النصّ الدراميّ السوريّ: هل داسَ سامر رضوان الضباع؟

مشهد من مسلسل «لعنة الطين» (2010)

 

دَوْس الظلّ

يُحكى في موروث العرب أنّ باستطاعة الضباع سلب قدرة الكلام والحركة لمَنْ تدوس على ظلّه، ومنذ أن تلاقى صعود نجم المسرح والسينما والدراما في العالم العربيّ، مع تمكّن النظم الأمنيّة من خناق المواطنين، باتت هذه النظم كالضباع مشغولة بالدوس على ظلال الناس.

والدوس هنا، لا يحتاج الإنسان المتوسّط إلى منظار لرؤيته، أو إلى حكّ رأس لفهمه، إلّا أنّ ما يحتاج إلى إماطة لثام بفعل تورية، وإلى إعادة انشغال بفعل انشغال، هو كيف تفاعل الفرد العربيّ مع هذا الدوس فنًّا؟ ولا سيّما أنّ الفنّ مدفوع بغريزة الحرّيّة، له دوره الفاعل في حياة الأفراد والجماعات. وليستوي هذا؛ عليه النأي مستقلًّا عن السلطة – أيّ سلطة - لِما تحمل في تعريفها هي من احتكار للقوّة بغرض السلطة، فتصبح نقيضًا للحرّيّة، لا في الممارسة فحسب، بل بأثرها في ما تستطيع أن تفعل، خاصّة إذا كانت سلطة سلطويّة شموليّة مسكونة بالتسلّط.

حافظت أعمال رضوان الثلاثة: «لعنة الطين» (2010)، و«الولادة من الخاصرة» (ثلاثة أجزاء: 2011، 2012، 2013)، و«دقيقة صمت» (2019)، على نمط واحد في تشكيل الشخصيّات، مع محافظته على هامش من المناورة في إعادة الخلق والتشكيل، تواؤمًا مع الزمان والمكان.

 

يحاول هذا المقال معالجة نزر يسير من التلاقي، بين إبداع الفرد العربيّ مع نظام من هذا النوع، ولا سيّما أنّ تجربة كاتب السيناريو السوريّ سامر رضوان كثيفة على قلّة معدودها، وأنّ رضوان رشيق رغم ثقل همّته، وأنّ فترة إنتاجه خصبة الترعة للإنتاج – إبداعًا - في حين كانت عسيرة متعثّرة وفادحة في ما أسرفت من دماء. كما يُذْكَر أنّه من أكثر كتّاب السيناريو تلقّيًا للسباب والتقريع؛ فرضوان في نظر المعارضة السوريّة عميل صغير في مخابرات النظام، وفي نظر النظام مأجور وقابض ليشوّه سمعة البلد. وفي هذا من المهمّ القول إنّ النصّ الدراميّ عمومًا بكلّ ما يحمل من ألق، هامَ على وجهه مظلومًا بفعل نجوميّة أبطاله، وقدرة الشاشة على جعل البطل مركزًا والنصّ مهمّشًا؛ فيجد المتفحّص أنّ ما قيل في النصّ وكاتبه كمًّا، هامشيّ إلى جانب ما قيل في العمل ونجومه، وفي أحيان كثيرة كان يُضاء على النصّ عَرَضًا ولمامًا، حين يُحْكى عن العمل مسبوقًا بالقول: "وفي هذا السياق، لا بدّ من أنْ...".

 

"السلطة مثل المخدّرات"

حافظت أعمال رضوان الثلاثة: «لعنة الطين» (2010)، و«الولادة من الخاصرة» (ثلاثة أجزاء: 2011، 2012، 2013)، و«دقيقة صمت» (2019)، على نمط واحد في تشكيل الشخصيّات، مع محافظته على هامش من المناورة في إعادة الخلق والتشكيل، تواؤمًا مع الزمان والمكان.

الشخصيّات عند رضوان أحد ثلاثة: رجل أمن، أو ابن شارع، أو متنفّذ في السلطة. ويحمل كلّ مستوًى أبعادًا ومتناقضات عدّة، أهمّها أنّ جميعهم تشبكهم قوًى قهريّة، هي الدولة، ويجذب كلّ مستوى الآخرَ إلى جانبه، أو يبحث هو عن جانب يقف عنده، مدفوعًا بغريزة الرغبة في السلطة والقوّة، وبيقين تامّ أنّ الأقوى يراقب هذا التشابك كمَنْ يرسم حركات بهلوانات سيرك، ويجلس على مقاعد الشرف للتندّر عليها، مختالًا بردائه الأبيض وسيفه البرّاق الّذي لم يمسسه أحد.

يشير رضوان بالبنان إلى هذه الرغبة بالقوّة، على لسان شخصيّة العميد عصام (أداء خالد قيش) في مسلسل «دقيقة صمت» خلال أحد الحوارات: "السلطة مثل المخدّرات يا منال، بسّ تدخلي عالمها صعب كثير تطلعي منّو، وأنا بخاف من حالي، رح حسّ إنّي بلا قيمة وساعتها رح أنتحر". وفي الحقيقة أنّ هذه الإشارة تحمل إحالة ضمنيّة للمراقب من علٍ، ذلك الّذي يوقن فعل السلطة في نفوس أولئك الّذين يقمعهم، وكيف أنّها تنقلب لتصبح مخدّرًا يبسط هيمنته على النفس البشريّة، ويركن لهذا فيستثمر به حدّ أقصاه.

 

 

والعميد عصام في «دقيقة صمت» على اختلاف طبائعه وردوده وسلوكيّاته، إلّا أنّه هو هو الملازم عامر في «لعنة الطين» (أداء مكسيم خليل)، وهو هو المقدّم رؤوف من أمن الدولة في «الولادة من الخاصرة». اختلفت مسارات النشوء فتنوّعت الطبائع، إلّا أنّ منبتها واحد وبذرتها واحدة؛ فعصام شابّ موهوب وضع نفسه في أحد معسكرَي نفوذ في السلطة ليتمكّن منها، فعصرته حدّ منتهاه، وعامر طالب هندسة انطبعت على وجهه علامات الفقر والجهل والبراءة، وفقد والده فكان طُعْمًا سهلًا لمتنفّذ يرسله إلى دورة عسكريّة، فيجد نفسه ضابطًا يملك القوّة على مَنْ هم تحت، وعليه أن يخضع لمَنْ هم فوق. أمّا رؤوف المتسلّط المجنون والنرجسيّ القبيح، الّذي عاش طفولته في ميتم – ولنتفكّر في دلالة الاسم - يعيش كالعلق على مَنْ هم فوق، ليجد ضالّته نهايةً في أبي إياد (أداء عبد الحكيم قطيفان)، الشخصيّة المتنفّذة الّتي تقول لرؤوف في أوّل لقاء لهما: "بَفْهَم من حكيك إنّك كلب وَفي"، فيجيبه: "بَفْهَم إنّي جوعان حنان".

كذلك رجالات الشارع، الجماعات الّتي تولد في الكواليس الخلفيّة لمجتمع مقهور يغزوه الفساد. فطلال (أداء قاسم ملحو) في «لعنة الطين»، وُلِد وطَبْع الشرّ فيه أصيل، يجد مَنْ يغذّيه ويغطّيه. وأبو نيبال (أداء باسم ياخور) في «الولادة من الخاصرة» جزّار مجنون، يجد نفسه أحد عكّازين إلى جانب المقدّم رؤوف، يتّكئ عليهما أبو إياد المتنفّذ الجشع. نعم، هذا هو شكل السلطة الّتي لا تفتأ تصبح سلطات، كلّ واحدة رأسها متنفّذ، ومُتَّكَؤها ضابط أمن وقائد عصابة. وفي مُنْقَلَب رجالات السلطة، ثمّة في «لعنة الطين» أبو نزار ، عبد الله عزّام (أداء الراحل خالد تاجا)، في إشارة إلى عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس السوريّ السابق المنشقّ، وأبو إياد في «الولادة من الخاصرة»، وكذلك الراغب في السلطة أبدًا، راغب بيك، من «دقيقة صمت».

 

خطوط من الشناعة والجمال

هكذا ينسج رضوان خيوط نصوصه مغزولة في أزمنة وأمكنة تتيح له استبدال الخيوط وتنويع ألوانها. «لعنة الطين» مثلًا من الأعمال النادرة الّتي تنكأ جُرْح سنوات الثمانينات، حيث الحصار والفقر والقلّة والتهريب. مساحة زمانيّة كثيفة تصلح لأن يدرسها علماء الاجتماع والإنسان، من ناحية تشكّلات البشر وسلوكيّاتهم في أزمنة القلّة الّتي يرافقها القمع الوحشيّ، إذ «أصغر ملازم» أهمّ من «أكبر مهندس». كذلك مرحلة الثورة السوريّة وما سبقها وما تلاها في «الولادة من الخاصرة».

وللمكان لدى رضوان قسط وفير من التصوير بعيون الطائر، القرية وما تعني البساطة والسذاجة والجهل في آن، ويشير إلى هذا في غير موضع، أهمّه عندما يطرح العميد عصام فكرة مجنونة تقتضي إعادة إرسال أمير ناصر إلى القرية بعد كذبة إعدامه، بادّعاء أنّه وليّ عاد من الموت، معوّلًا على إيمان الناس بالخرافة والأسطورة، قائلًا حرفيًّا: "نحن عم نستثمر بقطاع، الربح فيه مضمون مليون بالميّة، جهل الناس يا راغب بيك، مشان هي تطّمّن وارتاح". كأنّه يستفزّ المتلقّين بالقول: ما بالكم تقبلون أسفل فرضيّات السلطات وأكثرها خبلًا وجنونًا؟

فالزمن خطوط متناقضة من الشناعة والجمال معًا، الأصالة والدناءة، العدل والظلم، جميعها يسير معًا. إلّا أنّه يصرّ دائمًا في زبدة الأحداث على التلميح إلى أنّ المعركة ما زالت مفتوحة...

في هذا النسج يحيّر رضوان المشاهدين؛ إذ يقابل كلّ ضابط أمن سيّئ آخر أخلاقيًّا، وكلّ متنفّذ فاسد آخر مبدئيًّا. سيف نشأت الوزّان لم يبرح برهة عن رقبة راغب ومجموعته طوال أحداث المسلسل، والمقدّم فايز بلاء مسلّط على المقدّم رؤوف، لما يحمله من شرف وأخلاق وشهامة، وفي نقيض أبي نيبال هناك أبو الزين.

الزمن في معمعة الأحداث لا يسير في اتّجاه واحد نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، وليس سهلًا على المتلقّي توصيفه بالشنيع أو الناصع، كأنّ رضوان يستفيد من فلسفة والتر بنيامين في تأصيله لمفهوم التاريخ؛ فالزمن خطوط متناقضة من الشناعة والجمال معًا، الأصالة والدناءة، العدل والظلم، جميعها يسير معًا. إلّا أنّه يصرّ دائمًا في زبدة الأحداث على التلميح إلى أنّ المعركة ما زالت مفتوحة، وأنّ مَنْ لم نرهم أشدّ بغضًا وانحطاطًا ممّن رأيناهم، وأنّهم لا يزالون متربّعين على عروشهم. وربّما ينشأ هذا الشكل من الحيرة نتيجة فلسفة رضوان الدراميّة، فرضوان كما يعبّر: "أعترِض على فكرة التأريخ داخل الفنّ بشكل مطلق، فالتأريخ له مواضع أخرى، أنا مع الارتطام بالحدث وتشكيل وجهة نظر فنّيّة عنه، وليس أكثر من ذلك"، هو يرتطم بالحدث، ونحن نتلقّى ارتداداته.

 

الانتقاد المكلَّف به

تصف أستاذة العلوم السياسيّة ليزا ويدين ذلك الانتقاد الّذي تسمح به أجهزة الدولة، شريطة عدم المسّ بشخص الرئيس بغية التنفيس، بـ «الانتقاد المرخّص»، أي المأذون به، فهي بهذا تعمل على تحرير الضغط وتخفيف حدّته، وهي لحظة يتشارك فيها الجميع رفضهم الظلم المحيق بهم، ويحمل قيمة مزدوجة من ناحية أنّ المرء يجد مَنْ يشاركه الاحتقان، ويصفّق معه، ومن ثَمّ يترك احتقانه على المقعد قبل مغادرة المسرح، وهو أخطر أشكال التنفيس لأنّه ينقلب إلى مخدّر بدلًا من أن يؤدّي دور المثوِّر. ثمّ إنّه لا ينفكّ من أنّه مراقب فعّال؛ إذ يُسْهِم في تحديد المتمرّدين وإقصائهم[1].

أمّا الانتقاد «المُكَلَّف به»، كما استقرّت على تسميته ميريام كوك، فيختلف عن «الانتقاد المُرَخَّص»؛ فبوجوده على النقطة الّتي تربط وتوصّل بين المسموح والتجاوز، يعمل كآليّة تستثمر ما كان غامضًا في فنون الهيمنة السوريّة، وهو ليس مجرّد تسويغ للممارسات الّتي تتمثّل وظيفتها في ملء الفجوة المعرفيّة، بين أكاذيب خطاب النظام وواقع الحياة اليوميّة، بل هو تلاعب النظام الميكافيللي بالمعارضة. الدولة تضغط على معارضيها للاستمرار بالسلوك المعارض، ومن ثَمّ تحاول احتواء الانتقاد. إذن، هي ممارسة ترعاها الدولة[2].

 

 

«الانتقاد المكلّف به» عمليّة آليّة ضبطيّة، تتحكّم الدولة من خلالها في الساحات، من خلال الحفاظ على شروط الإنتاج الثقافيّ في حالة شكّ وعدم تناسق. ثمّ إنّه يتيح ما يسمّيه ميشيل فوكو «إنتاج الوسائل المطوّعة» بوسائل أقرب إلى سياسة التأديب، ما يُنْتِج أجسادًا معدّلة ومطوّعة. المسألة هنا لا تتعلّق بفهم الوصيّة، بل بإتقان تلقّي الإشارات والاستجابة لها فورًا، وهي أقرب ما تكون إلى التدريب والترويض.

سامر رضوان الّذي لا يتوانى عن قذف سهام النقد وتكثيف الإحالات الرمزيّة وغير الرمزيّة، المطلوب من قِبَل غير فرع أمن، والّذي يجاهر بأنّه خصم السلطة علنًا، يُشْعِرُنا للحظة بأنّه يؤمن بمقولة الرئيس الطيّب والبطانة السيّئة، فنجد لديه مثلًا هذا الحوار المهمّ في «لعنة الطين»، حين كان الملازم عامر يتداول مع مساعده، الرقيب أبي طارق، ملفّ فساد يخصّ مسؤولًا كبيرًا:

"الرقيب: ما في حدا ما بتهمّه التقارير اللّي ممكن تنرفع للقيادة ضدّه... أنا خدمت مع ضبّاط كبار لدرجة بتحسّهم مش سائلين على حدا، لكن يوم تصل قصصهم للناس اللّي فوق بصيروا مثل الأرانب...

عامر: بسّ هودي هنّي اللّي فوق! الرقيب: لا سيدي، هذول تحت بسّ اللّي فوق بتهمهم مسألة البلد، وإنّه يبقى البلد نظيف عشان يحسّوا إنهم قدّموله شي، وصدّقني هذا المسؤول إذا وصلت قصصه إلهن بطير من محلّه.

عامر: يا أبو طارق، إذا في عشرة نظاف فوق في خمسين وسخ تحت.

الرقيب: بظلّوا النظاف أقوى سيدي حتّى لو كان عددهن قليل".

 

 

يضطرّنا رضوان إلى التفكير كثيرًا حيال نظريّة «النقد المُكَلَّف به»، الّذي يبدو أنّه مُقْحَم به من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، إلى درجة أنّ بعض الحوارات، والأخير منها، يُشْعِرُنا بأنّ رضوانًا يفتعلها ليتجاوز مقصلة الرقيب، كالراقص الّذي يصرّ على إبهار الجمهور، إلّا أنّه مشغول دائمًا بكلّ حركة يخطوها؛ لئلّا يتعثّر بين فينة وأخرى، أو كمَنْ يرقص في حقل من الألغام فيُشْعِرُنا للحظة بأنّه نسي الرقص، وانشغل بتجنّب الانفجار، فيُبْهِر المتلقّي بجميل صنيعه، لكنّه يزعجه أيّما إزعاج عندما يتخيّل المتلقّي الراقص جالسًا أمام آلة حاسبة، يتيقّن من كلّ رقم وخانة، قابضًا إحساسه الرهيف، وإبداعه الخلّاق، في كفٍّ خطر، أن تحلّق فيقع!

هل غلبت مقاصل الرقيب رضوان دون أن تمسّه؟ أداس رضوان الضباع أم أنّها ما زالت تدوس على ظلّه دون أن يدري هو؟ لا ندري، لكن علينا الاعتراف بأنّ رضوانًا من بدائع هذا الزمان البائس، وأكثرها إطلالًا برأسه إلى الأعلى، متحسّسًا السقف، وربّما محاولًا تحطيمه بجمجمته وما تحوي.

.........

إحالات:

[1] Lisa wedeen, Ambiguities of domination: Politics, Rhetoric and symbols in contemporary Syria (Chicago, IL: University of Chicago press, 1999).

[2]  ميريام كوك، سورية الأخرى: صناعة الفنّ المُعارِض، ترجمة حازم نهار (بيروت: المركز العربيّ للأبحاث، 2018).

 

 

علي زبيدات

 

 

حاصل على البكالوريوس في اللغة العربيّة وآدابها من «جامعة حيفا»، ويدرس حاليًا التحرير والتدقيق اللغويّ. يعمل مدرّسًا للّغة العربيّة، ويكتب المقالة السياسيّة والنقديّة في منابر مختلفة. 

 

 

تعليقات Facebook