نقّيفة سينمائية: أول مهرجان دولي لأفلام الطلاب

طلاب سينما مشاركون في المهرجان

 

أُقيم الأسبوع الماضي أوّل مهرجان دوليّ لأفلام الطلّاب في فلسطين، في "كلّيّة دار الكلمة" في بيت لحم، تحت عنوان "مهرجان بيت لحم لسينما الطلبة"، شارك في المهرجان 75 فيلمًا من 16 دولة، من ضمنها فرنسا، وإيطاليا، وبولندا، وهنغاريا، والجزائر، ومصر، ولبنان، والأردنّ، وألمانيا، وغيرها.

اختار المهرجان شعاره، وهو عبارة عن "نقّيفة" (مقلاع)، تضرب فيلمًا سينمائيًّا. النقّيفة كانت رمز المقاومة في الانتفاضة الأولى، أمّا مدير قسم السينما السيّد سائد أنضوني فيرى "اختيار النقّيفة جاء رمزًا للسينما؛ أداةً للمقاومة".

 

سينمائيّات بقوّة

ما ميّز المهرجان مشاركة أفلام النساء الفلسطينيّات بقوّة. نسبة الطالبات اللواتي يدرسن في الكلّيّة مساوية لنسبة الشباب، هذه النسبة ما هي إلّا صورة لما يحدث خارج جدران الكلّيّة؛ فنسبة المخرجات الفلسطينيّات توازي نسبة الرجال، لكنّ نسبة المخرجات النساء في العالم أقلّ من 10%.

 

خلال حفل توزيع جوائز المهرجان

 

هذه النسبة غير مفهومة ضمنًا، ولا سيّما لمجتمع محافظ بغالبيّته كالمجتمع الفلسطينيّ. سائد أنضوني فسّر هذه الظاهرة بأنّ "المجتمع الفلسطينيّ يحترم فنّانيه ومثقّفيه؛ لأنّه أدرك أنّهم ينتجون فنًّا راقيًا؛ فنًّا يخدم قضيّتهم ومعاناتهم".

من أكثر الأفلام الّتي برزت في المهرجان "الطابق الرابع"، للشابّة شيماء عواودة، فاز الفيلم بتنويه خاصّ من لجنة التحكيم، ويحكي قصّة فتاة جامعيّة، تودّ الانتقال إلى شقّة في عمارة تقع في الطابق الرابع؛ فتحاول نقل أغراضها إلى شقّتها باستعمال المصعد، لكن عيون الجيران وهمساتهم ونظراتهم المستهجنة لها، تجعلها تتّخذ قرارًا في النهاية، بأن تنقل أغراضها وحدها صعودًا على قدميها إلى الطابق الرابع، لكي تتجنّب المضايقات.

 

دفاعًا عن أموات ماميلّا

أمّا فيلم الشابّة آلاء الداية، ابنة البلدة القديمة في القدس، المسمّى "خروج"، وهو تجريبيّ، فقد فاز بجائزة "أفضل فيلم تجريبيّ فلسطينيّ". يحكي الفيلم قصّة مقبرة مَمِلّا؛ مقبرة فلسطينيّة قديمة، استولى عليها الاحتلال رويدًا رويدًا، حتّى لم يتبقّ منها سوى بضعة قبور قديمة. الفيلم مصنوع من وجهة نظر إحدى الأرواح في المقبرة، تحاول الخروج من تحت التراب، لتبحث عن رفاقها من الأرواح المنسيّة.

تقول آلاء: "تابعت المقبرة وما حال أمرها إليه لفترة 7 سنوات، وشاهدت بأمّ عيني كيف تحوّلت المقبرة الجميلة إلى منتجع تجاريّ؛ هذا ما حثّني على صناعة هذا الفيلم، لأنّي شعرت بأنّ الموتى لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم. الاحتلال لم يُبقِ شيئًا للأحياء وحتّى للأموات؛ لاحقهم ليحتلّ مكانهم".

 

درّاجة زهريّة

أمّا شذا وزوز، ابنة الناصرة، فإنّ فيلمها "الدرّاجة الزهريّة" يحكي قصّة طفلة، تودّ لو تقود درّاجة هوائيّة، وحلمها أن تمتلك درّاجة زهريّة اللون، لكن أمّها تحاول أن تقنعها بأنّ قيادة الدرّاجات للأولاد فقط، وجدّها يمنعها.

 

طلّاب السينما المشاركون في المهرجان

 

تُقنع الطفلة ابن عمّها بأن يعلّمها سرًّا ركوب الدرّاجة، ونراها برفقة ابن عمّها تقود درّاجته بالقرب من الجدار الفاصل، لكنّها تسقط عن الدرّاجة، وتتعرّض إلى بعض الكدمات. ينقلها ابن عمّها إلى المنزل، فتكتشف أمّها أنّ البنت فقدت غشاء بكارتها نتيجة سقوطها عن الدرّاجة، ما يحرّر هذه الصغيرة من الضغط النفسيّ والاجتماعيّ حول مفهوم العذريّة؛ فنراها في نهاية الفيلم سعيدة حرّة منطلقة، تقود درّاجتها الزهريّة بكامل الانعتاق.

 

داخل الباص

فيلم آخر يندرج تحت إطار الأفلام الوثائقيّة، عُرض في المهرجان، فيلم "زيارة" لنور أبو غنية، ابنة الـ 27 عامًا، وصاحبة أستوديو للتصوير في بيت لحم، ويحكي فيلمها قصّة عائلات الأسرى، الّذين يخرجون الساعة الرابعة صباحًا، لزيارة أبنائهم وأزواجهم في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، ويركبون باص "الصليب الأحمر".

تدور أحداث الفيلم داخل الباص نفسه، وتركّز مخرجة الفيلم على الأمّهات والأطفال: "أغلب الأفلام الوثائقيّة تحدّث عن معاناة الأسرى أنفسهم، لم يتطرّق أحد إلى عائلات الأسرى ومعاناتهم في أثناء الزيارة، وخروجهم باكرًا وعودتهم في الليل، لم يتحدّث أحد عن مشاعر الأمّ والزوجة، وكم تشتاق إلى فلذة كبدها! لذلك ارتأيت أن أنقل قصّتهم ومعاناتهم".

 

هويّة مقدسيّة

أمّا فيلم دانيا عسّاف ابنة الـ 22، من سكّان علّار، المسمّى "هُويّة"، فيحكي قصّة والدتها الّتي تحمل هُويّة مقدسيّة. وبسبب سياسة تهويد القدس، وسحب هُويّات أهل المدينة، الّذين يسكنون خارج حدودها؛ اضطرّت أمّ دانيا إلى أن تعيش وحدها في القدس، بعيدًا عن زوجها وأولادها، وتأتي فقط في نهاية الأسبوع لزيارتهم. تنقل دانيا، بحسّ مرهف، معاناة والدتها المضاعفة، من الاحتلال ومن المجتمع الّذي يراقب تحرّكاتها.

تقول دانيا: "لأنّي امرأة؛ أحبّ أن أتناول مواضيع النساء، نحن نستطيع أن نروي حكايتنا بشكل أفضل، ثمّة الكثير من الموضوعات الّتي أريد أن أتطرّق إليها في أفلامي الوثائقيّة، مثل قتل النساء على ما يسمّى "شرف العائلة"، ثمّة حالات لفتيات فلسطينيّات، ادّعى أهاليهنّ أنّهنّ أقدمن على الانتحار قفزًا من سطوح عمارات، على حين يعلم الجميع أنّهنّ أُرغمن على ذلك، أو أنّهنّ دُفعن من الأعلى؛ لكي يواجهن حتوفهنّ بلا حسيب أو رقيب".

 

كلّيّة وحيدة تدرّس السينما

يستطرد مدير "قسم السينما" في "كلّيّة دار الكلمة" حديثه: "نسبة الطالبات في الكلّيّة كنسبة الشباب 50٪. وجدت أنّ الفتيات الفلسطينيّات لديهنّ قدرة على تحدّي أهاليهنّ ومجتمعهنّ بقوّة، نساؤنا قويّات ولديهنّ قصص يسردنها. وفّرت الكلّيّة بيئة حاضنة ودافئة؛ استطعنا احتواء الجميع، وإعطاءهم متّسعًا من الحرّيّة ليكوّنوا أنفسهم".

 

إحدى ورشات العمل في المهرجان

 

"كلّيّة دار الكلمة" تأسّست منذ 10 سنوات كلّيّةً للفنون، وفي الكلّيّة "قسم السينما"، و"قسم المسرح"، و"الموسيقى"، و"التصميم"، و"الفنون التشكيليّة". ومنذ 5 سنوات اعترفت "وزارة التعليم" في السلطة الفلسطينيّة بالبكالوريوس الممنوح من الكلّيّة. يمكن الطلّاب أن يختاروا شهادة دبلوم، وهي دراسة لمدّة سنتين، أو بكالوريوس لفترة 4 سنوات.

إنّ "كلّيّة دار الكلمة" الوحيدة في الضفّة الغربيّة، الّتي تدرّس السينما، وثمّة في جامعات بير زيت وأبو ديس والقدس، قسم إعلام يدرّسون فيه صناعة الأفلام الوثائقيّة.

 

جسور مستقبليّة

استضاف المهرجان 11 مخرجًا ومخرجة من أوروبّا، ونتيجةً لعدم توفّر ميزانيّة للمهرجان، استضاف الطلّاب طلّابًا أجانب، وأقام الطلّاب الأجانب في مخيّم الدهيشة ومخيّم عايدة.

وأضاف سائد أنضوني: "أردنا بهذه الطريقة أن يتعرّف طلّاب السينما الأجانب، الحياة الفلسطينيّة اليوميّة، من خلال إقامتهم مع عائلات فلسطينيّة في المخيّمات؛ بهذه الطريقة استطعنا بناء جسور مستقبليّة مع الطلّاب الأجانب، ونأمل أن يكون في المستقبل تعاون بينهم وطلّابنا".

إنّ الطلّاب ومديرهم وأساتذتهم هم مَن أشرفوا على المهرجان، وعملوا فيه بكلّ كدّ وجدّيّة، هم مَن نظّموه، واستضافوا ضيوفه، ونسّقوا البرنامج والعروض، وصنعوا الفيديوهات الدعائيّة، وروّجوا للمهرجان.

في "كلّيّة دار الكلمة"، يدرس طلّاب من البلدات الفلسطينيّة كافّة، سواء كانت قرًى أو مدنًا أو مخيّمات، أو كانوا طلّابًا من فلسطينيّي أراضي 48.

أمّا عن الحاجة إلى إقامة مهرجان طلّاب، فيقول أنضوني: "نتيجة الاحتلال، وعدم قدرة بعض الطلّاب على السفر؛ بسبب منع السلطات الإسرائيليّة إيّاهم من المغادرة، أو لظروف ماليّة أو اجتماعيّة؛ لم يستطع جزء من طلّابنا، الّذين قُبلت أفلامهم في مهرجانات دوليّة، لم يستطيعوا السفر والمشاركة، ففكّرنا، فما داموا لا يستطيعون المشاركة في الخارج، فلماذا لا نحضر لهم الخارج إلى بيت لحم؟".

طموحنا كبير في أن يصبح "مهرجان أفلام الطلّاب الدوليّ" في بيت لحم، أهمّ مهرجان طلّاب دوليّ في الشرق الأوسط.

 

 

سهى عرّاف

 

 

كاتبة ومخرجة وصحافية فلسطينية. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها "نساء حماس" و"فيلا توما"، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في "مهرجان المرأة الدولي للسينما والتلفزيون - لوس أنجلوس" لعام 2014.

 

 

تعليقات Facebook