"سلمى وسري": النساء صنعن الفرق

يارا جرّار (سلمى) ونور مغربي (سري)

 

"سلمى وسري" (2019) مسلسل فلسطينيّ من 29 حلقة، كلّ منها حوالي 12 دقيقة. ينقسم المسلسل إلى ثلاثة أقسام مركزيّة، أو كما سمّاها المنتجون أجزاء. إنّ الفروقات بين الجزء والآخر ضخمة ومفصليّة، ويصعب حتّى الإيمان بأنّ العمل كتلة واحدة؛ فكأنّ شخصًا مختلفًا عمل على سيناريو كلّ جزء، وتصوير كلّ جزء، وإخراج كلّ جزء بعامّة. غير الموسيقى والصوت في المسلسل، كلّ شيء يتغيّر بين الجزء والآخر، لكن في لحظة الانتهاء من مشاهدة العمل كاملًا، يبدأ المشاهد بربط الأمور، واستيعاب مغزى هذه الفروقات الضخمة بين الأجزاء ومعناها.

في هذه المادّة، أحاول التطرّق إلى الثيمات المركزيّة الواردة في المسلسل ككلّ، وبين الحين والآخر سوف أتعامل معه، على أنّه جزء من السينما الفلسطينيّة، على الرغم من كونه مسلسلًا وليس فيلمًا، إلّا أنّ هذا يسهّل عمليّة التعامل معه، ومقارنته بأعمال مشابهة، على الأقلّ في مادّة قصيرة، وقراءة سريعة له.

 

الجزء الأوّل: قصّة سري

خلال مشاهدة الجزء الأوّل، شعرت بأنّ كلّ ما فيه عمل هواة، من حيث السيناريو والتمثيل وصقل الشخصيّات؛ فالأحداث لم تكن مقنعة بأيّ شكل من الأشكال، وتمثيلها كان ضعيفًا ودراميًّا أكثر من الحاجة في معظم الأحيان. في هذا الجزء، يعرض لنا المسلسل قصّة سري وعلاقته بوالديه وأصدقائه، بما في ذلك ضغط والدته عليه، للزواج بإحدى الفتيات الّتي تقترحها هي، بشكل تقليديّ جدًّا. شعرت في هذا الجزء بأنّ بناء الشخصيّات، كلّ الشخصيّات، كان ضعيفًا جدًّا، باستثناء البطل سري؛ إذ بقيت مسطّحة في حدود صفة واحدة أو اثنتين، هدف واحد صغير وغير ذلك، فلم أتمكّن من التواصل مع أيّ منها.

 

 

أحد أكثر المشاهد هولًا في هذا الجزء، كان لحظة زيارة عائلة سري لعائلة جيجي، الفتاة الّتي اقترحت أنّه اسمها للزواج، إنّ هذا المشهد أحد أصعب المشاهد الّتي شاهدتها في السينما المحلّيّة؛ فقد عُرضت فيه الفتاة جيجي بأكثر صورة سطحيّة ونمطيّة ممكنة. لم أقتنع قطّ بأنّ مشهدًا كهذا يمكن أن يكون قريبًا من أيّ واقع، وإن كان فأفضّل أن أبتعد عنه وأتجاهله قدر الإمكان؛ كونه قد يصيبني باليأس المطلق من المجتمع. يمكنني أن أتفهّم محاولة المخرج لعرض فكرة هذا النوع من الزواج التقليديّ، على أنّه سطحيّ وسخيف إلى أبعد الحدود، ولكن يمكن فعل ذلك أيضًا بأدوات كوميديّة، والمحافظة على الإبداع والنوعيّة، سينمائيّة كانت أو تلفزيونيّة، وقد رأينا مشهدًا كهذا من بطولة إيلي رزق، في فيلم "برّ بحر"، حيث دخل بسلاسة إلى أرشيف الكوميديا الفلسطينيّة.

على الرغم من كلّ هذا، لا بدّ من ذكر أنّه كان في هذا الجزء شيء من الإبداع في التصوير، واختيار زوايا نظر الكاميرا ووجهاتها، الّتي أشعرتني بأنّني أشاهد مسلسلًا يقوده العقل الفنّيّ، ويسعى إلى عرضه بطريقة محدّدة جدًّا، فعلى الرغم من غضبي وعصبيّتي النابعة من مشاهدة هذا الجزء، أذكّر نفسي بأنّني اخترت أن أتابع المشاهدة؛ فربّما فيه شيء لمّا أفهمه بعد. شعرت بأنّ العالم الّذي يبلوره الجزء الأوّل، بعيد كلّ البعد عن عالمي، حتّى بمفهوم منطقيّته الذهنيّة، فقد أتواصل بسهولة أكبر مع مسلسلات فانتازيا وخيال علميّ، بينما أشعر ببعد جافٍ إلى هذه الدرجة، عن مسلسل يحاكي مجتمعي وحياتي. لم أفهم سبب نفوري من الجزء الأوّل، حتّى شاهدت الجزء الثاني.

 

الجزء الثاني: بطولة النساء

منذ المشهد الأوّل في الجزء الثاني، حملت القلم وبدأت بتدوين ملاحظاتي؛ فقد شعرت مباشرةً بأنّ هذا الجزء يحاكيني، كلّ شيء في هذا الجزء كان رائعًا، من التمثيل والسيناريو الواقعيّ، حتّى حديث الشخصيّات الّذي بدا كأنّه عفويّ وخارج عن السيناريو المكتوب، بعكس الجزء الأوّل الجافّ؛ ما حوّله مباشرةً إلى واقعيّ بشكل ملحوظ. هذا الجزء كان ببطولة نسائيّة مطلقة؛ ففي مركزه كانت سلمى ووالدتها ربى وجدّتها ابتسام، وقد مثّلت كلّ واحدة منهنّ شخصيّة مدوّرة بشكل واضح، شخصيّة مصقولة ومبلورة على أكمل وجه؛ فلكلٍّ منهنّ حياتها، وطريقة كلامها، وأحلامها، وقلقها، ومزاجها، وعفويّتها.

إضافة إلى كلّ هذا، فقد حمّل كاتب السيناريو هذا الجزء، عبء القضيّة الفلسطينيّة كما تعرضها السينما؛ ففيه نرى الكثير من ثيماتها يتكرّر ويعود بصور ومشاهد جديدة. في دراسة أجرتها طالبة المحاماة عدن طاطور، أظهرت أنّ ألزهايمر المسنّين في السينما الفلسطينيّة ثيمة متكرّرة، وهنا نشاهد ألزهايمر الجدّة وكلّ التعامل معها طيلة الجزء، وخاصّة في الحلقة 12. لقد شاهدنا الثيمة ذاتها بأروع صورها في فيلم "أمور شخصيّة"، في مشهد تغيير الديكور.

 

 

موضوع العلاقة بين الأجيال والتعامل مع المسنّين، يعود ويتكرّر مرّة تلو الأخرى على مدار الجزء، حتّى يصل ذروته الأولى في الحلقة 18 "فضيحة"، الّتي تبدأ بتوثيق صدمات المسنّين وندباتهم، الّذين يحملون على أجسامهم علامات الحروب الّتي مرّت بالبلاد. ذلك المشهد الّذي يفتتح الحلقة، يذكّرني باقتباس من كتاب "ذئب الرمال": "الكدمات هي نوع من الميداليات، يحصل عليها الشخص حين يقوم بأعمال خطرة"، وفي المسلسل نرى أنّ الندبات هي كذلك ميداليات يحصل عليها الفلسطينيّ، في كلّ حرب تمرّ بها القضيّة، غير أنّ الاستماع لهذه الندبات، قد يكون مؤذيًا وصعبًا على آذان الجيلين الثالث والرابع للنكبة، جيلَي الأطفال والمستقبل؛ فسرعان ما يتحوّل مشهد توثيق الندبات إلى فضيحة كبيرة، فيها يصرخ الجميع بوجه سلمى، فكيف لها بكسر حاجز الصمت وجدار العزل بين الأجيال؟

في هذه الذروة، نجد تمثيلًا رائعًا وحقيقيًّا لصراع الأجيال، بين الماضي والحاضر، بين الشجاعة وكلام الناس، وفي النهاية ثقة الجيل بالآخر؛ فتصرخ الأم في وجه الابنة، وتجلس الجدّة في الزاوية بصمت. ثمّ يأتي مشهد "لفّ الدوالي". قد يكون هذا تفسيرًا مفرطًا، ولكن مشهد "لفّ الدوالي" في هذه النقطة بعينها من المسلسل، كان قمّة في الروعة، حيث لفّ الدوالي يكون بوضع الرزّ المبعثر، داخل إطار واضح جدًّا، وحصره بقوّة في هذا الإطار، ثمّ ترتيبه في سروب سروب كما هو "مفروض". بالضبط كما يجب أن يحافظ الكبار على الصغار، ويعلّموهم قوانين السير في التلم والنظام المجتمعيّ، المبنيّ على العادات والتقاليد وكلام الناس.

ثيمة أخرى، لم أشاهدها بهذا الوضوح في السينما الفلسطينيّة مسبقًا، ثيمة نقد الأساليب التربويّة في جهاز التربية والتعليم، وتعيد نفس الرسالة. في الحلقة 13، نشاهد سلمى ومنى تحاولان حفظ "استخدامات مواقع التواصل الاجتماعيّ"، وفي ذات اللحظة تترك كلّ منهما محاولات الحفظ التلقينيّ، وتطبّق ذات الاستخدامات على أرض الواقع على أكمل وجه؛ فكلٌّ منهما تعيش في العالم الافتراضيّ، وتتقن مهاراته وتحفظ متاهاته عن ظهر قلب، أمّا عند تحويله إلى مادّة دراسيّة جافّة، فيها تفرقة حادّة بين "عدّدي" و"اذكري"، فليس ثمّة إمكانيّة لتغلّب البنات على النظام. أظنّ قضيّة التلقين اللفظيّ، بدل منطقيّة الفهم وخوض التجربة، مجازيّة مركّبة وذكيّة لمفاهيم العادات والتقاليد، الّتي ثمّة مَنْ يتجرّعها بشكل حرفيّ ومطلق، ويتجاهل أيّ تفكّر فيها وفي منطقيّتها، إن وُجدت.

باختصار، هذا الجزء كان كثيفًا جدًّا بالرسائل والمعاني، والإبداع الفنّيّ والإنتاجيّ. لا أعرف كيف حدثت هذه الثغرة العملاقة بين الأجزاء، ولكن على ما يبدو أنّها مقصودة من البداية، والجزء الثالث يثبت ذلك.

 

الجزء الثالث: فكّ عقد وربطها

الجزء الثالث، من ناحيتي، جاء ليشرح لي كلّ ما لم أفهمه في الجزء الأوّل، وكلّ ما لم أتواصل معه. يقول هذا الجزء بشكل واضح، إنّ المجتمع الفلسطينيّ مبنيّ بالأساس من فئتين: الفئة الأولى هي كما الجزء الأوّل؛ الفئة المحافظة على العادات والتقاليد بحذافيرها، ولا ترى بها خللًا أو إشكاليّة، بالعكس تمامًا. في دراسات علم الاجتماع يُسمّى النوع الأوّل بالمجتمعات الثابتة أو الساكنة، الّتي تتردّد في تشجيع القوى الجديدة الكامنة في الشباب، وتهتمّ بشدّة بتلقينها العادات والتقاليد بحذافيرها، وأكبر مثال على هذا نجده في الكراج الّذي يعمل فيه سري، ورثته المركزيّة، أبًا عن جدّ.

 

 

النوع الثاني يشمل المجتمعات الديناميكيّة المتحرّكة، الّتي تعتمد بشكل رئيسيّ على مشاركة الشباب في صنع الواقع، وهو بالضبط ما نراه في الجزء الثاني من المسلسل. في الجزأين الأوّل والثاني، شاهدنا علاقة نفور بين الفئتين من المجتمع؛ فكلّ منهما يفضّل أن يعيش مع مَنْ يوافقه في التوجّه. في الجزء الثاني، شاهدنا حتّى تهديد الفئة الساكنة على الفئة الديناميكيّة، تحديدًا في الحلقة 18 المذكورة "الفضيحة". الجزء الثالث جاء ليعرض لنا ماذا يحصل عند لقاء الفئتين المجتمعيّتين، وكيف يمكن الموافقة بين كليهما؛ لبناء مجتمع متكامل، يحترم فيه كلّ طرف الطرف الآخر، بشكل كامل وحقيقيّ.

طبعًا لا شك في أنّ ثمّة سطحيّة معيّنة برؤية المجتمع بأكمله، على أنّه مقسوم لفئتين فقط، لكنّها مجرّد نظرة واسعة لفهم بعض المزايا العامّة الموجودة فيه، والّتي تمثّلت بكلّ وضوح في الفروقات والثغرات بين الجزأين في المسلسل.

الجزء الثالث يحكي لنا قصّة زواج سري وسلمى، وكيفيّة تدبّرهما مع عادة الزواج بالوساطة. مع كلّ تحفّظي الشخصيّ من هذه العادة؛ إلّا أنّه لا يمكننا أن ننكر - أو نتجاهل - وجودها في مجتمعنا، والمسلسل يوضّح أعقابها وإسقاطاتها بصورة حقيقيّة وواقعيّة جدًّا. إضافة إلى هذا، نجد في هذا الجزء إغلاقًا للكثير من الدوائر والقضايا، الّتي عُرضت في الجزأين الأوّل والثاني.

واحدة من هذه القضايا المركزيّة، هي العلاقة بين الكبرياء والذكوريّة، ومن بعدها الأبويّة، عند سري وأصدقائه في المسلسل؛ ففي الجزء الأوّل، نرى إسقاطات كبريائهم، الّتي تكلّف الكثير من مال وإهانة وضرب، وفي الجزء الثالث، نرى إسقاطات هذا على سري وتعامله مع سلمى، ولا سيّما في المشهد الّذي يضربها فيه، بعد أن عرض لنا موقفه من ضرب الرجال زوجاتهم في نهاية الجزء الأوّل. في النهاية يعرض لنا المسلسل، بطريقة هوليووديّة نوعًا ما، كيف أنّ التغلّب على الكبرياء يجب أن يكون واردًا دائمًا، وهذا ما يختاره الأصدقاء في النهاية.

 

أين الاحتلال؟

"تجاهل" الاحتلال الواعي ثيمة أخرى، تتكرّر في الفترة الأخيرة في الأعمال الفلسطينيّة، وفي نظري هي ثيمة إيجابيّة، لها إسقاطات حسنة على إلقاء النظرة إلى الداخل، وإلى النفس أوّلًا. الاحتلال موجود كالسحابة السوداء فوق كلّ حدث وآخر في المسلسل، لكنّه ليس الموضوع، فلنا حياة ليس الاحتلال مركزها! لم يضع المسلسل الاحتلال في مركز العمل؛ ولهذا لن أتطرّق إليه أكثر من ذلك.

 

في النهاية

في النهاية، ليس لي إلّا أن أقول، إن لم تشاهدوا "سلمى وسري"، فاتركوا كلّ شيء وشاهدوا "سلمى وسري"! عمل رائع ويستحقّ الدراسة والتمعّن، غير أنّه يكشفنا لقائمة ذهبيّة من الممثّلين الرائعين، الّذين يأخذون أدوارهم بجدّيّة كبيرة وبإبداع ملحوظ.

أخصّ بالذكر طبعًا يارا جرّار، ونور مغربي، وهما سلمى وسري، وطبعًا مايا أبو الحيّات الرائعة، والممثّلة القديرة سامية قزموز البكري، والرائعة رائدة غزالة الّتي تمكّنت - بإبداع وإتقان - من إكراهي المطلق بتهاني (أمّ سري).

في نظري، هؤلاء النساء هنّ مَنْ حوّلن المسلسل إلى عمل فنّيّ إبداعيّ من الطراز الأوّل؛ باختصار: افتحوا يوتيوب واحضروا!

 

 

لؤي وتد

 

 

باحث ومحاضر في ثقافة الأطفال والشباب، طالب دكتوراه في "جامعة تل أبيب"، في مجال "أدب الأطفال العالميّ والفلسطينيّ"، محرّر موقع "حكايا".

 

 

 

 

تعليقات Facebook