زغاريدٌ عابرةٌ للزمن

يمكن تبيّن الجذور الثّقافيّة لأي مجتمع، بالرجوع إلى تاريخه، لا سيما التّاريخ الدّينيّ، أعني بالطبع تاريخ المعبد الأسطوريّ لتلك الأمّة أو المجتمع، فليس أدل على القناعات الراسخة من تلك الأساطير، التي صيغت لتتناقل الأجيالُ القيمَ التي بنيت عليها، فارتقت بذلك من منزلة القناعات إلى منزلة اليقينيات والمسلمات الإيمانيّة، فالأسطورة على ما يبدو لعبت دورًا إعلاميًا هامًا في العصور المنصرمة، ولولاها لما وصلنا شيء عن الأسلاف.

وبالخوض في الأسطورة الدّينية الكنعانيّة، نجد تفوّقًا غير مسبوق في دور الإلهة الأنثى، حيث إنها لم تكتفِ بالشراكة مع الإله الذّكر، كما حدث في أغلب معابد الأمم المتحضرة، بل تجاوزت ذلك إلى مرتبة صنع القرار، بل وإملائه على الإله الذّكر.

فتقول الأسطورة إن كبير الآلهة الفلسطينيّ 'إيل' أبا السّنين، قرر عندما شاخ أن يستخلف إلهًا شابًّا وقويًا ليضطلع بمسؤوليته -وفي ذلك قيمة جوهريّة ومدلول ديمقراطيّ هام- فاختار الإله 'يم' إله البحر، لكن الإله 'عشتر' غضب واعترض، وقام ليحتجّ على قرار 'إيل'، فتدخلت الإلهة 'شمس'، وأثنته عن قراره مذكرةً إياه بأنه لم يستوفِ الشّروط، كونه ليس متزوجًا. أما الإله 'بعل'، إله الخصب والحقل والقمح، فلم يكن لديه ما يمنعه من التّرشح لمنصب كبير الآلهة من بعد 'إيل'، فقام محتجًّا، خصوصًا عندما أرسل إليه 'يم' رسله، فهمّ بقتلهم، قبل أن تردعه الإلهتان 'عشتروت' و'عناة'، وتشداه من ذراعيه، وتذكراه بأن قتل الرّسل أيًا كان مرسلهم خارجٌ عن قيم المعبد الكنعانيّ، فارتدع 'بعل'، وذهب إلى 'يم' ليبارزه فيثبت لإله السّنين بأنه الأقوى والأجدر، وحين جرّده من أسلحته وأتى عليه وهمّ بقتله، منعتاه 'عشتروت' و'عناة' مرة أخرى من قتل 'يم'، فارتدع.

يظهر دور المرأة هنا بشكل جلي، مرةً على هيئة صانعة القيم، وأخرى على هيئة صانعة القرار، ومحركة المجتمع من خلال سلطتها التي اكتسبتها عن استحقاق، وأخذتها بيدها ولم تتسولها من الرّجل، فلو كانت حصلت عليها كأعطية أو هبة من الرجل بوصفه السّلطة العليا في المجتمع، لربما توسلت 'عشتروت' و'عناة' إلى 'بعل' بأن يعتق 'يم'، لكنهما أمرتاه بذلك أمرًا، فوافق إله البدايات على ذلك، ولم يقتلهما أو يقمعهما أو يضربهما.

ولو نقلنا الكاميرا من المعبد إلى الحقل، لوجدنا المرأة الفلسطينيّة جنبًا إلى جنب، تحصد مع الرّجال، وتعينهم باليد والعقل، تماماً كما فعلت الإلهات، وهذا تأكيد صريح على أن أساطير المعبد جاءت من الواقع لتعززه، ولم تنزل من الغيب ليتقيّد بها المجتمع.

ويبرز دور المرأة في أرض كنعان في جميع مناحي الحياة الاجتماعيّة، ولعل الأغنيات الخالدة التي وصلت إلينا، تمثل خير دليل راسخ على ذلك، فيروي المؤرخون أن أغنية 'الدّلعونا'، هي ناتج إدغام وترخيم لجملة 'دلوني على عناة' أو 'يا عناة يدَكِ!'، إذ تعد هاتان الجملتان أشبه بتضرعات كان يطلقها شباب كنعان، للإلهة 'عناة' إلهة الحبّ، علّها تخطب لهم زوجةً من فضلها، وفي هذا إشارةٌ إلى أن الخِطبة واحدة من المهام الموكلة إلى المرأة أيضًا منذ فجر تاريخ كنعان، ويحلل زكي ناصيف 'دلعونا' إلى 'دا' وهي أل التّعريف في السّريانية و'العونا' وهي العون، ليثبت بذلك أنها عبارة استخدمت لطلب العون، ليس في الزّواج فحسب، بل في الحصاد والبناء وغيرها. ولأن الغناء كان واحدًا من وسائل التّسرية عن النّفس في ساعات الحصاد وجني الزيتون القاسيّة، فلقد دأب الكنعانيّون على شبك الكفوف وسطَ الحقول رجالاً ونساءً ليصدحوا بأغنيات كهذه على إيقاعات الأقدام في  لوحات الدّبكة التي ما زلنا نجيدها ونقودها كأسلافنا. 

على المستوى السّياسيّ، تقلدت المرأة الكنعانيّة مناصب رياديّة، فقد حصلت 'أليسار' على عرش 'مملكة صور' التي وصفها الكتاب المقدس بمعمورة البحر التي أرعب سكانها مَن حولهم من ممالك، من بعد أبيها، قبل أن يطمع أخوها 'بغماليون' في الحكم ويدبر لها قتلاً نجت منه بالهروب إلى تونس، وبناء مملكة 'قرطاج'، ولا بد هنا من التّنويه إلى أن أليسار الفينيقيّة منحدرة ككل الفينيقيّين من نسل كنعان، إذ إنهم سكان الشّواطئ الشّماليّة، الذين عرفهم الإغريق ببيع الحجر الأحمر الذي كانت تبنى منه إلهتهم في اليونان 'فينكس' فأسموهم باسمها: 'فينيق'.

كل هذا السّرد ليس إلا منصة لتفسير الحالة الفلسطينية المدهشة، إنه محاولة متواضعة لفك شيفرة الابتسامة التي تعلو شفاه أمهات الشّهداء وزغاريدهن، فصانعة القيم الكنعانيّة لم تتخلَّ حتى الآن عن تصدير هذه القيم، وبثها في نفوس أبنائها الرّجال، وهي تبارك خطاهم في طريقهم إلى المعركة مع العدو الذي ما انفك يحاول إزاحة التّاريخ عن مجراه في سبيل نيل الجغرافيا التي ألهمت العماليق قيمهم وثقافتهم.

'عناة' الخطّابة، حملت السّلاح في مواجهة العدو، وسطرت القصائد والأغنيات، واعتلت منصة المسرح وشاشة السّينما، ولم تتوانَ في حجز مكانها كأول مصورة فوتوغرافيّة عربيّة، أعني بالطبع كريمة عبود، التي استطاعت أن توثّق ذاكرتنا من خلال لقطات خالدة، ما زلنا نعلقها في بيوتنا، هذه ليست سوى ريادة تؤكد أن اللون الأحمر في العلم الفلسطينيّ، ليس سوى ورد خجل الكنعانيات وهنّ يعانقنَ عشاقهنَّ ويسددنَ خطاهم بالدعاء والغناء.

 *شاعر وكاتب فلسطينيّ

*صورة المقال الرّئيسيّة للمصوّر أسامة سلوادي، من كتاب 'ملكات الحرير'

تعليقات Facebook