هبّة أكتوبر: ستّة عشر عامًا بلا أغاني

تظاهرة لأهالي الشهداء في شباط/ فبراير 2001 (أ ف ب)

فايد بدارنة

الزيتون، التراب، الصخر على منحدرات التلال، الحجارة، الشوك، الشوارع، الحصى، الآلاف الزاحفة، الوجوه الغاضبة، الكُبَّنِيّات المتوحّشة، الخوذات الفولاذيّة، الأقنعة الجبانة، صوت البنادق، قنابل الغاز، المفترقات، الإطارات المشتعلة، دويّ الإسعاف، الهتاف الهادر، دمع الأخوات، شحوب الآباء، اشتياق الإخوة، القميص المدمّى، الغبار، الأعلام، الدم، أرزّ الجنازات، الزغاريد، الشهداء. المشهد الجماعيّ والمعاناة المستمرّة. إنّه مسرح الأجساد العارية أمام أعين القنّاصين. إنّها أرض الملّ، عرّابة، أكتوبر 2000.

أمام كلّ هذا الزخم الجسديّ، والبصريّ الحسّيّ، لم تولد بعد الأغنية السياسيّة الوطنيّة لتخلّد نبض الشارع في ذلك الحين، في فورته وفي صمته، فتكون حاضنة للمشهد الدمويّ.

تطرح هذه المقالة بشكل مقتضب غياب الموسيقى والأغاني المخلّدة لهبّة أكتوبر 2000، وتعرض مأزقًا قائمًا في تواصل المشهد الموسيقيّ مع حدث مركزيّ في مسيرة الفلسطينيّين في أراضي 48، عسى أن تُشَكِّلَ استفزازًا ومحفّزًا للذهنيّة الشعبيّة والثقافيّة الإبداعيّة، فتتساءل وتبحث عن غياب الأغنية فعلًا وطنيًّا مشاركًا في استيعاب الحدث الملحميّ ودفعه نحو الأمام.

من أرض الملّ نفسها، التي صنعت يوم الأرض، ومن مواقع أخرى، التحمت مع المشهد، في سخنين، والناصرة، وجتّ، وكفر مندا، وأمّ الفحم، وكفر كنّا، التي ارتوت بدماء الضحايا الشباب، أنتقل إلى مسرح معترك دمويّ لا يقلّ ضراوة وبطشًا، إلى شمال إيرلندا، لعرض تفاعل الإنتاج الموسيقيّ مع حدث مشابه لكنّ الإنتاج الموسيقيّ مختلف في الحالتين.

'الأحد الدامي' الإيرلنديّ، 1972

يوم الأحد، 30 كانون الثاني (يناير) 1972، الساعة الرابعة وعشر دقائق، فُتِحَتْ نيران البنادق الرشّاشة ونيران القنّاصين على مسيرة سلميّة نظّمتها منظّمة حقوق الإنسان في مدينة ديري الإيرلنديّة، لتوقع ثلاثة عشر قتيلًا. مجزرة مروّعة عُرِفَتْ باسم 'الأحد الدامي'. لم يقفز رصاص الجنود البريطانيّين حتّى عن أجساد الصبية؛ جون دودي، جيرالد دونغي، مايكل كيلي، هوغ غيلمور، كيڤين ميكيلني، جون يونغ، أعمارهم جميعًا 17 سنة.

انشغل الساسة والحقوقيّون بملابسات وحيثيّات الجريمة، لكن هذا الانشغال لم يسلب ولم يطغ على التفاصيل والعناصر التي تشكّل الهويّة الثقافيّة والإبداع: الشوارع، الأزقّة، الهتاف، المسيرة، الحبّ، الظلم، السجن، الرصاص، الدم، الوجوه، الأسماء. خلّدتهما القصائد والأغاني والمسرحيّات والأفلام الوثائقيّة الإيرلنديّة؛ هناك وُلِدَتِ الكلمة لتحمل الحدث الجماعيّ فوق هامات البلاد متجاوزة همّ الأهالي الثكلى الفرديّ.

أغاني الاحتجاج الإيرلنديّة

لقد أدّت الأغاني في الحالة الإيرلنديّة، وبعد مجزرة ديري تحديدًا، دورًا سياسيًّا في التعبئة الجماهيريّة، كما ساهمت في تقديم موسيقي نوعيّة احتجاجيّة، فعزّزت بذلك الرأي المنادي بضرورة تواصل الموسيقى والأغاني مع الواقع السياسيّ، إذ لا يمكن للموسيقى أن تكون حياديّة، أينما وُجِدَ الظلم والقهر والقمع وُجِدَت الأغنية لتمثّل تحدّيًا شعبيًّا جماهيريًّا حاضرًا بتلقائيّة، تصعب محاصرتها من قبل أنظمة الحكم.

لم يكن انطلاق أغنية الاحتجاج السياسيّة الإيرلنديّة، بعامّة، محصورًا في أحداث مركزيّة، بل كانت ثمّة أغانٍ ترافق الحالة السياسيّة العامّة والمسيرات الحزبيّة. وبوقوع أحداث أكثر دراماتيكيّة ومأساويّة، كانت تتقدّم أغاني الاحتجاج السياسيّ نحو الواجهة، محمّلة بالمعاني والرسائل والرؤى السياسيّة.

لقد اجتاحت أغاني الاحتجاج على المجزرة المقرّات السياسيّة، والحفلات الموسيقيّة، ونوادي كرة القدم، بل حتّى البارات والمقاهي. لم تستطع الفرق الكبيرة ولا المغنّون الكبار التنحّي جانبًا، بل أشغل 'الأحد الدامي' إنتاجاتهم، في فترة استمرّت حتّى أواسط ثمانينات القرن الماضي، وما زالت منتشرة حتّى يومنا هذا. حيث قدّمت فرقة الروك الشهيرة U2 عام 1983 إحدى أهمّ أغانيها تحيّة للضحايا واحتجاجًا على العنف، وقدّم ستينج رؤيته الموسيقيّة حول المجزرة، كما ساهم آخرون مثل جون لينون، الذي قدّم أغنية 'الأحد، الأحد الدامي' في فبراير 1972، وكذلك بول ماكرتني، الذي أطلق في 25 فبراير من نفس العام أغنية سياسيّة مناوئة للاحتلال البريطانيّ، وقد مُنِعَت هذه الأغنية من التداول في الإذاعة البريطانيّة الرسميّة، إلّا أنّ ذلك لم يصادر رسالتها السياسيّة ولا التوثيقيّة، ولا دورها في طرح قضيّة احتلال شمال إيرلندا.

أذكر أيضًا أعمالًا موسيقيّة غنائيّة تضامنيّة واحتجاجيّة على المجزرة، قدّمها فيل كولينز، وإلتون جون، وفرقة الرولينج ستونز، بالإضافة إلى أعمال غنائيّة نقابيّة وحزبيّة، وأعمال لفرق موسيقيّة محلّيّة صغيرة، وأهازيج شعبيّة تميّزت بمضامينها الثوريّة التحريضيّة، كأعمال آيير أوغ.

أكتوبر بلا قصائد

مركّبات المشهد الإيرلنديّ مكتملة على أرضنا؛ ثلاثة عشر شهيدًا، زهرات التراب، سقطوا على أرض الجليل والمثلّث. لم يسقطوا من علوّ، ولم يسقطوا في سباق سيّارات طائش ولا في عراك أمام نادٍ ليليّ. هنا، تحت أشجار الزيتون وفي صدور القرى اخترق الرصاص أجسادهم. أين نحن منهم؟ هل نعدّ تشكيل لجنة تحقيق رسميّة (لجنة أور) وبعض الرسائل والندوات الحقوقيّة، وبعض مسيرات إحياء الذكرى التي تتلاشى سنة بعد سنة أقصى ما يمكن أن يُقَدّم لذكرى المجزرة؟ ماذا تبقّى بعد أن حمّلنا الأهالي وحدهم أسماء أبنائهم القتلى؟

خمسة عشر عامًا لهبّة أكتوبر 2000، ولم تولد الكلمة الشعريّة واللحن والموسيقي بعد، لم تولد الأغنية السياسيّة الوطنيّة النوعيّة لتوثّق سقوط الشهداء وتخلّدهم، ولتعمّق ارتباط الإنتاج الثقافيّ الموسيقيّ بالحدث الملحميّ.

نحن نتحدّث هنا عن المشهد العامّ والذهنيّة الشعبيّة، لكن لا بدّ في هذا السياق من ذكر عمل خاصّ للزجّالة الشعبيّة، ماريا أبو واصل، التي قدّمت أهازيج زريف الطول، والدلعونة، وأغاني أخرى، مهداة إلى أرواح شهداء أكتوبر.

ويمكن أيضًا الإشارة لعمل تامر نفّار 'غريب في بلادي'، الذي يذكر فيه أسماء ضحايا المجزرة.

إلّا أنّ هذه الأعمال القليلة جًّدا، لم تغيّر للأسف من المشهد الثقافيّ العامّ، ولا من تفاعل الناس، فبقيت غير مردّدة ولا متداولة إلى حدّ كبير، ولم تتسلّل إلى مناسبات إحياء الذكرى مثلًا.

دور الأغنية في الحراك الجماعيّ

من أرحام الملاحم والقصص والمعاناة، تتفتّح المساحات للكلمة واللحن، يكون المبدع الفنّان منحازًا للقضايا العامّة، لقضايا الناس، وتكون الكلمات انعكاسًا للواقع السياسيّ. لقد شكّلت الأغنية في مناطق الصراع القوميّ والطبقيّ مادّة للانتشار بين الناس، تحمل فكرًا ووعيًا ومقولة عن الحاضر والمستقبل، فبالإضافة للنموذج الإيرلنديّ، يمكن التذكير بنموذج الأفارقة السود في أميريكا، وكذلك في جنوب أفريقيا، مثلًا، حيث برز إنتاج الأغاني المرافقة للعمل الوطنيّ والسياسيّ بكثرة.

تساهم الأغنية في تأطير الـ 'نحن' الجماعيّة، تولد كلمات تتجاوز الحزب والحركة. لا تكتفي الأغنية بالرثاء والتذكير، بل هي بيان سياسيّ نضالي. في الوقت الذي تغيب رواية سقوط الضحايا عن من الأطر الرسميّة والتعليميّة، تؤدّي الأغنية وظيفة تثقيفيّة، تعبويّة وتنظيميّة؛ تنتشر في طلبة المدارس، والجامعات، والأعراس، والمناسبات الوطنيّة. تتحوّل الأغنية إلى رافد مساهم في تعزيز الهويّة، وفي سياقنا، تتحوّل هبّة أكتوبر إلى أنشودة على كلّ لسان، وتذكّر بالقضيّة الجماعيّة الشاملة.

تصقل الكلمة الشعريّة والموسيقيّة المعاني وترتّب مفردات الارتباط بالأمكنة وبالهويّة، إذ توثّق الذاكرة الجماعيّة لتتوارثها الأجيال، وتبلور المعرفة بالتفاصيل العامّة والخاصّة، وتحوّلها إلى شكل من أشكال الإدراك الهويّاتيّ.

نماذج فلسطينيّة

نذكر في هذا السياق تخليد الشاعر والقائد السياسيّ توفيق زيّاد لسرحان العلي من عرب الصقر في قصيدته الشهيرة 'سرحان والماسورة'، والتي غنّتها 'فرقة أغاني العاشقين' الفلسطينيّة، فخلّد الناس سرحان ومقاومته للقوى الكونيّة الكولونياليّة. واصلت هذه القصيدة عطاءها وصولًا إلى أيّامنا هذه، إذ مسرحها مؤخّرًا مركز محود درويش ومسرح البطّوف في بلدة عرّابة الجليليّة.

كما ساهم الزجّال الشعبيّ، الراحل أبو عرب، بتخليد وتوثيق ذكرى يوم الأرض بأغنيته 'كرمالك يا يوم الأرض'. وفي قصيدته الملحميّة، 'الأرض'، يوثّق الشاعر محمود درويش أيضًا يوم الأرض وصبيّته السخنينيّة الشهيدة، خديجة شواهنة، لتتحوّل خديجة إلى هويّة نضاليّة جامعة. يقول في القصيدة:

يريدُ الهواءُ الجليليُّ أنْ يتكلّمَ عنّي،

فينعسُ عندَ خديجةَ

يريدُ الغزالُ الجليليُّ أنْ يهدمَ اليومَ سجني،

 فيحرسُ ظلَّ خديجةَ وهيَ تميلُ على نارِها.

يا خديجةُ! إنّي رأيتُ...

وصدّقتُ رؤيايَ تأخذُني

في مداها وتأخذُني في هواها.

أنا العاشقُ الأبديُّ،

السجينُ البديهيّ.

يقتبسُ البرتقالُ اخضراري ويصبحُ هاجسَ يافا

أنا الأرضُ منذُ عرفتُ خديجةَ.

تتحوّل خديجةُ إلى عنصر هويّاتيّ أكثر شيوعًا حين غنّت 'فرقة أغاني العاشقين' الفلسطينيّة قصيدة درويش تلك، فتشكّل رافدًا آخر لتوثيق ولصياغة خطاب يوم الأرض.

نفي باسم الحداثة

إنّ حالة الانفتاح الموسيقيّ على المستوى المحلّيّ، وتوسيع وإثراء اللغة الموسيقيّة، وتطوير الأدوات والكلمة، والتواصل مع أشكال إنتاجيّة مختلفة عالميًّا، تماشيًا مع ما يُسَمّى بـ 'روح العصر'، و'عصر السرعة'، و'الخفيف'، لا يمكن أن يستبدل أو ينفي مكانة الأغنية الوطنيّة السياسيّة في بناء الهويّة والحفاظ عليها. من يتسرّع في رثاء الأغنية الوطنيّة السياسيّة فرحًا بقصد التدليل على 'حداثته' و 'عصرنته'، يمكنه الالتفات إلى تجارب شعوب كثيرة ما زالت الموسيقى وقودًا لتطلّعاتها التحرّريّة، التقدّميّة أو الحقوقيّة.

تعليقات Facebook