"ناطرين فرج الله"... من اللّاشيء والعبث

إبراهيم وعماد، من فيلم "ناطرين فرج الله"

 

ليس من السهل تقييم "مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام"، الّذي عُقد نهاية الشهر الماضي، في دورته الرابعة في حيفا؛ إذ افتُتح المهرجان هذا العام متحدّيًا بعض العقبات، أهمّها منع سلطات الاحتلال دخول مديرة البرامج في المهرجان سامية العبيدي، وتميّز العام الأخير بشحّ الإنتاج السينمائيّ الفلسطينيّ الروائيّ والوثائقيّ، وقد انعكس على المهرجان وعلى اختيار الأفلام الفلسطينيّة تحديدًا.

 

بحثًا عن الطريق

من الأفلام المهمّة فلسطينيًّا، والّتي عُرضت هذا العام، "ناطرين فرج الله" للفنّان نضال بدارنة، وكان الفيلم الفلسطينيّ الوثائقيّ الوحيد الّذي يُعرض في المهرجان، وهو الوثائقيّ الثالث لبدارنة، الّذي أثبت تجربة جيّدة في إخراج الأفلام الوثائقيّة، مؤرشفًا الروايات الشخصيّة للفلسطينيّين في أراضي 48، عبر استعراض بورتريهات شخصيّات مختلفة.  

يبدأ الفيلم بالبحث عن بيت الفنّان محمود أبو جازي، ومنذ المشهد الأوّل يستعرض بدارنة عمليّة البحث عن الذات؛ من خلال البحث عن الطريق المؤدّية إلى البيت، بين أزقّة المدينة الّتي حوّلها الاحتلال إلى غيتو كبير، وجعل سكّانها نزلاء غرباء في وطنهم.

 

 

تجسّد الغربة الّتي تنعكس من شخصيّة محمود أبو جازي، حالة الغربة العامّة الّتي نستشعرها نحن الفلسطينيّين في غيتواتنا العربيّة؛ فبعد 70 عامًا على النكبة، لم تبقَ لنا مدينة ولا قرية، بل نعيش في غيتوات ضيّقة تمزّق النسيج الاجتماعيّ للمجتمع الفلسطينيّ، وتغرّب سكّان المكان، وتدفع شبابها إلى أماكن نفسيّة وحياتيّة ضيّقة.

 

إبراهيم وعماد... أحلام بسيطة

يُشرف الفنّان محمود أبو جازي، الّذي درس المسرح في اليونان، وعاد إلى مسقط رأسه عرّابة، يشرف على تدريب مجموعة من الشباب، لتأدية مسرحيّة بعنوان "ناطرين فرج الله"، مستوحاة من مسرحيّة "في انتظار جودو" للكاتب الإيرلنديّ صمويل بيكيت، المكتوبة عام 1947؛ أي بعد الحرب العالميّة الثانية، لتعكس مخلّفات الحرب على الإنسانيّة. تدور أحداث المسرحيّة حول شخصيّتي فلادمير وإستراغون، وهما شخصيّتان بسيطتان ومُهمَّشتان اجتماعيًّا، ينتظران شخصًا اسمه جودو، ليجلب لهما الخلاص من الحياة القاسية الّتي يعيشانها، في حين أنّ جودو لا يأتي أبدًا. تُعَدّ "في انتظار جودو" من أهمّ الأعمال المسرحيّة في القرن الماضي.   

فلادمير وإستراغون في الفيلم هما إبراهيم وعماد، شابّان من بلدة عرّابة، في العشرينات من عمريهما، يجسّدان الشخصيّة في المسرحيّة، ويجسّدان بطلَي الفيلم. ويُعَدّ هذا المزج بين المسرح والسينما من أهمّ مكامن قوّة الفيلم؛ إذ استطاع بدارنة أن يجمع بين مكوّنات الشخصيّات في المسرحيّة وواقع إبراهيم وعماد، بطريقة سلسة وكوميديّة ساخرة.

إبراهيم وعماد ينظران في الحقيقة أيضًا، كما ينظر معظم الشباب الفلسطينيّ في أراضي 48، يحملان أحلامًا بسيطة، وليس رومانسيًّا أن نقول إنّها بسيطة؛ فبناء البيت، والحبّ، والزواج، في أيّ سياق طبيعيّ غير استعماريّ، تبدو أحلامًا بسيطة جدًّا، لكنّها شبه مستحيلة في حياة شبيهة بحياة الغيتوات الّتي يعيشانها.

 

مقاومة الغربة

لا يمكن إزاحة الحيّز المكانيّ الّذي يعيشه الشباب جنبًا، في تحليل الشخصيّات وتطوّرها خلال الفيلم؛ فعرّابة الّتي شهدت يوم الأرض وهبّة أكتوبر (بداية انتفاضة القدس والأقصى عام 2000)، جعلا منها موقعًا مركزيًّا، في سياق النضال الفلسطينيّ في أراضي. وتأتي اليوم البلدة في الفيلم منهكة؛ أنهكها مصادرة الأراضي وانعدام البنى التحتيّة والخرائط الهيكليّة، بلدة صارت تحمل صفة مدينةٍ مؤخّرًا، لا تتّسع لأبنائها الشباب، لا تستطيع أن تحمل همومهم، ولا أن تحقّق أحلامهم، تلك البلدة الّتي تمثّلت البطولة يومًا، تستنزف الشباب، وتجعل من شعور الغربة شعورًا طبيعيًّا قسريًّا.

في مقاومة "الغربة"، جاء المسرح ليكشف عن قدرة تهكّميّة لدى الشباب؛ قدرة على تمثيل الواقع بجدارة المسرح. أتاح لنا الفيلم مشاهدة مقاطع من المسرحيّة، حيث ينتظر الشباب "فرج الله" أو "جودو" الفلسطينيّ، الّذي - حتّى نهاية الفيلم - نشعر بأنّه قد يأتي في أيّ لحظة.

 

تمسّك بالحلم

لا يمكن تجاهل التقنيّات البسيطة الّتي صُوّر بها الفيلم، والّتي أساسًا يعود سببها إلى الميزانيّة الصغيرة الّتي استطاع بدارنة أن يحصل عليها، لكن لا بدّ من القول إنّها أثّرت كثيرًا في الجودة السينمائيّة للفيلم؛ فلم تكن زوايا التصوير موفّقة، وكذا مشاكل الصوت والإضاءة؛ وقد تكون هذه المشاكل جعلت الفيلم أقرب إلى الناس، لكنّها في الواقع أساءت إلى جودته فنّيًّا.  

"ناطرين فرج الله"، الفيلم الوثائقيّ للفنّان نضال بدارنة، تجسيد للحالة الفلسطينيّة الّتي تنتظر الفرج؛ الفرج من اللاشيء، من العبث، من انعدام الأمل والأفق، لكنّه في الحقيقة يبعث شعاعًا من النور، في كلّ ما يتعلّق بالتمسّك بالحلم؛ إذ الواقع لا جدوى تُرتجى منه.

 

 

مريم فرح

 

 

مذيعة من فلسطين، تقدّم برنامج "الخطّ الأخضر" عبر "التلفزيون العربيّ". حاصلة على ماجستير الدراسات الثقافيّة وأدب الأطفال، وتدرس حاليًّا لنيل ماجستير الإعلام السياسيّ.

 

 

 

 

تعليقات Facebook