"البرج" الّذي يصوّر حياة الفلسطينيّين في مخيّمات لبنان

مخيّم "برج البراجنة" كما يصوّره الفيلم

 

جاء فيلم الصور المتحرّكة "البرج"، للمخرج النرويجيّ ماتس جرورد، ليحكي قصّة عن طفلة صغيرة في مخيّم برج البراجنة في لبنان، لكن من بين تفاصيل القصّة، يلتقط الفلسطينيّ حياة بقيّة جسده الفلسطينيّ في المخيّم، مشاهد بسيطة، واضحة، لا تحمل كنايات ولا مجازات، فقط صور متحرّكة تأتي من داخل المخيّم؛ لترينا كيف يعيش الفلسطينيّ في الشتات.

للفيلم حبكة متضافرة ومركّبة، تحمل في متنها زمنين بينهما عقود، وتحكي قصّتين فرّق المخرج بينهما وفصلهما مشهديًّا: الوقت الراهن، نراه على شكل صور متحرّكة ثلاثيّة الأبعاد، تتحدّث باللهجة العامّيّة الفلسطينيّة الجليليّة، فيه الطفلة وردة وجدّها، وبقيّة شخصيّات الفيلم، ثمّ الماضي، الممثّل بتقنيّة الارتجاع الزمنيّ بالذاكرة السرديّة؛ أي "الفلاش باك"، الّذي نراه صورًا ثنائيّة الأبعاد، متحرّكة على خلفيّة ساكنة، وفيه نرى المأساة الفلسطينيّة الّتي قد لا تكون الأولى، خلال النكبة وعمليّة التهجير واللجوء، فيمرّ بنا الفيلم على عقود متلاحقة من الحزن الفلسطينيّ وبؤس اللجوء.

 

تصعد وردة الدرج

الطفلة وردة تبحث عن الأمل من أجل إنقاذ حياة جدّها، اللاجئ من الجيل الأوّل، الّذي يفقد صحّة قلبه يأسًا، ووجعًا من اللجوء. الجدّ المريض يخلع عن عنقه سلسلة تحمل مفتاح بيته في الجليل، الّذي هُجّر منه خلال النكبة عام 1948، إلى مخيّم برج البراجنة في لبنان. تقرّر وردة أنّ جدّها مريض القلب؛ لأنّه فقد الأمل بالعودة إلى أشجار الجوّافة الحمراء، الّتي كان يزرعها في أرضه؛ ولذلك تقرّر البحث عن الأمل، لتهديه إيّاه فيشفى.

 

 

تبدأ وردة بحثها عن الأمل، وتذهب صعودًا على الأدراج الّتي تربط بيوت عائلتها الممتدّة، في بناية عالية تشبه البرج في المخيّم، وفي كلّ مرّة تتوقّف عند بيت، تلتقي فيه بشخصيّة تحكي قصّة فلسطينيّة؛ الجدّ المنتمي إلى المقاومة الشعبيّة الفلسطينيّة، الّذي تسلّم مفتاح بيته من والده حين طردته العصابات الصهيونيّة منه، الأخت الّتي أجبرتها الظروف على ترك حبيبها، وخطبة رجل لا تحبّه اعتبرته بمنزلة تذكرة خروج من المخيّم؛ لأنّه سيمكّنها من السفر، ثمّ الخالة الّتي تعدّ الطعام الفلسطينيّ، وكانت ترتعب من الظلمة في الملاجئ أثناء الغارات، ثمّ الخال، صيّاد الحمام، الّذي انتهى به الأمر معتزلًا الجميع طوعيًّا، إثر استشهاد صديقه برصاصة قنّاص أمام عينيه، وهما يلعبان حين كان فتًى يانعًا، وبين كلّ مرحلة ومرحلة، تكتشف وردة جزءًا من تاريخ بلادنا، وهجرتنا ولجوئنا، وحياتنا في المخيّم.

ورغم حزنها الّذي ينمو، وشحوبها الّذي يزداد باطّراد، قصّة وراء قصّة، تصرّ وردة على العثور على الأمل؛ من أجل أن تشفي جدّها.

 

لماذا برج البراجنة تحديدًا؟

"هذا الفيلم مُهدًى إليكم، يا مَنْ عشت معكم في مخيّم برج البراجنة، لبنان. ألهمتني قصص حياتكم أن أصنع هذا الفيلم"، هذا ما كتبه المخرج النرويجيّ ماتس جرورد في مقدّمة الفيلم إهداءً، فقد قضى عامًا في المخيّم الواقع على مشارف العاصمة اللبنانيّة بيروت، وقرّر صناعة فيلم يحكي القصّة الإنسانيّة للفلسطينيّين في المخيّم، بعيدًا عن المعترك السياسيّ؛ لأنّه رأى أنّ القصّة الإنسانيّة، أكثر أهمّيّة وديمومة في ذاكرة الشعوب، منها في السياسة.

ويُعَدّ برج البراجنة من أكثر المخيّمات بؤسًا في لبنان؛ فقد أسّسه الصليب الأحمر الدوليّ عام 1948، وتهدّم خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وتشرّد ربع سكّانه تقريبًا، ولا يوجد فيه سوى عيادة صحّيّة واحدة فقيرة للأونروا، تخدم أكثر من خمسة وعشرين ألف فلسطينيّ، أكثر من سبعة وعشرين بالمئة منهم مسجّلون حالات فقر شديد في الأمم المتّحدة.

 

هل للفيلم مصداقيّة كافية؟

إنّ ما نراه في "البرج" محزن، بيد أنّه غير صادم؛ فحال المخيّمات الفلسطينيّة معروف بؤسه، ومشهود عليه من كلّ مَنْ له عينان يرى بهما، لكنّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة أرادت أن تعرف رأي أبناء المخيّم، في ما ورد في الفيلم؛ فتحدّثت إلى الصحافيّ محمّد مصطفى عبد الحليم من المخيّم، عن المشهديّات الّتي رأيناها في الفيلم، والوضع الصحّيّ، والتعليميّ، والاجتماعيّ والبنية التحتيّة؛ تفصيلًا وتفسيرًا لها.

 

 

 - وردة تقطع شارعًا خطرًا، والجدّ لا يجد دواءه

أفادنا محمّد مصطفى عبد الحليم، بأنّه لا توجد مدارس في مخيّم برج البراجنة. يتعلّم الأطفال في مدارس تابعة لوكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين "الأونروا"، خارج المخيّم. هناك مدارس قريبة، ومدارس أكثر بعدًا عن المخيّم، وللوصول إليها يضطرّ الطلبة إلى استئجار مواصلات شهريّة، أو إلى المشي وقطع شوارع مزدحمة وخطرة عليهم.

في المخيّم عيادة صحّيّة واحدة، لا يتوفّر فيها جميع الخدمات، ولا تتوفّر فيها الأدوية الضروريّة غالبًا، هناك صيدليّات خاصّة في المخيّم توفّر الأدوية، لكنّها مرتفعة التكلفة، ولا يجد المرضى أحدًا يدعمهم بتوفير الأدوية أو ثمنها، إلّا ما ندر من مساعدات الجمعيّات الخيريّة والتنظيمات.

 

 - وردة تصعد من بيت إلى بيت، وتتسلّق ما يشبه البرج

بيوت برج البراجنة فعلًا اتّسعت عموديًّا، إلى درجة أنّ بعضها أصبح أبراجًا تصل إلى أحد عشر أو اثني عشر طابقًا، في كلّ طابق شقّة واحدة، لا تزيد مساحتها على سبعين مترًا مربّعًا، فأساس المباني ضعيف، ولا يتحمّل أكثر من ذلك، والبناء عشوائيّ، وغير مرخّص غالبًا؛ فالتوسّع في البناء ممنوع لأنّ حدود المخيّم محدودة، وإدخال موادّ البناء إلى المخيّم ممنوع من الدولة اللبنانيّة، "واللّي بدّو يعمّر بيضطرّ يدفع رشى لإدخال الموادّ وبتكاليف عالية". ولا تقدّم الدولة أيّ خدمات للمخيّم، ولا سلطة لها عليه من الداخل، فدخول رجال الأمن اللبنانيّين ممنوع بحسب الاتّفاقيّات، والدولة مضطرّة إلى التواصل مع المخيّم رسميًّا، من خلال الفصائل أو اللجان الشعبيّة للمخيّمات.

 

 - برك المياه الراكدة والبنية التحتيّة المترهّلة

أكّد لنا محمّد مصطفى، أنّ مخيّم برج البراجنة من أسوأ المخيّمات وضعًا في لبنان، وأنّه يعاني تضييقات أكثر من بقيّة المخيّمات، ولا سيّما بعد الحرب الأهليّة اللبنانيّة، حين تهدّم المخيّم وهُجّر الكثير من سكّانه ثانية، تهجيرًا بعد تهجير. وضع المخيّم من حيث البنية التحتيّة سيّئ، إلى درجة أنّ الأسلاك الكهربائيّة تتدلّى في الشوارع، وإن سقط المطر فإنّ أهالي المخيّم معرّضون إلى صعقات كهربائيّة ناجمة عن ذلك؛ ففي الأعوام الأخيرة توفّي أكثر من خمسة عشر شخصًا نتيجة لذلك.

 

 - ثمّ تنقطع الكهرباء في بيت الخالة

أمّا الكهرباء الّتي رأيناها تنقطع في الفيلم، فتقدّمها الدولة اللبنانيّة، لكن وضعها يُرثى له، بسبب قلّة الكمّيّة الّتي توفّرها الدولة، والسرقات الّتي تحدث في المخيّم، والضغط العالي الناتج عنه؛ فتحدث حرائق في مقاسم الكهرباء بين فترة وفترة، ويتكفّل المخيّم بالخسائر المادّيّة، وتكاليف إصلاحها وإعادة تشغيلها.

 

 

هكذا نرصد حياة المخيّم من فيلم روائيّ كرتونيّ، يبدو أنّ المخرج قد أوفى المخيّم حقّه، دقّةً ومصداقيّة في الوصف والتصوير، ونجح في إعطاء الإنسان أولويّة على السياسة، فنقل الحزن والبؤس واليأس والبحث عن الأمل كما هي.

 يُعَدّ فيلم "البرج" الروائيّ الطويل، العمل الأوّل لماتس جرورد، صنعه إثر بقائه في المخيّم مدّة عام، واستماعه لقصص من أجيال فلسطينيّة متعاقبة في المخيّم، سردها لنا في حبكة واحدة، جمعت الأجيال، والنكبات والمواجع المتوالية. كتب الفيلم وأخرجه ماتس جرورد، وهو إنتاج سويديّ نرويجيّ فرنسيّ مشترك، باللغات الإنجليزيّة والفرنسيّة والعربيّة، بتكلفة تقديرها أكثر من مليونَي يورو.

 

 

نداء عوينة

 

 

بدأت العمل الصحافيّ وكتابة المحتوى والتحرير عام 2008، نشرت العديد من المقالات في الصحف والمواقع العربيّة والفلسطينيّة. حاصلة على البكالوريوس في اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، والدبلوم العالي في الإعلام، ودرجة الماجستير في دراسات التواصل الدوليّ، والدكتوراه في نقد الأدب العربيّ المعاصر.

 

 

تعليقات Facebook