في أمريكا الشماليّة... أن يصبح الفلسطينيّ مرئيًّا بالسينما

من تصميمات "مهرجان تورنتو للأفلام الفلسطينيّة" عام 2019

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

السينما... بديل

في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) عام 2003، قدّم إدوارد سعيد كلمة الافتتاح للمهرجان السينمائيّ "أحلام أمّة" للأفلام الفلسطينيّة، في "جامعة كولومبيا" في مدينة نيويورك. في الافتتاح تحدّث سعيد عن أهمّيّة السينما الفلسطينيّة، باعتبارها جزءًا مهمًّا من الجانب السياسيّ والجماليّ والتاريخيّ لما هو مرئيّ. ذكر سعيد أنّ علاقة الفلسطينيّ بالمرئيّ علاقة معقّدة؛ إذ إنّ جزءًا مهمًّا من الصراع الفلسطينيّ الطويل من أجل حقوقه الفرديّة والجماعيّة، يكمن في رغبة أن يصبح الفلسطينيّ مرئيًّا. تمثّل هذه الرغبة تحدّيًا للفكر الصهيونيّ الأوّليّ في أنّ فلسطين شعب بلا أرض، وتحدّيًا للصورة النمطيّة الّتي رافقت الفلسطينيّ في الإعلام الغربيّ، وقد رُبِطَت عنوةً وتضليلًا بالإرهاب؛ لذلك فإنّ السينما الفلسطينيّة هي البديل والتعبير والتجسيد للوجود الفلسطينيّ. 

 

مهرجان "أحلام أمّة"... تحدّي الإسكات الممنهج

في التنظيم لمهرجان "أحلام أمّة"، كتبت آن ماري جاسر أنّ ثمّة حاجة ملحّة إلى تنظيم مهرجانات للأفلام الفلسطينيّة. تأتي هذه الحاجة من أنّ المؤسّسات الثقافيّة الفلسطينيّة كانت عرضة للتهديد المستمرّ، وما زالت كذلك أيضًا، ثمّ إنّ تنظيم مهرجان للأفلام الفلسطينيّة جزء من حراك فنّيّ عالميّ، يتصدّى للتدمير المنهجيّ الّذي تتعرّض له البنية التحتيّة الثقافيّة في فلسطين.

ذكر سعيد أنّ علاقة الفلسطينيّ بالمرئيّ علاقة معقّدة؛ إذ إنّ جزءًا مهمًّا من الصراع الفلسطينيّ الطويل من أجل حقوقه الفرديّة والجماعيّة، يكمن في رغبة أن يصبح الفلسطينيّ مرئيًّا...

في التنظيم لهذا المهرجان، تذكر آن ماري محاولة الحصول على نسخة من فيلم "محلّيّ" لثلاثة مخرجين فلسطينيّين من رام الله. آنذاك، لم يكن هذا الفيلم قد عُرض خارج المدينة، وفي الظروف الّتي فُرضت على الفلسطينيّين أثناء الانتفاضة الثانية، كانت محاولة الحصول على هذا الفيلم عمليّة شبه مستحيلة. منْع التجوال الّذي فُرض على المدن الفلسطينيّة آنذاك حال دون إمكانيّة أن يُرسل أحد المخرجين هذا الفيلم إلى المهرجان. حينئذٍ، تطوّعت إميلي جاسر للذهاب من القدس إلى رام الله، والحصول على نسخة من الفيلم لإرسالها إلى نيويورك، ولكن في البريد احتُجز الفيلم، ومُنع من الإرسال "لأسباب أمنيّة". بعد محاولات عدّة، نجح الفيلم في الوصول إلى المهرجان بعد أن هُرِّب في حقيبة سفر إلى أوروبّا، ومن ثَمّ إرساله عبر البريد إلى نيويورك.

التحدّي الّذي تلا وصول الأفلام إلى المهرجان، كان عرضها للجمهور الأمريكيّ الّذي لم تتسنَّ له رؤية أفلام فلسطينيّة من قبل، خاصّة أنّ الخطاب الفلسطينيّ السياسيّ كان إسكاته أمرًا ممنهجًا في أمريكا الشماليّة. ما إن أُعلن مهرجان "أحلام أمّة" حتّى تتالت رسائل التهديد إلى العاملين في المهرجان، وإلى "دائرة الدراسات الشرق أوسطيّة" لدورها في تنظيمه. وصلت هذه التهديدات إلى رئاسة "جامعة كولومبيا"، حيث إنّ مجموعة من المانحين هدّدوا بإيقاف مِنَحهم الماليّة للجامعة في حال عرض هذه الأفلام.

أخيرًا، في يوم الافتتاح كانت "شرطة نيويورك" تملأ حرم الجامعة، تجهيزًا للتصدّي لأعمال الشغب الّتي توعّدت بها مجموعات معادية للمهرجان، لكن مع ذلك، ارتاد المهرجان الآلاف من الّذين أتوا من المدينة ومن خارجها لرؤية هذه الأفلام، من باب التضامن أو الفضول أو حبّ السينما بعامّة. أمّا تجربة تنظيم مهرجان "أحلام أمّة" فهي تجربة مهمّة لفهم الدور الثقافيّ الّذي تؤدّيه السينما الفلسطينيّة، ولفهم الغياب والتهميش للخطاب الفلسطينيّ في أمريكا الشماليّة.

لم أكن على علم بمدى قوّة تهميش الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ في أمريكا الشماليّة، خاصّة في المؤسّسات التعليميّة، إلى أن بدأت العمل مساعدة مدرّس في "كلّيّة دراسات الأفلام والإعلام" في "جامعة كوينز" في كندا، حيث كان عليّ أن أُدير محاضرات لنقاش الأفلام.

في يوم الافتتاح كانت "شرطة نيويورك" تملأ حرم الجامعة، تجهيزًا للتصدّي لأعمال الشغب الّتي توعّدت بها مجموعات معادية للمهرجان، لكن مع ذلك، ارتاد المهرجان الآلاف من الّذين أتوا من المدينة ومن خارجها لرؤية هذه الأفلام، من باب التضامن أو الفضول أو حبّ السينما بعامّة

منذ الأسبوع الأوّل في عملي، علمت مدى حساسيّة هويّتي الفلسطينيّة في ذلك الموقع، حيث تتالت رسائل الشكوى للمدرّس الأساسيّ للمادّة، حتّى وصلت إلى عمادة الكلّيّة بأنّ مجموعة من الطلّاب اليهود لا يشعرون بالأمان؛ لأنّ أحد مساعدي التدريس لديهم فلسطينيّ. وفي الحالات القليلة الّتي كان عليّ فيها أن أناقش أفلامًا فلسطينيّة، كان على أحد أساتذة الكلّيّة أن يرافقني إلى المحاضرات لضبط سير النقاش.

 

"مهرجان تورنتو للأفلام الفلسطينيّة"... من حراك بسيط إلى ظاهرة

تهميش السينما الفلسطينيّة في المؤسّسات التعليميّة، ما هو إلّا من المحاولات العديدة لإسكات الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ، الّذي على الرغم من إسكاته ما زال الاهتمام به متزايدًا. واحدة من أنجح المحاولات لإحضار السينما الفلسطينيّة إلى أمريكا الشماليّة، تكمن في "مهرجان تورونتو للأفلام الفلسطينيّة".

منذ عام 2008، يُعقَد "مهرجان تورونتو" في الأسبوع الأخير من شهر أيلول (سبتمبر)، جاعلًا السينما الفلسطينيّة جزءًا مهمًّا من الوجه الثقافيّ للمدينة. بدأ المهرجان مبادرةً من مجموعة من المتطوّعين الّذين أرادوا إحياء الذكرى الـ 70 للنكبة، من خلال عرض مجموعة من الأفلام الفلسطينيّة. ما إن أُعلن المهرجان حتّى بِيع ما يقارب 5000 بطاقة لحضور الأفلام المشارِكة. تنوَّع الحضور من المجتمع العربيّ والفلسطينيّ، والعديد من محبّي الأفلام ذوي الخلفيّات المختلفة، الّذين أتوا من تورونتو ومن خارجها للمشاركة في المهرجان. 

بدأ "مهرجان تورونتو للأفلام الفلسطينيّة" حراكًا بسيطًا، من قِبَل مجموعة من الناشطين العاملين في مجالات مختلفة غير المجال الثقافيّ، لم يملك أيّ منهم أيّ خبرة في الأفلام، أو أيّ خبرة في تنظيم المهرجانات من قبل، كان عليهم أن يتعلّموا من خلال العمل. لتخطّي هذه الصعوبات إضافةً إلى انعدام التمويل للمهرجان، اعتمد المنظّمون على إنشاء مجموعة من الشراكات مع مؤسّسات ثقافيّة محلّيّة في تورونتو، جعلت هذا المهرجان واحدًا من أهمّ الأحداث الثقافيّة، في ثاني أكبر مدينة في أمريكا الشماليّة بعد نيويورك.

 التحدّي الأكبر كان - وما زال - التخوّف من النقص في إمكانيّة عمل أفلام فلسطينيّة، خاصّة أنّ صانعي الأفلام الفلسطينيّين مجبَرون على العمل من خلال مِنَح وتمويل خارجيّ غير مضمون

تقول دالية ماجد، وهي واحدة من المؤسّسين والمنظّمين الرئيسيّين للمهرجان، تقول: "الآن، بعد أكثر من 12 سنة على افتتاح المهرجان، ما زال اهتمام جمهور تورونتو متزايدًا بالأفلام الفلسطينيّة".

فضلًا عن الأفلام، يستضيف المهرجان عروضًا حيّة، أهمّها كان عرض "فرقة الميادين" مع مرسيل خليفة عام 2012، حين تخطّى الجمهور 1200 شخص، إضافة إلى استضافة الفنّان عامر حليحل وتريو جبران وغيرهما من الفنّانين الفلسطينيّين. تقول دالية إنّ مجموعة من الشركاء المحلّيّين للمهرجان تعرّضوا للشكوة، بسبب دعمهم للمهرجان، لكن لم يواجه المهرجان أيّ حراك معاكس بعد.

يُدرك المنظّمون للمهرجان أنّ ثمّة جمهورًا واسعًا ومتزايدًا للفيلم الفلسطينيّ، في تورونتو وغيرها من المدن الرئيسيّة في أمريكا الشماليّة. لكنّ التحدّي الأكبر كان - وما زال - التخوّف من النقص في إمكانيّة عمل أفلام فلسطينيّة، خاصّة أنّ صانعي الأفلام الفلسطينيّين مجبَرون على العمل من خلال مِنَح وتمويل خارجيّ غير مضمون.

أمّا الخطوة اللاحقة من أجل سينما فلسطينيّة أكثر فاعليّة، فهي تَوفُّر تمويل ودعم كامل للمخرجين محلّيًّا، لجعل الخطاب الفلسطينيّ مرئيًّا أكثر من ذي قبل.   

 

 

لبنى طه

 

طالبة وباحثة في مجال الدراسات الثقافيّة في "جامعة كوينز" في كندا، حيث يتنوّع عملها البحثيّ بين الدراسات السينمائيّة الفلسطينيّة ودراسات تعليم الموسيقى. تعمل حاليًّا على دراسة أرشيفيّة في موضوع صناعة الأفلام، وسيلةً للتضامن بين فنّاني العالم الثالث والثورة الفلسطينيّة في سبعينات القرن الماضي.

 

 

تعليقات Facebook