحظة زمانيّة خارجة من حدث الثورة وتبحث عن تأقلم جديد في المكان/ البيئة الجديدة التي يغيب فيها الاستقرار عادة، وينعكس ذلك على الشخصيّات. هذا ما ميّز العديد من أفلام "مهرجان الفيلم العربيّ برلين" في دورته التاسعة، ومن المؤكّد أنّ هذه السينما سترافقنا لسنوات عديدة قادمة.

 

مستجدّات "مثيرة للانتباه"

انطلق المهرجان يوم 11 نيسان (أبريل)، واستمرّ أسبوعًا حتّى الـ 18 من الشهر نفسه، عُرض خلاله 45 فيلمًا، إلى جانب عدد من الندوات في عدّة مسارح بمدينة برلين، في سعي لتقديم حيّز واسع لمشاهدة أعمال سينمائيّة من العالم العربيّ وسينما المهجر العربيّ، عبر أفلام روائيّة وتسجيليّة يُعرض بعضها للمرّة الأولى في ألمانيا، تناقش مستجدّات "مثيرة للانتباه"، وفق القائمين على المهرجان، الذي تتشارك عدّة مؤسّسات عربيّة وألمانيّة في تنظيمه، ودعمه، ورعايته، منها مؤسّسات رسميّة، كحكومة برلين.

تناول البرنامج الفرعيّ للمهرجان هذا العام، تحت عنوان "بقعة ضوء"، موضوعات تعكس "رؤًى حول الذكورة العربيّة"، فناقشت تغيّر المفاهيم والقضايا المرتبطة بفكرة الرجولة في الفيلم العربيّ، منذ السبعينات حتّى اليوم. أبرز هذه الاختيارات كان فيلم "غرفة لرجل" (2017) لأنطوني شدياق، الذي يأخذنا من داخل غرفته، وعبر كاميرته، للغوص في أعماق ذاته والبحث عن مفاهيم الرجولة والانتماء، من وجهة نظر شخصيّة متمرّدة على تشابكات المشاعر القوميّة والانتماء الطبقيّ والعائليّ.

تحاول الأفلام المختارة حول الذكورة العربيّة (9 أفلام)، وهي منتقاة من سنوات مختلفة، بمنهجيّتها النقديّة، مساءلة مسلّمات الذكورة ومناقشة المعايير التي تحكم العلاقلة بين الجنسين، والأدوار الاجتماعيّة المترتّبة عليها، سواء في ما يخصّ الحياة العمليّة، أو مسؤوليّات الإنفاق على العائلة وتأمين سبل العيش، بصفتها واجبًا اجتماعيًّا ووطنيًّا.

 

النكبة سينمائيًّا

كما كان لافتًا تخصيص المهرجان مجموعة أفلام خاصّة لمناسبة الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينيّة. إحياء هذه الذكرى سينمائيًّا في ألمانيا، وضمن مهرجان مدعوم من مؤسّسات ألمانيّة، أمر يثير الإعجاب، وله أهمّيّته الخاصّة لمواجهة آلة الدعاية الإسرائيليّة الناشطة في تبييض وجه الاحتلال حول العالم؛ لذلك تؤدّي السينما الفلسطينيّة دورًا مضاعفًا في رسالتها.

قدّم المهرجان ثلاثة أفلام وثائقيّة احتفاءً بهذه الذكرى، تغطّي حقبات تاريخيّة وأساليب فنّيّة مختلفة: "المنام" (1987) لمحمّد ملص، الذي يُعَدّ وثيقة تاريخيّة لحياة الفلسطينيّين في مخيّمات اللاجئين بلبنان؛ و"السطح" (2006) لكمال جعفري، الذي يحكي فيه عن أوضاع الفلسطينيّين الباقين في وطنهم بعد قيام إسرائيل، وتحوّلات الفضاء العامّ؛ و"فلسطين في العين" (1976) لمصطفى أبو علي، الذي يحكي فيه عن عالم الإنتاج السينمائيّ لحركات المقاومة الفلسطينيّة، وهو من الأفلام القليلة الباقية إلى اليوم من إنتاجات "وحدة أفلام فلسطين" التابعة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة. كذلك خُصّصت ثلاث محاضرات لتناول هذه الثيمة.

 

تونس على كفّ عفريت

كان اختيار فيلم "على كفّ عفريت" (2017) للمخرجة كوثر بن هنيّة، اختيارًا موفقًا لافتتاح المهرجان؛ فالفيلم التونسيّ يمثّل التوصيف الأدقّ لما يمكن أن نطلق عليه "سينما ما بعد الثورات". تدور أحداث الفيلم، المستوحى من قصّة حقيقيّة، حول مريم التي تتعرّض لاغتصاب من قبل عناصر للشرطة التونسيّة خلال حفلة طلّابيّة. تتحوّل تلك الليلة إلى جحيم حقيقيّ لمريم، التي تواجه مشاكل لا تقلّ وحشيّة عن الاغتصاب نفسه خلال محاولتها تقديم شكوى ضدّ عناصر الشرطة.

 

 

الفيلم المبنيّ من تسعة مشاهد طويلة فقط، بشكل متقن جدًّا، ولمدّة 100 دقيقة، يتناول أحداث تلك الليلة التي تحاول فيها مريم تقديم الشكوى، فتصطدم بمؤسّسات الدولة ومؤسّسات المجتمع الأبويّة، ما يضع مستقبلها على محكّ المجهول. تصرّ مريم على حقّها، على الرغم من أنّها وحيدة ولم يكن معها إلّا صديقها الناشط في الثورة، الذي التقته تلك الليلة واعتقلته الشرطة. يعكس إصرار مريم ومحاربتها، من أجل صون كرامتها وحقّها، البنى السلطويّة التي ما زالت قائمة وفاعلة في تونس بعد الثورة، داخل مؤسّسات الدولة، ويرصد الفساد والعربدة المستشرية فيها. كما يمثّل كفاح مريم صوت الكفاح النسويّ ضدّ الأنظمة القمعيّة، وهو ما يبيّنه الفيلم، وذلك لا يقتصر على النساء فقط؛ إذ كان بعض الرجال مع مريم وبعض النساء ضدّها، وهي قراءة نسويّة واعية للواقع الحاليّ، أجادت المخرجة في استخدامها وتوظيفها ضمن الحبكة الدراميّة. مع أنّ الفيلم الروائيّ يتحدّث عن تونس ما بعد الثورة، ويجسّد حالة التوتّر التي تعيشها البلاد، والمتمثّلة بالشدّ نحو النظام القديم (الاغتصاب والتهرّب منه - دولة بوليسيّة) من جهة، والتمرّد على النظام القديم وبناء نظام جديد (التمكّن من تقديم شكوى – دولة قانون عادل) من جهة ثانية، إلّا أنّ الفيلم يطرح قضايا أساسيّة كانت في صلب الثورات، وهي قضايا سياسيّة واجتماعيّة في الوقت نفسه: الاعتداء الجسديّ المباشر على المواطنين من قبل الأمن، ومكانة الجسد في الفضاء العامّ؛ ما يقول إنّ هذه القضايا ما زالت غير محلولة حتّى الآن.

كم كان جميلًا أن نسمع بعد عرض الفيلم، خلال الحوار الذي جرى مع بطلته، مريم الفرجاني، أنّ الفيلم المدعوم من وزارة الثقافة التونسيّة يُعرض في تونس، وتحديدًا في مراكز الشرطة، مع ورشات نقاش. ولعلّ مراكز الشرطة في الدول العربيّة المكان الأنسب لعرض هذا الفيلم، في خطوة جريئة ومباشرة لمحاربة السلطويّة الفاعلة في مؤسّسات الدولة. يُذكر أنّ القصّة الحقيقيّة الحاصلة في تونس عام 2012، أثارت ضجّة كبيرة، ولقي عناصر الشرطة المغتصبون عقابهم بالسجن.

 

في مصر... بحثًا عن "النهايات السعيدة"

فيلم آخر يمكن وضعه ضمن هذه الفئة، "النهايات السعيدة" (2016) لندى رياض وأيمن الأمير من مصر. تدور أحداث الفيلم حول مصير العلاقة العاطفيّة بين ندى وأيمن، التي بدأت في خضمّ الثورة المصريّة. بعد تردّي الأوضاع السياسيّة في بلديهما، ولا سيّما بعد الثورة المضادّة عام 2013، يسافر أيمن للخارج من أجل الدراسة، ويفكّر بالبقاء خارج مصر بسبب الأوضاع المعقّدة والصعبة التي تعيشها، مثل كثير من المصريّين، وبخاصّة الناشطين الشباب أيّام الثورة، خوفًا من المستقبل المجهول للبلد، وبحثًا عن فرص أفضل وحياة مستقرّة. في المقابل، ندى تريد البقاء في مصر وتصاب بحيرة حول مستقبل علاقتها مع أيمن، فهل تسافر معه، أو تقنعه بالبقاء؟ تساؤلات عديدة تدور بينهما، نشاهدها خلال زيارة أيمن لمصر، حيث من المقرّر أن تحسم هذه الأسئلة مستقبل علاقتهما العاطفيّة، بينما ندى التمسّك بحبيبها وبالأمل في غد أفضل لوطنها.

 

 

يعرض الفيلم الوثائقيّ نقاشات مهمّة تدور بين جيل الثورة 2011، وجيل الناشطين في السبعينات وإرث الآباء السياسيّ الثقيل، والمقارنة بين الفترتين، وحول إذا كان جيل اليوم فشل في إحداث التغيير كما الجيل السابق. أسئلة كبرى تطرحها ندى على والديها، الناشطين اليساريّين، وعلى نفسها، في مرحلة انقضاء الثورة وانتكاستها، وفي مرحلة تبحث هي عن تأسيس عائلة تحلم معها بمستقبل أفضل. ولعلّ من الاستخلاصات المهمّة التي تفضي إليها هذه النقاشات، إقرار ندى بأخطاء ارتكبها جيل الثورة.

خلال الحوار الذي جرى مع ندى وأيمن والجمهور، بعد عرض الفيلم، الذي يعاني من ضعف في عدّة مشاهد وفي المونتاج، نكتشف أنّهما تزوّجا مؤخّرًا وقرّرا العيش في مصر، وأسّسا معًا شركة لإنتاج الأفلام، مع إدراكهما لصعوبة الأحوال والسقف السياسيّ المتاح في بلدهما، لكنّهما آثرا البقاء والعمل من داخل البلد... ولعلّ في هذا تكمن "النهايات السعيدة" التي لم يكشفها الفيلم لنا.

 

فرار وعودة سوريّان

أمّا سورية، فكان نصيبها ثلاثة أفلام، تتقاطع فيها فكرة الحرب الدائرة اليوم بعد قمع الثورة عسكريًّا مع مصائر الناس. يأخذنا فيلم "ذاكرة باللون الكاكي" (2016) للمخرج الفوز طنجور، إلى قصص ومصائر مجموعة من أبناء وطنه، تتقاطع سيرهم مع سيرته الخاصّة، إذ دفعتهم الظروف السياسيّة جميعًا للفرار من بلدهم سورية، ومنهم مَنْ فعل ذلك حتّى قبل تصاعد الأحداث عام 2011. من ذاكرة أبطاله يستعيد الفيلم أجواء حياة يوميّة استنفدتها المخاوف، مستعيرًا اللون الكاكي، وهو رمز للقمع الذي يمارسه النظام لإخضاع المجتمع السوريّ وعسكرته.

 

 

أمّا فيلم "كنت نام ع السطح" (2017) للمخرجة إنجي عبيد، فيحيطنا بحياة نهاد التي تخطّت عامها الخمسين وغادرت وطنها سورية للمرّة الأولى، بسبب ويلات الحرب التي تجبرها على ترك زوجها وابنتها في دمشق والانتقال إلى بيروت، حيث تسكن هناك مع المخرجة الشابّة، صديقة ابنها الذي يعيش اليوم في فرنسا. من بيروت، تبدأ نهاد استعداداتها لحياتها الجديدة بصفتها لاجئة في أوروبّا، لكنّها تبقى عالقة في متاهة الإجراءات اللازمة لذلك. تتبدّد حياتها القديمة شيئًا فشيئًا، تشغلها نشرات الأخبار والأحاديث الهاتفيّة مع الأقارب والأصدقاء، بينما تقوى العلاقة بين الامرأتين وتتوثّق خلال رحلة بحثتهما عن الاستقرار.

 

 

مع أنّ المواضيع الطاغية في الإنتاج السينمائيّ حول سورية تكون، عادة، حول الرحيل واللجوء بسبب الحرب، إلّا أنّ فيلم "جنّتي" (2016) للمخرج أكرم حيدو، يأخذنا في رحلة عودة إلى بلده سورية، بسبب صورة قديمة لفصل مدرسيّ تعيد المخرج، بعد مرور 25 عامًا، إلى مدينته "سري كانية" (راس العين) في إقليم كردستان، شمال سورية. تمثّل الصورة شهادة على التنوّع العرقيّ والدينيّ في هذه المنطقة؛ عرب، وأكراد، وشيشان، وأرمن سكنوا مدينة أسقطتها الحرب الأخيرة فريسة للانقسام والتشتّت. لم يستطع المخرج أن يجد كلّ زملاء فصله المدرسيّ؛ بعضهم قُتل، وبعضهم فرّ وترك وراءه أصدقاءه وأملاكه. رحلة إلى الماضي يحاول الفيلم الوثائقيّ من خلالها البحث عن فرص التعايش في منطقة عصف بها غياب الاستقرار السياسيّ.

 

 

بعد انتهاء أيّام المهرجان ومشاهدة مجموعة متنوّعة من أفلامه لهذه الدورة، تتأمّل مدينة برلين التي احتضنت فعاليّات المهرجان، كما تحتضن عددًا كبيرًا من الناشطين والفنّانين والمثقّفين العرب الذين باتوا جزءًا من مشهد المدينة الثقافيّ، بعد أن رحلوا عن أوطانهم في السنوات الأخيرة، أو في سنوات سابقة؛ وتفكّر في أنّ هذا المشهد كلّه يصلح، هو الآخر، لأن يكون لقطة سينيمائيّة لما بعد الثورات.

 

ربيع عيد

 

صحافيّ فلسطينيّ ومحرّر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على البكالوريوس في  العلوم السياسيّةمن جامعة حيفا، والماجستير في الإعلام والدراسات الثقافيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

 

تعليقات Facebook