«إيليا للأفلام القصيرة»... وُلد في القدس ويحلم بالعالميّة | حوار

المخرج يوسف الصالحي

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

يصرّ القائمون على مهرجان «إيليا للأفلام القصيرة» على صناعة احتفال سنويّ لافت بالسينما الفلسطينيّة والعربيّة. مجموعة صغيرة من صنّاع الأفلام ذات طموح كبير في وضع مهرجان فلسطينيّ على الخريطة العالميّة. هم مصمّمون على الرهان على الفيلم القصير شكلًا فنّيًّا وجماليًّا مرنًا وقريبًا من الناس.

تكمن أهمّيّة المهرجان في أنّه أكثر من مجرّد عرض سنويّ لما ينتجه المخرجون والمخرجات العرب، بل يسعى القائمون عليه إلى جعله مساحة فسيحة تعمل على مدار العام، من أجل تبادل الخبرات وإكسابها من خلال ورش عمل ونقاشات تُقام في القدس. المهرجان الّذي يحمل أحد أسماء المدينة القديمة، يسعى إلى أن يكون على علاقة قريبة بجمهوره، يعرف كيف يقرأ ذائقته فيشتغل حسبها. وعلى الرغم من أنّ هاجسه الأوّل صناعة ما هو جدير بمدينة مثل القدس، إلّا أنّه لا يكتفي بالمحلّيّة، فيرمي خيوطه في جغرافيّات متعدّدة كي يصل.

كان لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة هذا الحوار مع المخرج يوسف الصالحي، أحد القائمين على المهرجان، وهي فرصة للحديث أيضًا عن الدورة الثالثة القريبة، الّتي تُنَظَّم في ظلّ جائحة كورونا (Covid-19).

 

فُسْحَة: حدّثنا عن بذرة المهرجان قبل أن يصبح مهرجانًاز... "صار عنّا سينما"!

يوسف: هي مبادرة مستقلّة، ارتأينا نحن المجموعة من الزملاء عام 2014 إلى تأسيسها، حين شعرنا بأنّ ثمّة حاجة ملحّة إلى وجود مساحة نظهر من خلالها، ونقدّم فيها عملًا فلسطينيًّا لمدينة القدس بعامّة، ولصناعة الأفلام بشكل خاصّ. أعتبرها مرحلة لاكتشاف الذات قادتنا إلى عام 2018، حين نضجت المبادرة فتتوّج كلّ ما وددنا فعله في القدس بـ «مهرجان إيليا للأفلام القصيرة»، الّذي لا يهدف إلى إتاحة الأفلام فحسب، إنّما إلى تطوير الصناعة السينمائيّة.

 

 

فُسْحَة: هل كان المهرجان هدفكم البعيد منذ البداية؟

يوسف: نعم، كان ذلك هدفنا الأوّل الّذي كنّا ننتظر تحقيقه كلّ عام. عملنا على تقديم عروض للأفلام القصيرة الّتي قدّمنا فيها أفلامنا الخاصّة وأفلام أصدقاء وزملاء لنا. لكنّا أردنا مشروعًا مستقرًّا ومستمرًّا. لقد تعلّمنا من تجارب اختبرتها مهرجانات أخرى مثل «أيّام سينمائيّة» الّتي ينظّمها «فيلم لاب»، و«مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام». حرصنا على أن تكون البداية موفّقة وليست قائمة على التجربة. من جانب آخر، فقد كانت القدس محطّ تركيزنا. إنّ متابعة «مهرجان القدس» الإسرائيليّ يشكّل بالنسبة إلنا دافعًا من أجل العمل في ما يخصّ مجتمعنا.

 

فُسْحَة: وما السبب في تسميته «مهرجان إيليا»؟

يوسف: أردنا إعطاء المهرجان اسمًا يعبّر عن المدينة. إيليا أحد أسماء مدينة القدس في العهد الرومانيّ. إنّه جذّاب وجميل. عادةً ما تحمل أسماء المهرجانات أسماء المدن الّتي تُقام فيها، لكن أردناه اسمًا وسيعًا، اسم «القدس» يفتح أسئلة، ونحن لا نريد أن يُغلق الاسم المسمّى.

 

فُسْحَة: ماذا تعني بأنّه سيغلقه؟

يوسف: أقصد أنّه سيكون محدودًا. تسمية القدس ستذهب بالمعاني إلى طابع معيّن. لم نُرِد أن يحصر الاسم المهرجان، بل أن يفتحه. أمّا سبب التسمية الآخر، الشخصيّ، فهو تيمّنًا باسم ابنة أختي. قلتُ مرّة في افتتاح المهرجان: "إذا أحبّ المرء أن يحقّق حلمًا فليعطِه اسم شخص يحبّه".

 

فُسْحَة: ولِمَ الأفلام القصيرة تحديدًا؟

يوسف: حين بدأ فنّ السينما بالظهور، كانت الأفلام قصيرة. نحن أمام مهرجان معاصر لكنّه يركّز على هذا الشكل لأنّنا نرى أنّ الأفلام القصيرة لا تُوافى حقّها. صنّاع الأفلام يصنعونها جسرًا للعبور للأفلام الطويلة. من المثير رؤية الكمّ الكبير للأفلام القصيرة الّتي تُنْتَج محلّيًّا، وعلى مستوى العالم العربيّ أيضًا. في الدورة الأولى عرضنا أفلامًا كثيرة، وتساءلنا عمّا سيتبقّى لنعرضه العام المقبل، لنتفاجأ كلّ عام بمستوى الإنتاج. لهذا المهرجان بُعْد شخصيّ جدًّا، فنحن كذلك صنّاع أفلام قصيرة، كنّا نفكّر إلى أين سنذهب بأفلامنا. هذا التفكير قادنا إلى ضرورة إيجاد المساحة والجمهور؛ إذ إنّنا نحاول أن نجذب الجمهور من خلال الأفلام القصيرة، فالطويلة منها ستعني عدد أفلام أقلّ وثيمات أقلّ، في حين أنّ عرض الأفلام القصيرة، كعرض 60 فيلمًا، يُتيح كمًّا وتنوّعًا. نحن لا نودّ أن تمرّ الأفلام عن عيون الناس قبل أن تترك أثرًا، فنختار الأفلام بعناية كبيرة بمساعدة لجنة تعمل على البحث معنا. اخترنا أن نسلّط الضوء على هذا الصِّنف، وأن نبني جمهوره حتّى نلمس القوّة الكامنة فيها. حتّى في أوقات كهذه خلال جائحة كورونا، لاحظنا كيف أنّ سهولة عرض الفيلم القصير أونلاين تجعل إتاحته أكبر؛ فيه مرونة تلائم العمل فيه مع جمهور القدس، وتلائم تجربتنا في صناعة الأفلام القصيرة. ومن منطلق أنّ قلّة من المخرجين الكبار يصنعون الأفلام، نلحظ أنّ روح المهرجان شبابيّة.

 

 

فُسْحَة: على ذكر الاختيارات، ما منهجيّتها؟ وهل تلحقون الثيمات، التنويع الجغرافيّ، الأسلوب الفنّيّ؟

يوسف: اخترنا منذ البداية ألّا نجعل الثيمات تلازم المهرجان، حتّى لا تُحْدِث أيّ تحديد في التنوّع. نأتي جميعًا من مجال الأفلام ودرسناه، إذن سنختار الأفلام الّتي تُعْجِبُنا، والّتي نعرف أنّها سوف تُعْجِب الناس وتجذب اهتمامهم. ثمّة أفلام قصيرة صعبة على تلقّي الجمهور رغم جماليّتها العالية، نحن نتناقش حيال هذه الأفلام، نحاول ما استطعنا أن نقلّل من الأفلام التجريبيّة الصعبة التلقّي، ونُكْثِر ما يحكي قصصًا قريبة من الناس. أمّا في أمر منهج الانتقاء فنحن نتّبع طريقتين؛ الأولى فتح باب التقدّم لصنّاع الأفلام لتقديم أفلامهم، والثانية أنّنا نبحث عن أفلام جديدة. لدينا علاقات حيويّة مع منتجين ومخرجين، نحن في حالة بحث على مدار العام، واطّلاع مستمرّ على ما يُنْتَج في عالمنا العربيّ. نسعى إلى أن تكون عدسة البحث واسعة فلا نتّبع معايير شديدة ومقيِّدة. نبحث عن الفيلم ذي الصورة الجميلة والقصّة الجميلة. حتّى حين نرفع المعايير الفنّيّة، نحن بذلك لا نقصي أيّ أفلام، وستدخل ضمن هذه المعايير مشاريع تخرّج لطلّاب فلسطينيّين وعرب. نطمح في أن نوازن بين أفلام الناشئين وأفلام المحترفين.

 

فُسْحَة: لكن كيف استقطبتم الجمهور لأوّل دورتين؛ فالذائقة العامّة تميل إلى الأفلام التجاريّة الّتي تُعرض على شاشات التلفزة؟

يوسف: قبل أن نقدّم أيّ فيلم للناس نختبره أمام أنفسنا. أحيانًا نختار أفلامًا تحتوي على جوانب صعبة فنّيًّا، لكنّ قصّتها مثيرة وقريبة من الناس. ندخل مرّات في نقاشات طويلة جدًّا ترتبط بالجمهور مع لجان الاختيار. في النهاية نحن لا نريد أن ننفّر الناس من السينما، وأنا أميل إلى هذا التوجّه. ثمّة مَنْ يقول إنّه لا يعرف أصلًا بوجود أفلام قصيرة. أنا أتحدّث من خلال تجربتي؛ فحين أُخْرِج فيلمًا قصيرًا أريد له أن يصل إلى دوائر أبعد من الأهل والأصدقاء. في نهاية المطاف، الجمهور جوهر المهرجان، وتفاعله يصبّ في قوام العمل. عندما نعرض أفلامًا صعبة نعمل على دعوة المخرج للحديث مع الجمهور، لكي نخلق لغة للتواصل.

 

فُسْحَة: هل وصلتم في رأيكم إلى جمهور القدس العامّ، خارج دائرة جمهور الثقافة الّذي يتكرّر في المناسبات الثقافيّة؟

يوسف: أظنّ أنّنا وصلنا إلى هذا الجمهور. نحن نرى أشخاصًا لأوّل مرّة يحضرون حدثًا ثقافيًّا. ما أسهم في رأيي في جذب هذا الجمهور أنّنا لأربع سنوات متتالية، أقمنا دورات في صناعة الأفلام، ودرّسنا في كلّيّات؛ فتشكّلت علاقات بعائلات وأناس من فئات سنّيّة مختلفة في القدس. هذه الفئات جلبت قوّة كبيرة للمهرجان منذ الدورة الأولى؛ فالجمهور المعتاد يأتي بأفكاره الناجزة. أمّا الجمهور الأوسع، وبعيدًا عن شعار التغيير والإضافة، فقد وصلنا إلى فئات كبيرة منه. في الدورة الثانية عملنا على تطوير شكل المهرجان، لنقدّمه في صورة تضاهي أيّ مهرجان في العالم، فنضع أنفسنا على الخريطة كمهرجان يحدث في القدس. أتحدّث عن بروتوكولات، وسجاجيد حمراء، وقواعد في اللباس، وأمور قد تبدو شكليّة وربّما تثير مخاوف مرتبطة بردود فعل الناس في القدس، لكنّا لاحظنا أنّهم عاشوا القصّة والتجربة. نحن نطمع، من خلال العمل على المضمون والشكل، في مهرجان أبعد من المحلّيّة وذي بعد تأثيريّ. منذ عامنا الأوّل كنّا في «مهرجان كان»، وأخذنا خطواتنا على محمل الجدّ.

 

 

فُسْحَة: ذلك على الرغم من أنّكم أفراد، هل تعتقد أنّكم لو كنتم مؤسّسة لكنتم في مرمى الاستهداف من السلطات الإسرائيليّة، ضمن حملتها ضدّ المؤسّسات الفلسطينيّة الفاعلة في المدينة؟

يوسف: نعم، أعتقد ذلك. أصبح كلّ فعل ثقافيّ مُحاطًا بالأسئلة في هذه المدينة. أمّا عن طبيعة عملنا فأنا أعتبر المشروع مشروعًا ذا بعد شخصيّ. نحن نفعل ما نحبّ، أنا أدرك كيف يمكن الأمور أن تسير داخل المؤسّسات، وكيف يمكن أن تختلف عن ظاهرها. نحاول أن نبتعد عمّا يمكن أن يفقدنا روح المهرجان. لسنا طاقمًا كبيرًا، لكنّا نعتمد على المتطوّعين وطاقتهم المثرية، ونُحاط كلّ عام بأشخاص، هم مدعاة إلى الفخر ومصدر لقوّة المهرجان، يكوّنون لجان الاختيار والتحكيم. في السنة الأخيرة عملنا مع مخرجين وممثّلين زوّدونا بخبراتهم وطاقاتهم، مثل آن ماري جاسر، وجورج خليفي، وصالح بكري، وهنري أندراوس، وكامل الباشا، وفراس خوري، وغيرهم. نودّ أن يكون «مهرجان إيليا» مهرجانًا مستقلًّا، دعينا نقول مثل «مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام»؛ فالقائمون عليه لا يجمعهم إطار رسميّ معيّن. هذه الرؤية تلبّي طريقة عملنا، لكن يجوز أن تُحَطّ الأنظار علينا حين نكبر. الفعل الثقافيّ أصبح تحدّيًا في السنوات الأخيرة في القدس. «مركز يبوس» مثلًا، الّذي نعتبره شريكًا، كان ألغى أحداثًا ثقافيّة كثيرة.

 

فُسْحَة: كيف يتجاوب المخرجون والمخرجات العرب مع دعوتكم لعرض أفلامهم في الأرض المحتلّة؟

يوسف: ثمّة مَنْ يتحدّث معنا و"إيده ع قلبه"، لكنّا نشرح للجميع أنّنا نتحدّث عن القدس العربيّة الّتي يسكنها عرب فلسطينيّون. نحاول طمأنتهم؛ ثمّة تخوّفات معيّنة لكنّها لم تواجهنا كثيرًا. كانت مخرجة لبنانيّة بجنسيّة كنديّة راغبة في المجيء، إلّا أنّنا لم نحبّذ قدومها خوفًا من أن تواجهها إشكاليّات جرّاء ذلك، في المقابل نحن دائمو البحث عن البدائل.

 

فُسْحَة: أعطنا أمثلة. وكيف سيكون شكل دورتكم القادمة في ظلّ الجائحة؟

يوسف: نحن نعمل في كلّ نسخة على مستويين؛ عروض الأفلام القصيرة ومنصّة إيليا السينمائيّة. في العروض ننتقي مجموعة متنوّعة من الأفلام، في الدورة الماضية عرضنا أفلامًا من 17 دولة، ومَنْ لم يستطع الحضور من المخرجين العرب، وعددهم نحو 60، قدّم كلمة مصوّرة للجمهور. وسنعمل ضمن هذه الدورة أيضًا على استضافة المخرجين ونقاشهم، من أجل خلق تفاعل مع الناس، وتلبية حاجة المخرج إلى الانكشاف على ردود الفعل؛ فكما نروّج الأفلام نفعل الشيء ذاته مع صنّاعها.

أمّا "منصّة إيليّا"، فهي المساحة الّتي نسعى إلى أن تكون فاعلة على مدار العام؛ تقدّم محاضرات وورش عمل ونقاشات حول مواضيع تهمّ العامّة. دائمًا ما تخوّفنا من اهتمام الجمهور بهذه النشاطات، لكنّه كان موجودًا. نحن مقبلون على الدورة الثالثة، وبسبب الأوضاع سنقدّم هذه النشاطات، الّتي ستكون مصوّرة مسبقًا، مع سينمائيّين وممثّلين مختلفين. لن نتعامل مع تطبيق "زووم" من أجل ضمان جودة الصورة والصوت. سنعرض كذلك عددًا محدودًا من الأفلام القصيرة. هكذا، نضمن حضورًا إضافيًّا من العالم العربيّ خارج حدود مدينة القدس. ثمّ إنّ عرض الأفلام القصيرة يأتي لصالحنا؛ لأنّ الأفلام الطويلة عادةً ما تُعْرَض أوّلًا في مهرجانات كبيرة.

 

 

* تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

أسماء عزايزة

 

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها ثلاث مجموعات شعريّة؛ "ليوا" (2010)، و"كما ولدتني اللدّيّة" (2015)، و"لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب" (2019). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا "فناء الشعر"، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. تكتب في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook