"The Skin I Live In": الهوية الجندرية وإشكالية الوعي بها

من الفيلم الإسبانيّ The Skin I Live In

 

"لا يمكنك أن تبدّل جلدك"

يتميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات بأنّه كائن ثقافيّ، وبأنّ سلوكيّاته المختلفة سلوكيّات مغايرة ومتجاوزة للفعل الغريزيّ، ومختلفة عنه في أنّها تصدر عن غايات ذهنيّة مدرِكة وواعية. وهذه المزيّة ما جعلت الإنسان يعمد إلى بناء هويّاته المختلفة، عبر ربطها بشبكة من المعاني الّتي ينسجها حول نفسه وينحاز إليها، على اعتبارها حصيلة تفاعله المستمرّ مع الواقع.

إنّ هويّات الإنسان المختلفة تأتي محصّلة معاينة واعية ومستمرّة، لنماذج مختلفة من الوضعيّات والمرجعيّات وطرائق التفكير، ثمّ اختيار ما ينسجم منها مع شبكة المعاني الّتي يُحيط بها نفسه، والمرتبطة أساسًا بكيفيّة تعريفه لتلك النفس ونظرته إليها[1].

 

 

وإنّه كثيرًا ما يُقال للإنسان في لحظات تذكيره بأصالة هويّاته المختلفة: "لا يمكنك أن تُبدّل جلدك"؛ فالجلد في التعبيرات المجازيّة المختلفة، يأتي للدلالة على مجموعة الهويّات الّتي تحصّل عليها الإنسان، نتيجة استجابته وتفاعله وإدراكه المستمرّ مع الواقع الّذي يعيش فيه، ولا يمكن أن تُغيَّر أو تُبدَّل من غير المرور بعمليّة انسلاخ صعبة ومؤلمة، قد يُشبه ألمها تمامًا ألم نزع الجلد وسلخه عن الإنسان.

 

انتقام... من جنس العمل

وإذا كان انسلاخ الإنسان عن جلده، أو تبديله وتغييره الطوعيّ لهويّاته، قد يكون صعبًا ومؤلمًا، فإنّ الفيلم الإسبانيّ "The Skin I Live In" (الجلد الّذي أعيش فيه)، يأتي ليستعرض واحدة من تلك العمليّات الانسلاخيّة المؤلمة، الّتي لا ينسلخ فيها الإنسان عن إحدى هويّاته - ويغيّرها ويبدّلها - طوعًا، بل يُسلخ عنها ويُنتزع منها انتزاعًا في عمليّة سلب قسريّة، بلا إعطاء موافقة أو إبداء رأي.

بيدرو ألمودوفار بصفته كاتب سيناريو الفيلم ومخرجه أيضًا، إنّما يُؤسّس فيلمه على فكرة الانتقام الّذي يجب أن يأتي من جنس العمل، بل ربّما يفوقه بدرجات عديدة؛ فالفيلم الّذي يؤدّي بطولته كلٌّ من أنطونيو بانديراس وإيلينا آنايا وماريسا باريديس، وغيرهم من الممثّلين الإسبان، يأتي ليروي قصّة روبرت، الطبيب المختصّ بالجراحة التجميليّة وزراعة الوجوه والأعضاء، الّذي توفّيت زوجته منتحرةً عبر إلقاء نفسها من النافذة، بعد إصابتها بحروق بكامل جسدها جرّاء حادث سير.

وبسبب انتحار ابنته، يلجأ الطبيب روبرت إلى الانتقام من الشابّ المغتصِب فينست؛ فيختطفه ويُجري عمليّة تحويل جنسيّ له، بزراعة أعضاء أنثويّة له، وتبديل وجهه ليصبح مشابهًا لوجه زوجته المنتحرة تمامًا

ليست حادثة انتحار الزوجة الحدث المأساويّ الوحيد في حياة الطبيب، فالحادثة كان لها آثار نفسيّة عميقة على ابنته، الّتي كانت تُعاني رهابًا اجتماعيًّا يمنعها من الاجتماع بالناس ومخالطتهم؛ فبسبب هذا الرهاب تجد الابنة صعوبة كبيرة في التعامل مع الناس والتعاطي معهم، وفي إحدى المرّات يُقرّر والدها الطبيب روبرت اصطحابها معه إلى إحدى الحفلات، وفي تلك الحفلة تلتقي الفتاة بشابّ يُدعى فينست، يعتدي عليها ويغتصبها؛ وهو ما يؤدّي إلى انتكاستها نفسيًّا، ثمّ انتحارها بطريقة مشابهة لانتحار والدتها، عبر إلقاء نفسها من نافذة المصحّة النفسيّة الّتي كانت تُعالَج فيها.

وبسبب انتحار ابنته، يلجأ الطبيب روبرت إلى الانتقام من الشابّ المغتصِب فينست؛ فيختطفه ويُجري عمليّة تحويل جنسيّ له، بزراعة أعضاء أنثويّة له، وتبديل وجهه ليصبح مشابهًا لوجه زوجته المنتحرة تمامًا، ويُطلِق عليه - أي على المرأة الّتي تحوّل إليها - اسم "فيرا".

 

تأويل ثقافيّ للجسد

على الرغم من كثرة الثيمات الّتي يمكن قراءة الفيلم عبرها ومن خلالها، إلّا أنّه يمكن اعتبار الهويّة الجندريّة الثيمة الأكثر بروزًا في الفيلم، فمتابعة كيفيّة تعاطي المرأة "فيرا" مع جسدها الأنثويّ وهويّتها الجندريّة الجديدة، يُظهر عدم تقبّلها لهذه الهويّة، وحنينها الدائم إلى هويّتها الجندريّة الأولى الممثَّلة بـ "فينست".  

وضمن السياق السابق، يمكن القول إنّ فهم مسألة عدم تقبّل "فيرا" لهويّتها الجندريّة الجديدة، مرتبط أساسًا بفهم مفهوم "الهويّة الجندريّة"، وفكّ الالتباس عن غيره من المفاهيم المشابهة؛ فمفهوم "الهويّة الجندريّة" مرتبط بمفهومين آخرين، هما "الجنس" و"الجندر"؛ ففي حين يُشير جنس الشخص إلى التركيبة البيولوجيّة لجسمه، وما يحتويه من خصائص عضويّة ذكريّة أو أنثويّة، تبدأ بالكروموسومات والتركيب الهرمونيّ، وتنتهي بشكل الجسم والأعضاء التناسليّة، فإنّ جندره يشير إلى كيفيّة إدراكه لذاته وللجنس الّذي ينتمي إليه، وذلك بناءً على ملاحظته للأدوار الاجتماعيّة المنوطة بكلا النوعين (الرجل والمرأة)، على أن يعتمد تحديده لجندره على عوامل عدّة، نفسيّة واجتماعيّة مختلفة[2].

تقول سيمون دي بوفوار: "لا تُولد الواحدة امرأة، بل تصبح كذلك"؛ بمعنى أنّ المرأة قد تُولد بجسد يحتوي على خصائص بيولوجيّة أنثويّة، لكنّها لا تصبح امرأة حقًّا إلّا بعد أن تدخل في تأويل ثقافيّ مستمرّ لجسدها...

وتبعًا لذلك، فإنّ "الهويّة الجندريّة" - نسبة إلى مفهوم "الجندر" - تُشير إلى الشعور الداخليّ لدى الشخص بأنّه ذكر أو أنثى أو غير ذلك؛ فهي أساسًا شعور داخليّ يصف فيها الإنسان علاقته بنفسه وجسده، ويعبّر فيها عن الإحساس الراسخ داخل نفسه، حول كيفيّة إدراكه لذاته وللنوع الاجتماعيّ الّذي ينتمي إليه.

والهويّة الجندريّة تأتي عند غالبيّة الأشخاص على أساس التوافق بين الجنس والجندر؛ بمعنى أنّ معظم الأشخاص الّذين يحوي تركيبهم الجسديّ البيولوجيّ على خصائص عضويّة ذكريّة، يشعرون داخليًّا ويدركون ذواتهم على أنّهم رجال، وأنّ معظم الأشخاص الّذين يحوي تركيبهم الجسديّ البيولوجيّ على خصائص عضويّة أنثويّة، يشعرون داخليًّا ويدركون ذواتهم على أنّهم نساء. لكن في بعض الحالات، يتولّد عند بعض الأشخاص ذلك الإحساس بالتعارض بين تركيبتهم الجسديّة البيولوجيّة، وما فيها من خصائص عضويّة ذكريّة أو أنثويّة، وبين الجندر الّذي ينتمون إليه؛ وهنا قد يلجأ هؤلاء إلى عمليّات تحويل جنسيّ وتعديل هرمونيّ، وذلك من أجل تحقيق ذلك التوافق بين جنسهم البيولوجيّ والجندر الّذي يشعرون بأنّهم ينتمون إليه[3].

أمّا الفيلسوفة الفرنسيّة سيمون دي بوفوار، فلها مقولة رصينة، توضّح فيها أنّ الهويّة الجندريّة ليست مُعطًى سهلًا وبسيطًا، يُذعن فيه الإنسان إلى حالة جسديّة بيولوجيّة وُجِد عليها؛ ففي كتابها "الجنس الآخر"، تقول سيمون دي بوفوار: "لا تُولد الواحدة امرأة، بل تصبح كذلك"؛ بمعنى أنّ المرأة قد تُولد بجسد يحتوي على خصائص بيولوجيّة أنثويّة، لكنّها لا تصبح امرأة حقًّا إلّا بعد أن تدخل في تأويل ثقافيّ مستمرّ لجسدها، تُدخله عبرها إلى مساحات الاكتشاف المعرفيّ، وتتبيّن ممكناته وحدوده ووظائفه وأدواره الاجتماعيّة، ثمّ تلجأ إلى سلوك طرق تملّكيّة لهذا الجسد، تتقمّصه فيها وتتجسّد فيه بشكل عمْديّ وهادف؛ فالهويّة الجندريّة بالنسبة إلى سيمون دي بوفوار شعور لا يتولّد داخليًّا عند الشخص، إلّا عبر عمليّة تأويل وتفسير ثقافيّ مستمرّ لجسده وذاته[4].

 

"فيرا" أم "فيرست"؟

وبالعودة إلى الفيلم، فإنّه في إحدى مشهديّاته الختاميّة، تظهر "فيرا" وهي تُقبّل صورة "فينست" الّتي تراها في إحدى الصحف ضمن إعلانات المفقودين، وذلك قبل أن تلجأ إلى قتل الطبيب روبرت ووالدته، والهرب من منزله الّذي احتجزها فيه.

عمليّة التحويل الجنسيّ الّتي أجراها الطبيب روبرت عليها قسرًا، قد تكون سلخت عنها جلدها الجنسيّ البيولوجيّ، لكنّها لم تستطع سلخ هويّتها الجندريّة الداخليّة الّتي ما زالت تدور في أفلاك الهويّة الأولى

إنّ هذه المشهديّة الختاميّة تأتي بما يُدلّل على أنّ "فيرا"، على الرغم من وجودها الجسديّ البيولوجيّ كامرأة، إلّا أنّ تأويلها الثقافيّ لجسدها ظلّ عاجزًا عن استيعاب هذا الوجود البيولوجيّ، فأدّى إلى نشوء تعارض بين جنسها البيولوجيّ والجندر المدرَك داخلها؛ فهي بيولوجيًّا امرأة تُدعى "فيرا"، لكنّها جندريًّا رجل يُدعى "فينست"، فعمليّة التحويل الجنسيّ الّتي أجراها الطبيب روبرت عليها قسرًا، قد تكون سلخت عنها جلدها الجنسيّ البيولوجيّ، لكنّها لم تستطع سلخ هويّتها الجندريّة الداخليّة الّتي ما زالت تدور في أفلاك الهويّة الأولى، فـ "فيرا" في النهاية، وعلى الرغم من وجودها الجنسيّ البيولوجيّ كامرأة، إلّا أنّها لم تستطع يومًا أن تصبح كذلك.         

..........

إحالات:

[1]  عبد الغني عماد، "سوسيولوجيا الهويّة: جدليّات الوعي والتفكّك وإعادة البناء"، مجلّة المستقبل العربيّ، عدد 457 (2017)، ص39 - 40.

[2]  مايا أنور، مدخل إلى الهويّة الجندريّة، موقع ترانسات، 17/11/2017، شوهد في 5/10/2019، في: https://bit.ly/31MOEnV

[3]  المرجع نفسه.

[4]  "جوديت بتلر: الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار"، موقع نَظَرْ نِت، ترجمة: لجين اليماني، مراجعة: أحمد العوفي، 19/3/2016، شوهد في 5/10/2019، في: https://bit.ly/2Iqvb4u

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook