"غزّة": حكاية الفيلم الذي رفضته نتفليكس ويترشح للأوسكار

من مشاهد الفيلم الوثائقيّ الأيرلنديّ "غزّة"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

أعلنت "أكاديميّة الأفلام والتلفزيون الأيرلنديّة" (IFTA) أنّ الفيلم الوثائقيّ "غزّة"، للمخرجَين جاري كين وأندرو ماكونيل، اختير ليترشّح باسم أيرلندا لجائزة "الأوسكار" لفئة أفضل فيلم روائيّ دوليّ، في حفل توزيع جوائز "الأوسكار" السنويّ الـ 92 القادم، وذلك بعد حصوله على جائزة أفضل فيلم وثائقيّ من "مهرجان أيرلندا السينمائيّ" لعام 2019، ومشاركته في عدد من المهرجانات العالميّة. رفضت شبكة نتفليكس الأميركيّة عرض الفيلم، كما رفض عرضه مهرجان "الجونة" المصريّ، وتنتظر غزّة أوّل عروضه ضمن "مهرجان السجّادة الحمراء" المُزمَع عقده خلال تشرين الأوّل (نوفمبر) القادم.

لنعرف حكاية إنتاج الفيلم ورحلته حتّى الآن، التقينا في غزّة مدير إنتاجه، فادي حنّونة، فكان هذا ما كشفه لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة من تفاصيل.

 

البداية

بدأت فكرة الفيلم حينما تواصل المخرج جاري كين مع المصوّر أندرو ماكونيل، لإبلاغه نيّته العمل على فيلم يتناول حياة مجموعة مصوّرين. ماكونيل الّذي كان موجودًا في غزّة آنذاك لتغطية العدوان الكبير عليها صيف 2014، أبدى موافقته مع تأجيل الأمر إلى حين عودته إلى أيرلندا، وحين عاد والتقى كين، وشاهد الأخير ما صوّره ماكونيل، اندهش ممّا رأى، وقرّرا معًا البدء بالعمل على فيلم عن غزّة، وبعد سلسلة اتّصالات مكثّفة ومشاورات مع المونتير ميك ماهون، الّذي أبدى لاحقًا قبوله الأوّليّ للعمل على الفيلم، وأنّه يمكن صناعة فيلم من المشاهد المصوّرة أثناء العدوان على غزّة، تواصل المخرج مع الشخص الّذي رافق ماكونيل في غزّة، فادي حنّونة، الّذي وافق مباشرةً على العمل معًا، بعد إبداء المخرج رغبته في عمل فيلم مختلف عن غزّة، لا يقتصر على مشاهد الحرب فقط.

 

 

تحدّيات

حول التحدّيات والعراقيل الّتي واجهها طاقم الفيلم، يقول فادي: "بعد موافقة الأطراف على بدء العمل على الفيلم، بدأنا سلسلة من الأبحاث استغرقت عامًا كاملًا، إبّان عدوان صيف 2014. استطاع المخرج والمصوّر إصدار تصريح لزيارة غزّة لمدّة أسبوعين، وذلك عام 2015، وقد جرى تصوير مقابلات مع بعض الشخصيّات الّتي اختيرت. ثمّ بدأنا البحث عن تمويل للعمل، بعد أن تمكّنّا من تجهيز مقطع تعريفيّ (برومو) عن الفيلم".

واجه طاقم العمل صعوبات وعقبات لم يتوقّعوها في الحصول على تمويل، استمرّت ثلاث سنوات، وحول ذلك يقول فادي: "وجهة نظري عن سبب صعوبة التمويل التي واجهتنا، أنّ كثيرًا من شركات الإنتاج والمنتجين والمموّلين حينما تقول له ‘غزّة‘، يذهب فكرُهم إلى أنّه ما من جديد تقدّمه عن غزّة، وأنّه جرى عمل كلّ شيء عنها تقريبًا. أثناء السنوات الثلاث هذه، كنّا نتواصل أنا والمخرج بشكل شبه يوميّ، مراسلات مستمرّة ومتواصلة حول عناصر الفيلم كافّة، وحول بحثنا الدؤوب عن تمويل، ولم نستسلم إلى أن تمكّنّا من الحصول على أوّل تمويل عام 2018، بقيمة 300,000 يورو؛ ذلك أعطانا دفعة قويّة ومكّننا من النهوض ثانية، وبدء التنسيق للزيارة الثانية الّتي ستمتدّ شهرًا ونصف الشهر، وفقًا للخطّة المعَدّة سلفًا".

ويضيف فادي: "المعيقات والعراقيل لم تتوقّف إلى هنا، بدءًا بإصدار تصاريح الدخول إلى غزّة من الجانب الإسرائيليّ، عبر معبر بيت حانون، لطاقم الفيلم المكوّن من أربعة أشخاص: المخرج والمصوّر والمونتير ومهندس الصوت، ثمّ صعوبات في إيجاد معدّات التصوير في غزّة؛ وهو ما حدا بنا إلى نقل الكثير من المعدّات لغزّة، ومواجهة العراقيل الإسرائيليّة، وانتهاءً بصعوبات في الحصول على تراخيص للتصوير من جانب السلطة الحاكمة في غزّة، لكنّنا تغلّبنا على كلّ العراقيل، واستطاع طاقم الفيلم الوصول إلى غزّة، واستئناف العمل"، هذا ما أوضحه فادي حول العراقيل والتحّديات المركزيّة الّتي واجهوها نحو صناعة الفيلم.

 

مع انطلاق مسيرات العودة

ويوضح فادي حول سياق تصوير الفيلم: "تزامنت هذه الزيارة مع انطلاق مسيرات العودة، على حدود قطاع غزّة مع فلسطين المحتلّة عام 1948، وقد فرضت نفسها على الفيلم، وأصبحت جزءًا منه، واستمرّ العمل على الفيلم يومًا بيوم وساعةً بساعة، لنرصد قصصًا مختلفة عن حياة الغزّيّين اليوميّة، واستطعنا في وقت قياسيّ الاطّلاع عن كثب على أطياف الشعب كافّة في غزّة، وأبدوا جميعًا تعاونًا لافتًا مع طاقم العمل، وسجّلوا تجربة فريدة لصناعة فيلم دراميّ وثائقيّ مُدهش، وحملت التجربة تعاونًا كبيرًا بين طاقم العمل من الخارج وطاقم غزّة، وقد عملا في ظروف استثنائيّة وقهريّة في بعض الأحيان".

 

فادي حنونة، مدير إنتاج فيلم "غزّة"

 

ويضيف فادي: "عملت مع الكثير من الأجانب الّذين قدموا إلى غزّة، لكن مع هذا الطاقم كان الأمر مختلفًا؛ أظنّ لأنّهم كانوا يشعرون بنا وبما نمرّ به، وأعتقد أيضًا أنّ أيرلندا تحديدًا عانت من الاحتلال كما نعاني نحن اليوم، لكنّ الفرق أنّهم تخلّصوا من الاحتلال البريطانيّ، لكنّنا ما زلنا تحت الاحتلال".

انتهت الزيارة ليعود الطاقم إلى أيرلندا، استغرقت بعدها عمليّة المونتاج ستّة أشهر متواصلة، حتّى انتهى المخرج والمونتير من وضع اللمسات الأخيرة على الفيلم، والبدء بترويجه.

 

الشخصيّات

يتناول الفيلم شخصيّات مختلفة من المجتمع الفلسطينيّ في غزّة، ولا تقتصر على شخوص الأحداث الّتي يتناولها الإعلام عادة، ما جعل الفيلم مختلفًا عن غيره، بعيدًا عن تقديم صورة نمطيّة أو مختزلة مثل معظم الأعمال الّتي تحدّثت عن غزّة، وأسلوب وسائل الإعلام الّتي تقدّم غزّة جزءًا من صراع دائر، مَنْ يعيش فيها متورّط بالضرورة بالأحداث الواقعة بشكل مباشر. قدّم الفيلم الناس بأحلامهم ومشاغلهم وهمومهم، واختلافاتهم المتفاوتة من جيل إلى جيل ومن طبقة إلى أخرى، ليشكّلوا جميعًا معزوفة من معزوفات غزّة الخارجة عن الطبيعة.

 أحمد من شخصيّات الفيلم، الطفل الأمّيّ الّذي يحاول أن يتعلّم الصيد ليصبح صيّادًا في المستقبل، ويعبّر عن حبّه الكبير للبحر. ومن الشخصيّات الفتاة كرمة، الّتي تنتمي إلى عائلة من الطبقة الغزّيّة الوُسطى، وتعزف التشيللو، وتلعب كرة السلّة. أمّا سائق التكسي المثقل بالديون والهموم، فيجوب غزّة، وينقل ركّابها من مكان إلى آخر، ويشاركهم الغناء رغم الواقع الصعب. وثمّة الشابّ ساري أيضًا، الّذي كان يمارس كرة القدم، إلّا أنّه أُصيب بثلاث رصاصات في قدمه، وعلى إثرها أُصيب بشلل نصفيّ، لكنّه اكتشف موهبته في الكتابة والتأليف لاحقًا، وأصبح مغنّي راب.

 

 

ثمّة من عائلة بكر الّتي تسكن بالقرب من شاطئ بحر غزّة، ومنهم الأطفال الّذين قُتلوا في عدوان 2014 على الشاطئ، وذاع صيتهم بعد أن التقط صحافيّ صورًا لهم أثناء استهدافهم.

ومن الشخصيّات أيضًا مصمّمة الأزياء عايدة أبو ستّة، الّتي تنظّم عروض أزياء للفتيات بالزّيّ التراثيّ الفلسطينيّ. وثمّة أيضًا الكاتب يسري الغول، والمخرج المسرحيّ علي أبو ياسين الّذي كان يعمل في ذلك الوقت على مسرحيّة بعنوان "المُصوّر"، وشخصيّات أخرى صنعت لوحة فنّيّة غاية في البراعة عن حياة الغزّيّين، في ظلّ الحصار المفروض عليهم، وصعوبات العيش.

 

إلى الضوء... ولكن

يتحدّث فادي حول العرض الأوّل للفيلم في مهرجان عالميّ: "في شهر تشرين الثاني عام 2018، كنّا قد انتهينا من عمليّة المونتاج، وحينذاك كان ثمّة جولة تصعيد في غزّة. كنت في بيتي، وأُبلِغنا بإخلاء المنزل لاستهداف عمارة بجانبنا (عمارة اليازجي) وسط مدينة غزّة، وقد خرجنا من المنزل أنا وعائلتي وعدنا في اليوم التالي. اتّصل بي المخرج بعد سماعه الأخبار للاطمئنان علينا، فأبلغته أنّه جرى استهداف عمارة بجوارنا، وبيتي تضرّر بشكل كبير؛ فتأسّف كثيرًا وتضامن معنا، ثمّ عاود الاتّصال بي ليخبرني أنّه يريد رفع معنويّاتي بعد الاتّصال الّذي مضى، ليخبرني أنّه جرى قبول فيلم ’غزّة‘ ليُعرَض في مهرجان Sundance في أمريكا، وأنّهم يبذلون جهدهم ليخرج جزء من طاقم الفيلم من غزّة لحضور المهرجان. هذا المهرجان يُعَدّ أكبر مهرجان في أمريكا وكندا، ويُقام في ولاية أوتاه في شهر كانون الثاني كلّ عام، ويكون فيه قبول 12 فيلمًا وثائقيًّا من دول العالم. ومن بين 4800 مشاركة، كان قبول فيلم ‘غزّة‘، وكان هذا هو العرض الأوّل للفيلم في العالم".

يضيف فادي: "كنت متحمّسًا وسعيدًا جدًّا بالخبر وبالمشاركة في المهرجان، أنا والمخرج المسرحيّ علي أبو ياسين الّذي كان واحدًا من شخصيّات الفيلم. وبدأت إدارة المهرجان تتواصل معي، وفعلًا بدأنا بالإجراءات لإصدار فيزا من خلال السفارة الأمريكيّة في القاهرة، ولصعوبة الإجراءات، وكّلَت إدارة مهرجان Sundance، وبتوصيات خاصّة من الممثّل الأمريكيّ روبرت ريدفورد، وكّلَت محاميًا خاصًّا لمتابعة إجراءات الفيزا ووصولنا إلى المهرجان. وفعلًا تواصل معنا المحامي، ومع السفارة، ومع الجهات المعنيّة، ودفعوا كامل التكاليف، ووصلنا إلى مرحلة كنّا فيها على وشك الخروج إلى القاهرة لتسلُّم الفيزا والتوجُّه إلى المهرجان في القارّة الأمريكيّة، في أوّل رحلة لنا هناك".

 

المخرجان جاري كين وأندرو ماكونيل

 

وحول قدرة المدعوّين من غزّة للمشاركة في السفر إلى الولايات المتّحدة للمشاركة في المهرجان، يقول فادي: "قبل يوم واحد من سفرنا إلى القاهرة، انسحبت السلطة الفلسطينيّة من معبر رفح، بعد نشوب خلافات بينها وبين السلطة الحاكمة في غزّة، وأُغلق معبر رفح مدّة عشرة أيّام، وهي فترة المهرجان! تأثّرت إدارة المهرجان كثيرًا، وبدؤوا اتّصالات على أعلى مستويات سياسيّة، وتدخّل أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكيّ، وتواصلت السفيرة الأمريكيّة في القاهرة معنا ومع الحكومة المصريّة، على أن نخرج استثنائيًّا، لكنّهم فشلوا، ومن ثَمّ فقدنا فرصة المشاركة في المهرجان. وكان هذا أيضًا حدثًا لافتًا لتأكيد ما نتعرّض له في غزّة من تعقيدات، وحصار يحول دون حضورنا إلى أكبر مهرجان سينمائيّ في أمريكا".

 

مرفوض رغم النجاح

عُرِض الفيلم في دور عرض سينمائيّة في غير دولة، وأُفرج عن الفيلم في بريطانيا وأيرلندا، وكان ثمّة إقبال كبير على مشاهدة الفيلم. حتّى وقت قريب من إجراء المقابلة، جرى تمديد عرض الفيلم في غير دار سينما، بسبب الإقبال الكبير ومطالبة الجمهور بتمديد عرضه. إحدى الدور السينمائيّة في لندن، حقّقت أعلى مبيعات تذاكر للفيلم لشهر تمّوز (يوليو) 2019، لكن في المقابل رُفض الفيلم من غير جهة واحدة، رفضت شبكة نيتفلكس عرض الفيلم على شبكتها، وهو ما يستغربه فادي، ويقول حول ذلك: "لا أدري لماذا يُرفَض فيلم مثل فيلمنا، ويُحظَر في بلدان مثل الولايات المتّحدة، على الرغم من أنّه يخلو من الدعوة إلى العنف والتحريض، وهي التهمة الجاهزة الّتي تُلصَق بأيّ عمل يخرج ليتحدّث عنّا. الفيلم اجتماعيّ في المقام الأوّل، وليس سياسيًّا".

ويضيف فادي: "أحد مَنْ كنّا نصوّر معهم الطفل أحمد، الّذي يتعلّم الصيد، حينما ينتهي من الصيد، يتوجّه إلى مسيرات العودة على الحدود، فاضطررنا إلى ملاحقته، والتصوير معه. لم نستطع التهرّب من المشاهد الّتي فرضت نفسها على الفيلم. الفتاة كرمة كذلك، الّتي كانت تعزف الموسيقى، وتعيش حياة شبه مرفّهة في غزّة، كانت تربط حياتها بالحصار، والحدّ من حرّيّة التنقّل والعدوان المتكرّر على غزّة، فكانت المغازي السياسيّة جزءًا من الفيلم الإنسانيّ، ورغم ذلك حمل الفيلم طابعًا إنسانيًّا، لكن ما أستطيع قوله لكم إنّ هذا ليس هو السبب، بل السبب الحقيقيّ أنّ غزّة تتعرّض لمؤامرة كبيرة، وأنّ التحيّز للمحتلّ الإسرائيليّ واضح وضوح الشمس، فلو دخلت على شبكة نيتفلكس لوجدت أفلامًا ومسلسلات للاحتلال على الشبكة، بكلّ فجاجة، بل يحمل معظمها أيضًا مشاهد عنصريّة، وتحريضًا واضحًا ضدّ الفلسطينيّين، وتبريرًا للمنهجيّة الّتي يتبعها ضدّنا، أليس هذا ظلمًا؟".

 

 

"بعد ذلك بدأنا بعرض الفيلم في غير مهرجان واحد، فاز في ‘مهرجان أيرلندا السينمائيّ‘ بجائزة أفضل فيلم وثائقيّ في أيرلندا لعام 2019، وبعد هذا تواصل معي المخرج جاري كين ليخبرني أنّه لا يصحّ أن يُعرَض الفيلم في العالم كلّه ولا يُعرَض في المنطقة العربيّة! حاولنا أن يُعرَض الفيلم في ‘مهرجان الجونة السينمائيّ‘ في مصر، الّذي يُعَدّ أهمّ مهرجان عربيّ، لكنّه لم يقبل الفيلم، ولم يُبدِ أسبابًا لذلك، على الرغم من أنّ غزّة من المفترض أنّها من أبرز قضايا العرب، لكن ثمّة تغييب مقصود للقضيّة الفلسطينيّة في الإعلام وفي المحافل عامّة، وهو ما أعتقد أنّه سبب لعدم قبول الفيلم، لكن في النهاية توصّلنا إلى أنّه يجب أن نعرض الفيلم في غزّة ولجمهور غزّة".

 

"مهرجان السجّادة الحمراء"

وحول عرض الفيلم في غزّة، وتحديدًا في "مهرجان السجّادة الحمراء" الّذي يُنظّم هناك منذ سنوات، يقول فادي: "بعدما اتّفقنا على عرض الفيلم في غزّة، أخبرت المخرج أنّه يجري إقامة مهرجان للأفلام في غزّة سنويًّا، ويمكن أن نعرض الفيلم من خلاله. أبدى المخرج اندهاشه من أنّ ثمّة مهرجانًا سينمائيًّا يُقام هنا، ووافق مباشرة على عرضه. ثمّ تواصلت مع إدارة المهرجان المتمثّلة بالمخرج الفلسطينيّ خليل المزيّن، وسألته عن موعد المهرجان، فأبلغني أنّه مع الأسف قد لا يتمكّنون من إقامة المهرجان هذا العام بسبب الأزمة الماليّة الّتي يمرّ بها المهرجان، ولتوقّف دعم وزارة الثقافة الفلسطينيّة للأنشطة الفنّيّة والثقافيّة، بسبب الأزمة الماليّة الّتي تمرّ بها السلطة الفلسطينيّة؛ فكان خبرًا محبِطًا لي شخصيًّا".

ويضيف فادي: "نقلت الحديث كما هو إلى المخرج، فتأسّف لي عن هذا، وبعد يومين تواصل معي ليخبرني أنّه يرغب في مساعدة المهرجان، وعندما سألته عن كيفيّة ذلك، أجاب: دعنا نرى كيف سيحصل ذلك. وعرض فكرة أن نقوم بتمويل جماعيّ للمهرجان. وقد وافق مباشرةً المخرج المزيّن على الفكرة وأبدى شكره لهم، وبالفعل بدأنا نجمع المال للمهرجان، وتزامن ذلك مع فوز الفيلم بجائزة ‘مهرجان أيرلندا السينمائيّ‘، وعلى الفور في صباح اليوم التالي، قرّرنا بالإجماع التبرّع بقيمة الجائزة لـ ‘مهرجان السجّادة الحمراء‘ في غزّة، وقد بلغت قيمتها 2500 جنيه إسترلينيّ. وبالفعل تقدّم التمويل، وجمعنا مبلغًا جيّدًا، ويجري حاليًّا التجهيز لإقامة المهرجان في تشرين الثاني في هذا العام، وذلك أعتبره نجاحًا كبيرًا يُضاف إلى الفيلم؛ إذ تمكّن من إنقاذ مهرجان مهمّ، يُعَدّ مُتنفَّسًا مهمًّا لأهل غزّة".

 

جدليّة الفيلم

سألنا فادي عن تقييمه لمشاركته الشخصيّة في صناعة الفيلم، فأجاب: "من الجانب المهنيّ، اكتسبت خبرة كبيرة بالعمل جنبًا إلى جنب مع المخرج وطاقم العمل، وبالمناسبة، جاري كين حاصل على أفضل مخرج للسنة الثالثة على التوالي في أيرلندا. أمّا من الجانب الإنسانيّ فأنا راضٍ جدًّا عمّا فعلناه؛ استطعنا بفيلمنا استعراض أكبر شريحة ممكنة من مجتمعنا الفلسطينيّ في غزّة، وعرضنا حياتهم بصورة شفّافة وحيويّة، وهو ما افتقدناه سابقًا، في الأعمال العديدة الّتي أُنتجت عن غزّة. أعتقد أنّ الفيلم سيبقى للتاريخ".

 

 

يُضيف فادي: "من بعض الرسائل الّتي تلقّيتها عن الفيلم من مدير العمليّات في مهرجان Sundance، قال لي بالحرف: "صحيح أنّ الفيلم لم يفز في المهرجان، لأنّ المنافسة قويّة، لكنّ الفيلم فاز بقلوب الحاضرين، وغزّة تسبّبت ضجّة في المهرجان".

وحول مضامين الفيلم السياسيّة، سألنا فادي إن كان يعتقد أنّ الفنّ بأدواته يتفوّق على العمل السياسيّ، وإن كان الفيلم قد حقّق ما لم يستطع العمل السياسيّ تحقيقه، فأجاب: "فيلمنا ليس سياسيًّا، وهذه النظريّة قديمة، الأمور تغيّرت. لكن ما يمكننا قوله في هذا الجانب، إنّ توجّهًا في العالم إلى إنهاء القضيّة الفلسطينيّة على حساب الفلسطينيّين، عبر ما يُسمّى ‘صفقة القرن‘ والدول الداعمة للصفقة، سواء بالسرّ أو بالعلن؛ أصبح من الصعب على الفنّ أن يؤثّر في السياسة. إذا كان الفنّ قبل عشر سنوات يؤثّر في السياسة بنسبة 40% مثلًا، فاليوم لا يستطيع تجاوز 10%، لأنّ الخصم لا يكترث على الإطلاق بحياتنا أو بحقوقنا. حصار مدّته أكثر من ثلاثة عشر عامًا، لن يؤثّر فيه فيلم مدّته 90 دقيقة، وتحديدًا على مَنْ يفرض هذا الحصار، لكنّها تبقى محاولة منّا".

 

 

أسعد الصفطاوي

 

 

صحافي وكاتب من غزّة.

 

 

 

 

 

تعليقات Facebook