طلّ سلاحي: موسيقى للذّاكرة والأمل في غزّة

ليس من السّهل أن تندفع للذّهاب إلى عرضٍ موسيقيٍّ في غزّةَ، فمنذ عامٍ ونصفٍ، أي بعد حرب الـ 51 يومًا الصّيف المنصرم، والحركة الفنّيّة والثّقافيّة في غزّة شبه مشلولةٍ، أو لا تحظى إنتاجاتها بالإشادة الواضحة، وثمّة، غالبًا، مشاكل تقنيّةٌ أو فنّيّةٌ، يمكن أن تكون بسيطةً ويمكن حلّها بالاستعانة ببعض المتخصّصين؛ لكن للأسف، تقع عروضٌ وأحداثٌ كثيرةٌ في الخلل التّقنيّ والفنّيّ بسبب الإهمال في التّنظيم والابتعاد عن العناية بالتّفاصيل.

لا يمكنك أن تخرج من عرضٍ موسيقيٍّ وأنت راضٍ عنه وسعيدٌ. إنّ العرض الكامل والمتعوب عليه يكوّن له جمهورًا خاصًّا به، ويبقى الجمهور متّصلًا به وفق اتّصال الفنّان بجمهوره، فإذا لم يقدّم الفنّان ما يعجب السّادة الجمهور العريض، من النّقّاد والفلاسفة والمتحذلقين في غزّة، فسيحظى بالهزيمة والاستسلام، وربّما يؤثّر ذلك على مستقبله الفنّيّ، وهو ما حدث مع الكثير من الفنّانين، الّذين سرعان ما سافروا تاركين القطاع، أو ابتعدوا عن الأوساط الفنّيّة وطُمِسَت موهبتهم.

حفل الثّانية عشرة

هنا، كان الأمر مختلفًا. تلقّيت الدّعوة عبر فيسبوك من أحد الأصدقاء، وإذ بها دعوةٌ لحفلٍ ثالثٍ لفرقةٍ موسيقيّةٍ تُدعى دواوين. تأكّدت من أنّ هذا الحدث حفلٌ موسيقيٌّ، ثمّ سرعان ما حجزت مقعدين لي ولصاحبتي، عبر تسجيل أسمائنا وإضافة أرقام هواتفنا، ودعوت أصدقاءنا الآخرين أيضًا.

كان ثمّة بلبلةٌ في تحديد توقيت الحفل،  بدايةً، لكن سرعان ما استقبلنا رسالةً قبل الحفل بأربعة أيّامٍ، بضرورة القدوم إلى مكتب شركة iTcom يوم الخميس، ليكون الحفل السّبت الّذي يليه (6 شباط (فبراير) 2016)، وقد حدث. توجّهت مع أصحابي لاستلام التّذاكر، دخلنا مكتب الشّركة، عاملونا بلطفٍ واحترامٍ، وراح أحد الأشخاص، وهو زميلٌ لنا وجدناه هناك صدفةً، بالبحث في أسمائنا ليطبع الدّعوات لنا. أثناء ذلك، سألني أحد القائمين على الحفل إن كنّا نريد أن نحضر السّاعة الثّانية عشرة ظهرًا أو الخامسة مساءً، فقلنا له إنّنا نريد حفل الثّانية عشرة. قالت بنتٌ تعمل في المكان إنّكم أوّل ناسٍ تطلبون حفل السّاعة الثانية عشرة. ما فهمناه، أنّ عدد المقبلين على حجز المقاعد كبيرٌ، لذلك اضطّرّت الشّركة لحجز القاعة مبكرًا، على أن يكون عرضان موسيقيّان.

جاء السّبت، وفُتحت السّتارة السّاعة الثّانية عشرة بالضّبط، بصوت عزفٍ على عود إلكتريك، مع إيقاع نايٍ، فُتحت السّتارة على أكثر من عشرة موسيقيّين وآلاتهم، ليشكّلوا طيلة ساعةٍ ونصفٍ بعد ذلك تناغمًا وانسجامًا كبيرين، متّعا الجمهور  بطابع الحفل الحماسيّ والثّوريّ، الّذي أبدى تفاعلًا كبيرًا بالتّصفيق والغناء المستمرّين، والتقاط صورٍ وفيديوهاتٍ بهواتفهم الذّكيّة.   

عدسة: عزّ زعنون

فرقة 'دواوين'

كان حضور روان عكاشة لافتًا، الصّبيّة العشرينيّة المتألّقة، بثوبها الفلسطينيّ المطرّز وصوتها القويّ، وقد قدّمت الأغنيات كما أردنا سماعها، فيما ظهر المطرب أحمد عكاشة، والّذي كان واضحًا أنّه يملك حنجرةً قويّةً وصوتًا خاصًّا، وقد قدّم لنا أغنيات أحمد قعبور، كأنّ قعبور نفسه من يغنّيها.  

لوحظ الأداء الموسيقيّ العالي عند باقي العازفين، على رأسهم الشّاب الفنّان رؤوف البلبيسي، الّذي عزف على آلة العود إلكتريك، ورسم للغناء خطوط سيره طيلة الحفل، وكذلك الفتى الفنّان محمود كحيل، عازف القانون الّذي لا يتجاوز الثّلاث عشرة، وهو الشّهير في أوساط غزّة، إذ ذاع صيته بعد مشاركته مع  فريقه، التّخت الشّرقيّ،  في برنامج Arabs got talent على قناة mbc. أضاف كحيل، بحيويّته واندماجه الكبير مع ما يعزف، لمسةً خاصّةً وسط عازفين في طريقهم للشّهرة.

أتقن المطرب وعازف النّاي، إبراهيم الحرازين، عزف المقطوعات الخاصّة به بتميّزٍ كبيرٍ، وأجاد ضابط الإيقاع،  سعيد شاهين، الضّرب على الطّبل والدّخلات والنّقلات، وأضاف الجيتاربيز، محمّد البلعاويّ، وقع جازٍ في المكان، كما حضرت آلة الكاخون مع نور أبو عامر، والرّقّ مع إسلام حميد، والطّار مع محمّد ومؤمن حميد.

علمتُ لاحقًا، وبعد السّؤال عن الفرقة، أنّ مكتب الجالية المصريّة في غزّة هو من يقوم على رعايتها، بعد أن ساهم السّيّد عادل عبد الرّحمن، مدير الجالية، في إنشاء الفرقة، الّتي تتكوّن من أكثر من خمسين عضوًا، من موسيقيّين، ومهندسي صوتٍ، ومدرّبين، وطاقمٍ فنّيٍّ كاملٍ.

كما علمتُ أنّ الجنديّ المجهول الّذي يشرف على عروض 'دواوين'، هو الموسيقيّ عاطف عكاشة، الّذي بدا عليه التّعب بعد انتهاء الحفل، والّذي يُنْسَبُ له، كما يقول الفريق، الفضل في دعم الفريق وتقويمه، والحفاظ على تطوّره شيئًا فشيئًا، حتّى الوصول إلى هذا الإنتاج النّاجح والمتقن.

عدسة: عزّ زعنون

الأغنية الذّاكرة

امتاز حفل 'طلّ سلاحي' بالتّنظيم الواضح والعناية بالتّفاصيل، وهو ما انعكس على الجمهور والعازفين، إذ أنً كثيرًا من العروض في السّابق، وقعت في مأزق عدم الاهتمام بالتّنظيم، أو في المشاكل التّقنيّة الصّغيرة، مثل الإضاءة والصّوت وغيرها، لكن هنا، كان الأمر مختلفًا.

سمعنا 'رجع الصّدى'، و'ثوّار الأرض'، و'هذا هو الرّدّ'، و'طلّ سلاحي من جراحي'، و'حيّد عن الجيش' و'طلّت البارودة والسّبع ما طلّ'، والأغنية الّتي جعلت الجمهور يقف ويغنّيها بحماسةٍ، كأنّها تقع في صلب وجدان النّاس الجمعيّ، بل وطلب أن تُغنّى مرّةً ثانيةً، أغنية 'بسم الله الله أكبر' المصريّة، من فترة السّبعينات والثّمانينات.

قلّبت أغنيات وأناشيد الثّورة المواجع فينا، والّتي رسخت في دواخلنا، منذ الصّغر، عبر الكاسيتات والمذياع، وكان الحفل بمثابة معاودة تذكّرٍ لما كنّا عليه وما نحن عليه الآن، في عمليّة مقارنةٍ تأخذ منحًى عميقًا في وجدانك، محاصرًا وسجينًا داخل هذه المدينة، وتحت سطوة المحتلّ و رجال القانون والسّلطة والدّين والمجتمع والتّقاليد.

تذكّرنا كلّ تلك الأيام الّتي سقط فيها شهيدٌ، المظاهرات والجنائز المهيبة للأبطال،  اشتباكات الجماهير مع الجيش، الأسرى، أعدنا تذكّر تعريفنا الخاصّ بنا، أزمتنا المستمرّة، تلك الأيّام الّتي كان كلّ يومٍ فيها حكاية.

عدسة: عزّ زعنون

الموسيقى... الثّورة

لقد فوجئت من حجم التّفاعل الكبير، ويبدو أنّ أهل غزّة، ورغم إصابتهم بخيباتٍ كثيرةٍ جدًّا، مثلهم مثل عموم الشّعب الفلسطينيّ، إلّا أنّهم ما زالوا قادرين على الغناء للثّورة، وما زالوا قادرين على رفع راية النّضال بشتّى وسائله، الثّقافيّة والفكريّة والعسكريّة والفنّيّة أيضًا.

كان حفل 'طلّ سلاحي من جراحي' رسالةً بليغةً تصل لجمهور غزّة المنسيّ وسط حروب السّياسيّين والأحزاب، ليقول لهم إنّه لا زال هنا الطّريق ولا زالت المسألة، والعدوّ مهما تغيّرت أساليبه، سيبقى العدوّ،  بعد أن بدأنا نحصي من تبقّى منا  ومن رحل، من سلّم المفاتيح، ومن سلّم روحه مقابل ألّا يتنازل، ولا زال هؤلاء الشّباب يشعرون بحقٍّ أنّ هذا هو سلاحهم، الموسيقى، وقد أطلّت من جراحاتهم، وانطلقت لتعيد إحياء ما قتله الزّمن والنّسيان وتغيّر وتقلّب الأحوال.

الموسيقى دومًا كانت الأداة الوحيدة لنعرف من خلالها مدى مواءمة أرواحنا لهذه الثّورة، ومدى اتّساقها مع حلمنا بالتّحرّر والانعتاق من نير العبوديّة والاستيطان.

تعليقات Facebook