أفلام العزلة... الرجل البطل والمرأة السجينة

من فيلم "الحدائق الرماديّة" الوثائقيّ (1975)

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لطالما تناولت السينما موضوعات الحَجْر الصحّيّ والعزلة القسريّة الّتي تُفرض على الإنسانيّة، تمامًا كما هو حاصل في أيّامنا مع جائحة كورونا (Covid-19). العديد من الأفلام، ولا سيّما أفلام هوليود، تناول هذه الثيمة نتيجة وباء أو جائحة ما، أو خطر خارجيّ يُحدق بالإنسانيّة ويهدّدها، كالحروب أو الوحوش الّتي تهدّد الكرة الأرضيّة أو الكائنات الفضائيّة، والقاسم المشترك لهذه الأفلام أنّه في نهاية المطاف، استطاع البطل الخارق أن ينقذ الإنسانيّة من التهديد المحدق بها، وقلّما كان البطل الخارق امرأة. بينما تميّزت السينما الأوروبّيّة الّتي عالجت مثل هذه الموضوعات بالقنوط واليأس، فلم تنجُ الإنسانيّة من الأخطار الّتي تهدّدها؛ وهو ما أدّى إلى نهاية الكرة الأرضيّة.

 

عزلة قسريّة

          * "ملنخوليا" (2011)

أحد هذه الأفلام "ملنخوليا" (2011) للمخرج الدنماركيّ المثير للجدل لارس فون ترير. يسرد الفيلم قصّة جاسيتين (كريستين دانتس)، الّتي تحتفل بزواجها بمايكل في بيت شقيقتها كلير (شارلوت غينسبورغ) الفخم. على الرغم من التحضيرات المنهكة للحفل، إلّا أنّ الأجواء البهيجة تنقلب إلى مأساة؛ تبدأ في تخلّف العروس والعريس عن الموعد، يليه خلافات وصراعات وديناميكيّات مركّبة بين أبناء العائلة، وينتهي بحالة من الاكتئاب العميق للعروس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينحرف كوكب "ملنخوليا" عن مساره ويهدّد بالاصطدام بالكرة الأرضيّة، بينما تكون توقّعات العلماء متناقضة؛ قسم منهم يؤكّد أنّ الكوكب لن يصطدم بالكرة الأرضيّة، وآخرون يجزمون بأنّ النهاية مُحتَّمة، ولا محالة لوقوع الكارثة.

ينتهي الفيلم بلقطة روعة من الجمال، تحتبس عندها الأنفاس؛ كوكب "ملنخوليا" يقترب من الكرة الأرضيّة، ليكون بعدها صوت انفجار قويّ وشاشة سوداء.

 

          * "العمى" (2008)

أستشهد بفيلم آخر هو "العمى"، المقتبس من الرواية الشهيرة للكاتب البرتغاليّ جوزيه سارماغوا. افتتح الفيلم "مهرجان كان السينمائيّ" عام 2008، وكما في الرواية، فالفيلم يحكي أنّه في يوم مشمس وجميل، يرى رجل ما الحياة بلون أبيض حليبيّ، فيتوجّه إلى طبيبه الّذي يقف عاجزًا عن حلّ المعضلة، وبعد مرور بضع ساعات يصاب الطبيب المعالج بالعمى، ورويدًا رويدًا يتسارع وباء العمى في الانتشار في المدينة. أمّا الناجية الوحيدة من الوباء فهي زوجة الطبيب، الوحيدة القادرة على الرؤية. تقود البطلة أحداث الفيلم وشخصيّاته المتعدّدة، وتقودنا معهم، في شوارع وأزقّة المدينة العمياء لحلّ المعضلة، وتطرح أسئلة وجوديّة ومصيريّة، مثلًا: ماذا سيحدث للبشريّة في حالة العمى؟

لم يحقّق الفيلم نجاح الرواية، لكنّه كان طلائعيًّا في طرحه شخصيّة "البطلة الخارقة"، وليس البطل الّذي ينقذ الإنسانيّة من مصيرها المظلم.

 

          * "انتشار" (2011)

فيلم آخر هو فيلم "انتشار" (2011) للمخرج المعروف ستيفن سودبرغ، وقد حاز على إعجاب النقّاد، ويُعَدّ اليوم واحدًا من أكثر الأفلام مشاهدة على "نتفلكس" في بعض البلدان.

يسرد الفيلم قصّة طاقم طبّيّ يحارب وباء يهدّد أمريكا بالزوال، نتيجة فايروس ينتقل من خلال الهواء، وسرعة انتشاره مذهلة تفوق كورونا؛ وهو ما يؤدّي إلى حالة ذعر عالميّة. يعمل العلماء في صراع مع الزمن لإيجاد مصل لعلاج الوباء، وليُهدِّئ شيئًا من حالة الهستيريا العالميّة.

 

عزلة طوعيّة

          * "الحدائق الرماديّة" (1975)

كما أسلفنا سابقًا، ثمّة مئات من الأفلام الّتي تطرّقت إلى التهديد الخارجيّ، وحالة العزلة القسريّة الّتي فُرضت على البشر، كما هي حالنا الآن في ظلّ كورونا، لكن في المقابل، القليل من الأفلام تطرّقت إلى موضوع العزلة الطوعيّة؛ عزلة نتيجة أزمة أو صدمة، فهذه الأفلام أكثر تعقيدًا وتركيبًا.

أحد أهمّ الأفلام الّتي عالجت موضوع العزلة الطوعيّة، فيلم "الحدائق الرماديّة"، وهو فيلم وثائقيّ قديم منذ عام 1975؛ فيلم صادم يبقيك مشدوهًا لا تستطيع التوقّف عن التفكير في بطلتيه، يصعب على العقل أن يستوعب واقعه.

يحكي الفيلم قصّة امرأتين لم تخرجا مدّة 40 عامًا من منزلهما، الّذي يشبه قلعة قديمة آيلة إلى الانهيار. في الفيلم الّذي مدّته ساعتان شخصيّتان فقط، إيدي الكبيرة (1895 - 1977)، وابنتها إيدي الصغيرة (1917 - 2002)، قريبتا جاكلين كندي، زوجة الرئيس الأمريكيّ المعروف، وهما ابنتا عائلة أرستقراطيّة فقدت أملاكها؛ فانتقلتا للعيش في قلعة في الهامتونس.

القلعة المتهاوية المهملة المحاطة بحديقة شعواء، ونباتات برّيّة تحجبها عن المنطقة الفخمة المحاطة بالفيلات الجميلة والحدائق الغنّاء، تبدو غريبة وشاذّة ومشوِّهة لمنظر الحيّ الراقي. تحتوي القلعة على 28 غرفة، لكن أغلب الفيلم صُوِّر في غرفة واحدة في الطابق العلويّ، وهذه الغرفة المهملة بمنزلة غرفة نوم للنساء، ومطبخ، وصالون تجميل، وغرفة موسيقى، وصالون.

 

 

في أغلب مشاهد الفيلم، إيدي الكبيرة لا تراوح سريرها الزوجيّ، الممتلئ بالكتب، والصحون والملاعق والكاسات، والقطط، والأدوات المنزليّة، ومجلّات قديمة، وكلّ ما يخطر ببالكم. في نفس الغرفة سرير آخر لإيدي الصغيرة، وخزانة لتخزين المعلّبات الّتي تأكلانها طوال الفيلم، وفيها أكل القطط، ولوحة كبيرة زيتيّة تزيّن جدار الغرفة لإيدي الكبيرة في أوج شبابها وعزّها، ترتدي الحلى والملابس الفخمة، مقارنةً بالأسمال وقبّعات القشّ الّتي ترتديها وهي في سريرها نصف عارية.

يتابع الفيلم خروج الشخصيّتين إلى الشرفة، للتسفّع والتمتّع بأشعّة الشمس، وكذلك خروج إيدي الصغيرة إلى الحديقة في مرّات قليلة. خلال الفيلم تستعيد الشخصيّتان أمجادهما، من خلال صور قديمة للبيوت والحفلات الفخمة، بينما تستمعان للموسيقى الكلاسيكيّة بلا توقّف، وتتقاتلان بلا توقّف أيضًا.

العلاقة بين شخصيّتي الفيلم مركّبة جدًّا؛ الأمّ الّتي تجلس في سريرها كالملكة تعطي الأوامر لابنتها، بينما إيدي الصغيرة المفعمة بالحياة على الرغم من العزلة، لا تتوقّف عن الرقص أمام الكاميرا، وملاطفة المصوّر والهمس له بأسرار عائليّة، وكأنّ الكاميرا لا تسمع همسها.

على الرغم من حالة القلعة المزرية، ومئات القطط والسناجب الّتي تعيش معهما، إلّا أنّ إيدي الصغيرة تميّزت بملابسها الغريبة الّتي كانت تخيطها أمام الكاميرا من قماش ستائر قديمة وشراشف، وتثبّتها بدبابيس. ما ميّز إيدي الصغيرة "حجابها"؛ غطاء للرأس صنعته بنفسها ويتلاءم مع ملابسها، وقد ربطته بشكل غريب لكي تغطّي تساقط شعرها نتيجة مرض جلديّ ألمّ بها. سرعان ما تحوّلت إيدي الصغيرة، بعد أن خرج الفيلم إلى النور، تحوّلت إلى أيقونة موضة، وصمّم العديد من مصمّمي الأزياء ملابس مستلهمة منها.   

الفيلم قوطيّ الطابع؛ فهو مركّب وتراجيديّ وغامض ويتناول شخصيّات مشوّهة، وهو يعالج عبر مراقبة الشخصيّتين فقط، وتوثيق حياتهما اليوميّة، وعزلتهما عن المحيط الخارجيّ، يعالج التراوما من فقدان المكانة الأرستقراطيّة من الحياة، ومن الخروج من القلعة؛ فالخارج خطر يحدق بهما، ولا سيّما إيدي الصغيرة، هكذا على الأقلّ ما تعلّمته من أمّها، وما ذوّتته في داخلها؛ لتصبح القلعة المنهارة والمهجورة رمزًا للنساء المنسيّات والمهجورات اجتماعيًّا وعاطفيًّا.

عاشت الشخصيّتان الواقع وحاكتاه عبر زمنين منفصلين: الماضي والحاضر المعيش، أمّا الزمن فتوقّف عن المضيّ قدمًا أمام منزل هذه العائلة الغريبة الأطوار، ولم يستطع أن يخترق هذه العزلة؛ فعاشت نساء القلعة في حالة ما بين الجنون وصراع البقاء.

 

          * "فيلا توما" (2014)

اهتممت شخصيًّا بموضوع العزلة الطوعيّة، وتحديدًا النسائيّة، عبر فيلم "فيلا توما" الّذي أخرجته عام 2014، وهو من الأفلام العربيّة والفلسطينيّة القليلة الّتي تناولت هذه الثيمة. يحكي الفيلم قصّة عائلة فلسطينيّة مسيحيّة، مكوّنة من ثلاث نساء، هنّ: فيوليت وجولييت وأنطوانيت، يعشن في الماضي، منعزلات عن المجتمع الفلسطينيّ في رام الله، حيث تقع "فيلا توما". تنضمّ للعيش مع عمّاتها ابنة أخيهنّ بديعة، الّتي تربّت في دير للأيتام، ويبدأن بتربيتها بما يتناسب مع مركز العائلة الأرستقراطيّ؛ فيعلّمنها اللغة الفرنسيّة والعزف على البيانو. وتجتهد جولييت، الأخت الكبرى، لإيجاد عريس لها، كي لا يكون مصيرها كمصيرهنّ دون زواج؛ وهنا تبدأ المتاعب وكسر العزلة الّتي دامت منذ عام 1967، عند احتلال الضفّة الغربيّة، حتّى الانتفاضة الثانية عام 2001؛ 34 سنة من العزلة التامّة. الفيلم عبارة عن رمزيّة للواقع الفلسطينيّ بعامّة، وللضفّة الغربيّة تحديدًا، المعزولة عن جميع المدن والمناطق الفلسطينيّة الأخرى.

سيناريو "فيلا توما" مستوحًى من شخصيّات حقيقيّة لنساء فلسطينيّات، لا يزلن يعشن في كلٍّ من مدينتَي رام الله وبيت لحم بعزلة تامّة، يبكين على أطلال المجد وأيّام العزّ.

 

 

نساء سجينات... بإرادتهنّ؟

المشترك بين الفيلمين، "الحدائق الرماديّة" و"فيلا توما"، عدا أنّ البطولة فيهما للنساء، أنّ العائلتين فقدتا مكانتهما الاجتماعيّة الأرستقراطيّة.

في الفيلمين، تعاني البطلات من الوحدة الداخليّة والخارجيّة؛ نتيجة أزمة اجتماعيّة وأزمات شخصيّة. وفي الفيلمين أيضًا، وجدت النساء ملاذهنّ بالعزلة الطوعيّة، بالاعتكاف داخل المنزل ليكون بمثابة الصومعة، وإنكار الحاضر لكي يستطعن البقاء. حالة إنكار الواقع والعيش في الماضي أمست أسلوب حياة للنساء السجينات داخل منازلهنّ المتهالكة، وسجينات داخل خوفهنّ من الخارج الّذي هو بمنزلة الواقع والمستقبل.

ويبقى السؤال: هل فعلًا ثمّة عزلة طوعيّة لسنوات طوال، وليست قسريّة؟ هل هؤلاء النساء اخترن عزلتهنّ بوعي وإدراك؟ أم الخوف من الواقع أكثر فتكًا من الأوبئة والجوائح؟ فعلى الأقلّ الجائحة تكون لفترةٍ ما ثمّ تنتهي، وغالبيّة الناس يعودون إلى حياتهم الطبيعيّة، وقلّة منهم يصابون بصدمة فيلازمون منازلهم إلى أجل غير معلَن.

من الجيّد متابعة أفلام ما بعد كورونا، ماذا سوف تُنتج السينما العالميّة والعربيّة في أعقاب الجائحة؟ والسؤال الأهمّ: هل ستعود السينما إلى سابق عهدها، بعد أن تعوّد الجميع على مشاهدة الأفلام والمسلسلات على شبكة "نتفلكس" ومثيلاتها؟ وهل ستستغني البشريّة عن متعة مشاهدة الأفلام في الصالات على الشاشات الضخمة، وتكتفي بمشاهدتها على شاشاتنا في منازلنا؟

 

 

سها عرّاف

 

 

كاتبة ومخرجة وصحافيّة فلسطينيّة. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها "نساء حماس" و"فيلا توما"، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في "مهرجان المرأة الدوليّ للسينما والتلفزيون - لوس أنجلوس" لعام 2014.

 

 

تعليقات Facebook