سينما فلسطينيّة تؤنس وحشة الحَجْر

 

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة بداية من اليوم، سلسلة من التقارير لرصد الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ المؤسّساتيّ والخاصّ بالأفراد، ضمن مبادرات في زمن الحجر المنزليّ؛ وذلك قصد محاربة الكدر الناجم عن إجراءات العزل الصارمة، الّتي اتّخذتها الحكومات في كلّ بلدان العالم، لمنع انتشار فايروس كورونا المستجدّ (كوفيد - 19)، ومن أجل ألّا تتوقّف الحياة الثقافيّة بعد أن مُنع الناس من الخروج لحضور الحفلات الموسيقيّة والفنّيّة، والعروض المسرحيّة والسينمائيّة، ومعارض الفنّ التشكيليّ، والمهرجانات، وغير ذلك من الفعاليّات الفنّيّة والتظاهرات الثقافيّة.

في تقريرنا الأوّل، الّذي خصّصناه للمبادرات السينمائيّة، نسأل عددًا ممّن بادروا من السينمائيّين الفلسطينيّين والمؤسّسات والجمعيّات الّتي تُعنى بالشأن الثقافيّ الفنّيّ، في فلسطين وخارجها، عن الدوافع الّتي دعتهم إلى مشاركة الناس في بيوتهم، عبر أجهزتهم اللوحيّة الإلكترونيّة أو هواتفهم الذكيّة، عروض أفلام سينمائيّة تركت بصمتها في تاريخهم الشخصيّ، أو تاريخ السينما الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة؛ فكان أن تحدّثنا مع المخرج رشيد مشهراوي (باريس)، والناقدة عُلا الشيخ (أبو ظبي)، والمنتج سائد أنضوني رئيس برنامج الأفلام في "دار الكلمة الجامعيّة" (بيت لحم)، والمنتج ومخرج الأفلام التسجيليّة وسام موسى (غزّة)؛ فكان هذا التقرير...

 

يوميّات باريس تستدعي ذكريات غزّة

بداية حديثنا كانت مع المخرج السينمائيّ رشيد مشهراوي، وقد سألناه عن دوافعه الذاتيّة لنشر مجموعة من أفلامه على جدار صفحته في الفضاء الأزرق، وهو يقضي أيّامه في الحجر المنزليّ كسائر البشر، فقال: "دوافع تنزيل مجموعة من أفلامي القديمة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وخاصّة الفيسبوك، تعود إلى غير سبب؛ أوّلًا أنّ الأفلام تكون أفلامًا فقط خلال العرض وخلال مشاهدتها، عندما تتنفّس ويخرج منها الصوت والصورة والمعنى والفنّ السينمائيّ ومتعة المشاهدة، ما عدا ذلك تصبح كأيّ جماد نمتلكه ونحافظ عليه على الرفوف أو في الأدراج؛ أي أنّ الفيلم يكتمل ويصبح فيلمًا فقط بحضور المشاهد".

 

المخرج السينمائيّ رشيد مشهراوي

 

أضاف مشهراوي: "حاليًّا، في زمن الحجر المنزليّ، وإغلاق دور العرض، وتأجيل مهرجانات ونشاطات سينمائيّة وإلغائها، ولا سيّما أنّني موجود في باريس، وأعيش لحظات تجمع بين يوميّات الحجر الصحّيّ، وهو نوع من أنواع منع التجوال، وذكريات قادمة من غزّة خلال مكوثي عشرات المرّات في منع تجوال مفروض من قِبَل قوّات الاحتلال الإسرائيليّ، وخاصّة أنّ فيلمي الروائيّ الطويل الأوّل كان موضوعه منع التجوال؛ فتلقائيًّا تأتي المقارنة؛ لأنّني في النهاية أحمل ذكريات لاجئ خاض تجارب الاحتلال مثل بقيّة اللاجئين الفلسطينيّين في الوطن، وبقيّة سكّان غزّة وغيرها من المدن والقرى والمخيّمات. من هنا جاءت فكرة تنزيل فيلم ’حتّى إشعار آخر‘ المرتبط بمنع التجوال".

يتابع صاحب "كتابة على الثلج": "بعد تنزيل أوّل فيلم بشغف كبير، بدأ الأصدقاء والزملاء السينمائيّون يدعونني إلى تنزيل أفلام أخرى؛ فكان التجاوب، وهو متواصل؛ فقد نَشرت أفلامًا عدّة مثل ‘حيفا‘، و‘توتُّر‘، و‘هنا صوت فلسطين‘، و‘انتظار‘".

والدافع الثاني لرشيد - كما أفاد - "المقارنة بين يوميّات باريس وذكريات غزّة، وهي لحظات يملؤها العبث والسخرية من الواقع هنا وهناك، هنا أنت محجور للحفاظ على صحّتك، بينما تحت الاحتلال أنت محجور كي تدمّر صحّتك وتخسر حياتك".

وأردف: "في غزّة، خلال فرض منع التجوال تُعرّض حياتك للخطر لو خرجت من البيت، أمّا هنا في أيّام الحجر الصحّيّ، فإنّه يُسمح لك بالذهاب لشراء ما تحتاج إليه من أساسيّات وموادّ غذائيّة، ويُسمح لك أيضًا أن تمارس الرياضة في محيط البيت، تحت أنظار حارس المكان الّذي هو شرطيّ فرنسيّ يعمل على تأمين حياتك، وليس جنديًّا إسرائيليًّا يعتبرك عدوًّا، ويعتبر وجودك في الحياة فائضًا عن احتياجات الكيان الصهيونيّ".

يواصل صاحب "تذكرة سفر إلى القدس" حديثه إلينا قائلًا: "الكمّامة هنا لديها وظيفة للحفاظ عليك من عدوى الفايروس القاتل، بينما في غزّة استعملنا الكمّامات وما يشبهها، للحماية من قنابل الغاز الّتي يطلقها جنود الاحتلال، أو لإخفاء ملامح الوجه خلال مقاومتنا للمحتلّ؛ حتّى لا يتعرّف وجوهنا ويُقبَض علينا لاحقًا، فيُزجّ بنا في السجون ونُعاقَب بهدم منازلنا. وأنا هنا محجور في البيت مثل مئات ملايين البشر في أرجاء المعمورة، بينما كنّا في غزّة محجورين وحدنا، والعالم كان حرًّا متمتّعًا بحرّيّة الحركة والعمل والتنقّل".

ويختم صاحب "رسائل من اليرموك" حديثه معنا، مؤكّدًا أنّه لأوّل مرّة يشعر بأنّه "فجأة أصبح الإنسان متساويًا في غزّة وأمريكا وأوروبّا وآسيا"، آملًا أن "يستخلص قادة العالم من تجربتهم هذه العِبَر؛ فتتغيّر الأولويّات في زمن أدركنا فيه أنّ جهاز التنفّس يتفوّق على حاملات الطائرات، وأنّ تفاخُر المرء يكون في قدرته على المحافظة على حياة البشر وتأمين حمايتهم، لا في حجم التسلّح والقدرة على اختراع الحروب، لقتل البشر وتهجيرهم وتجويعهم وإفقادهم مستقبلهم، كما جرى ويجري الآن مع أشقّائنا العرب في دول عربيّة عدّة".

 

#شاهد_فيلم - #خليك_بالبيت

سألنا أيضًا الناقدة السينمائيّة عُلا الشيخ، عن أهمّيّة الفنّ السابع لدى المحجورين قسرًا في بيوتهم، فأجابت: "دائمًا وأبدًا أنا مؤمنة بأنّ لدى الفنون الواجب المضاعف بأن تكون ملاذًا للناس في حضرة الكوارث؛ لذلك ولطبيعة عملي ناقدة سينمائيّة، أدرك معنى تأثير مشاهدة الأفلام في الناس، وفي هذا الوقت تحديدًا؛ لذا رأيت أنّه من واجبي - إضافة إلى كتابة المقالات الأسبوعيّة - أن أدعم المشاهدة بأشكال متنوّعة؛ فقمت ببثّ ‘هاش تاغ‘ على تويتر #شاهد_فيلم و#خليك_بالبيت، من خلاله أضع روابط لأفلام باتت متاحة للجميع، عبر مؤسّسات أو مهرجانات سينمائيّة، أو حتّى مبادرات فرديّة من صنّاع الأفلام أنفسهم".

 

الناقدة السينمائيّة عُلا الشيخ

 

وأردفت الشيخ: "هذا الموضوع أجده فرصة للمشاهدين، الّذين لم يسعفهم الوقت أو المكان ليشاهدوا أفلامًا عادةً لا تُعرض في دور السينما التجاريّة؛ فكان بالنسبة إليّ طريقة لإيصال هذه الأفلام إلى فئة اعتادت على مشاهدة أفلام ’الأكشن‘ و’الثري دي‘، في محاولة لحثّهم على تذوّق السينما من ناحية مختلفة، إضافة إلى أنّني، ومن منزلي، بدأت بتصوير فيديوهات أتحدّث عبرها عن أفلام أيضًا تتوفّر روابطها، وأعمل على نشرها على جدار صفحتي في الفيسبوك، وفي الحالتين أعمل على دعم السينما وحضورها". وتضيف الشيخ: "على الرغم من أنّ فكرة مشاهدة الفيلم عبر شاشات صغيرة، لا تروقني على الصعيد الشخصيّ، وأرى أنّ الحالة مجحفة بحقّ المخرج، وهو الخاسر الأكبر مع منتج فيلمه، لكن عندما نرى الأشياء بطريقة أوسع نتفهّم الأمر؛ فنحن نعيش في وقت صعب؛ فالحجر المنزليّ طال جميع الناس".

وتختم الناقدة السينمائيّة حديثها معنا بالقول: "في النهاية، لا شكّ في أنّ ثمّة تغييرًا قادمًا، تغييرًا أوصلنا إلى مشاهدة أفلام المهرجانات حتّى على شاشة ’موبايل‘ أو ’آي باد‘، تغييرًا نخشى على السينما منه، والخوف أن تكون السينما أكبر الخاسرين بعد جائحة كورونا؛ لذلك أنا لست مع فكرة المهرجانات السينمائيّة، الّتي تعرض أفلام دورتها الجديدة عبر منصّات إلكترونيّة، لكن مع أن تعرض أفلام دوراتها السابقة، وهي الّتي أدعم مشاهدتها؛ لأنّ المهرجانات السينمائيّة صمّام الأمان الّذي يكاد يكون الضامن الوحيد لفكرة تعزيز صناعة الأفلام الّتي تستحقّ أن تجوب العالم، وتنال الجوائز العالميّة".

 

شبابيك على ثقافتنا

"دار الكلمة الجامعيّة للفنون والثقافة" في مدينة بيت لحم، أوّل المدن الفلسطينيّة جنوبيّ الضفّة الغربيّة الّتي ظهر فيها أوّل إصابة بفايروس كورونا، شاركت عبر صفحتها في موقع الفيسبوك، في نشر مجموعة من أفلام حقّقها طلّابها في السنوات الفائتة.

تواصلنا مع رئيس برنامج الأفلام في الدار، المنتج السينمائيّ سائد أنضوني، الّذي أفادنا بأنّ "لدى ‘دار الكلمة الجامعيّة‘ نشاطًا مستمرًّا بعنوان ‘نادي السينما‘، كان يقدّم فعاليّاته السينمائيّة للطلبة والجمهور العامّ مرّة في الأسبوع، لكن بعد إعلان حالة الطوارئ والحجر، في المدينة وكامل الضفّة الغربيّة، توقّف نشاط النادي، حتّى تناقشنا مع المجموعة الطلّابيّة الناشطة في النادي لإعادة نشاطنا إلكترونيًّا عن بعد، ومن ثَمّ ولأنّ لدينا من الأعوام السابقة مخزونًا من أفلام الطلبة، باشرنا بعرض فيلم كلّ ثلاثة أيّام".

 

المنتج السينمائيّ سائد أنضوني

 

أوضح أندوني أنّه "كان للدار دوافع عدّة لعرض هذه الأفلام؛ فهي تمنح المشاهدين من مختلف أنحاء العالم فرصة تعرُّف سينما فلسطينيّة شابّة مختلفة في المضمون واللغة، معمولة بلا الضغوط الإنتاجيّة للسوق، يُنتجها طلّابنا في ظروف مختلفة عن جميع طلّاب السينما في دول العالم، وتفتح للمشاهدين بعض الشبابيك على ثقافتنا وتجربتنا في هذا الجزء من العالم؛ ولتؤنس وحشة العزل في المنازل".

ثمّ إنّها تمنح هذه التجربة، حسب المتحدّث، "شعورًا من التضامن من قِبَل الطلبة المعروضة أفلامهم، بحيث يشعرون بأنّهم يُسهمون في التخفيف من وحشة العزل للعديد من المشاهدين بمشاركتهم في أعمالهم؛ فجميعنا في هذا العالم أصبح معتقلًا داخل منزله، وبحاجة إلى أيّ نافذة لتساعده على تجاوز هذه المرحلة". ويبيّن أندوني أنّ "عروض الأفلام ما زالت مستمرّة، وفاجأنا عدد المشاهدين؛ فقد سجّل مجموع الأفلام حتّى الآن أكثر من خمسة آلاف مشاهدة".

وفي سؤاله عن تقييمه الشخصيّ لمبادرات عروض الأفلام، من قِبَل المؤسّسات والأفراد، أجابنا: "في رأيي أنّ هذا هو الوقت المناسب لتدخّل الفنّ والثقافة والسينما؛ للإسهام في التخفيف عن الناس، ومنحهم الفرصة لقضاء أوقاتهم في أمور مفيدة تُغني الروح كما تُغني العقل، وتُخرجهم من حالتَي الإحباط والخوف من المجهول؛ فنحن الآن في أمسّ الحاجة إلى أن نعود إلى إنسانيّتنا وقِيَمها".

 

كسر دائرة الملل...

من قطاع غزّة المحاصر، بادر المنتج ومخرج الأفلام التسجيليّة، وسام موسى، بنشر رابط لفيلمه التسجيليّ "سينما أبو خالد"، مبيّنًا أنّ ما دفعه إلى ذلك أنّنا "أُجبرنا جميعًا على الالتزام في البيوت جرّاء جائحة كورونا، الّتي جعلتنا نرى العالم من زاوية أخرى غير الّتي اعتدنا عليها، ولكلٍّ منّا طريقته في استثمار الوقت للخروج من دائرة الملل الّذي يصاحبنا طوال فترة الحجر المنزليّ".

 

المنتج ومخرج الأفلام التسجيليّة وسام موسى

 

موسى تابع حديثه قائلًا: "كثيرون منّا يرغبون في هذه الأوقات العصيبة في مشاهدة الأفلام؛ لِما قد تضيفه إلينا من معرفة أو سلوك، أو حتّى لمجرّد التسلية. أمّا مشاهدة السينما في البيت فقد تساعدنا على تقييم العديد من جوانب الحياة بطريقة أخرى".

وأضاف: "انطلاقًا ممّا سبق، شاركت في مبادرة عرض أفلامي، وكانت البداية بعرض فيلمي ‘سينما أبو خالد‘ من خلال منصّة ‘يوتيوب‘؛ لتكون فرصة للناس وهم في بيوتهم، لتعرُّف جانب جديد من واقع الحياة في قطاع غزّة".

ويناقش فيلم "سينما أبو خالد" (23 دقيقة) من إنتاج "الجزيرة الوثائقيّة"، واقع السينما في قطاع غزّة، من خلال ثلاثة أطفال عشقوا السينما ومشاهدة الأفلام، ويفتقدون الأماكن المخصّصة للمشاهدة؛ فيبتكرون دار عرض للسينما". وحسب مخرجه، الّذي صرّح لنا أنّه سيعمل في قادم الأيّام على نشر فيلمين من إخراجه عبر صفحته في الفيسبوك: الأوّل عنوانه "15 في غزّة" (25 دقيقة)، والثاني بعنوان "الكسّارة" (25 دقيقة)؛ وذلك "لِما للمبادرة من أهمّيّة لإيصال السينما لكلّ البيوت في زمن كورونا".

 

 

أوس يعقوب


 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

تعليقات Facebook