كامل بدارنة: بالموسيقى الإلكترونيّة أترجم أجواء الحواجز

كامل بدارنة

بدأت علاقته مع الموسيقي في منزل العائلة، حيث كمّيّة ضخمة من 'الكاسيتات' التي تضمّ الأغاني الملتزمة، حسب تعبيره. لاحقًا، تطوّر هذا الارتباط بالأغنية الملتزمة إلى محاولته كتابة أوّل نصّ لأغنية 'راب' عام 2006، ثمّ تأسيسه فرقة 'رُبراء' مع اثنين من أصدقائه عام 2010. توجّه إلى بروكسل لدراسة هندسة الصوت والإنتاج الموسيقيّ عام 2012، وهو يقيم فيها حتّى الآن. هناك، بدأ بالتردّد على مقاهٍ ومناسبات مختلفة، حيث كانت الموسيقى الإلكترونيّة طاغية، وكانت هذه بداية علاقته بها.

'التلاعب بالأصوات، تداخل الأنماط الأخرى، قدرة هذا النوع من الموسيقى على الحديث مع الجسد والعقل في آن، وأمور عديدة جعلتني أنجذب لها، وبسرعة، ولم يمرّ الكثير من الوقت حتّى بدأت بإنتاج الموسيقى الإلكترونيّة'، يقول الموسيقيّ الفلسطينيّ كامل بدارنة.

مؤخّرًا، وتحت اسم 'رصاصوّت'، أصدر بدارنة ألبومه الموسيقيّ الأوّل، بعنوان 'موسيقى للحواجز'، وهو مشروع موسيقيّ مستقلّ أنتجه بناءً على تلاعب وتحويل أصوات سجّلها في مواقع وأماكن متنوّعة في فلسطين؛ حاجز قلنديا، والبلدة القديمة في القدس، ورام الله، والناصرة. والألبوم، حسب وصفه، بمثابة محاولة لترجمة الأجواء العامّة لهذه الأماكن إلى موسيقى، كما أنّها محاولة للتعبير عن أصوات خارج سياقاتها الأصليّة.

رشا:  ثمّة الكثير من المشاريع الموسيقيّة الإلكترونيّة في العالم العربيّ مؤخّرًا، ربّما أصبحت الموسيقى الإلكترونيّة بمثابة 'تريند' أو 'موضة' أكثر ممّا هي مجهود موسيقيّ بالفعل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ثمّة استخفاف بها. لماذا اخترت الموسيقى الإلكترونيّة مسارًا لإنتاجك الموسيقيّ؟ وما رأيك بكونها موضة من جهة، وبفكرة الاستخفاف بها أحيانًا، من جهة ثانية؟ 

كامل: اختيار الموسيقى الإلكترونيّة قرار شخصيّ بحت، وغير مرتبط بتطوّر أو انتشار هذه الموسيقى في العالم، أو في أوساط الشباب. استمعت إلى أنواع مختلفة من الموسيقى، وكانت الإلكترونيّة هي 'الأفضل' من الناحية السمعيّة في نظري. إلى جانب ذلك، فهي تفتقد للنصّ، الأمر الذي يتيح للمستمع إمكانيّة ترجمة الموسيقى إلى أفكار ومخيّلات مرتبطة بعالمه وليس فقط بالعالم الذي اختاره المنتج. بالطبع ثمّة سعي نحو تجديد موسيقيّ ونحو أعمال موسيقيّة 'مجنونة وغريبة'، والموسيقى الإلكترونيّة تتميّز في هذا.

أمّا في ما يتعلّق بالاستخفاف بهذا النوع من الموسيقى، فهو غير مرتبط بكثرة انتشارها، أو سهولة الحصول على الأدوات لإنتاجها، وفي النهاية ترويجها، بل بصعوبة استيعابها واستيعاب تفاصيلها من مستمعين كثيرين، فهي تحتاج للكثير من الإصغاء، وقد تكون صاخبة لدرجة الضجر أو الإزعاج في بعض الأحيان.

من الناحية التقنيّة، الموسيقى الإلكترونيّة تستعين بالكثير من الأدوات والأصوات 'غير الموسيقيّة'، كما هي الحال في موسيقى 'الضجّة' (Noise) على سبيل المثال، وهذا كاف كي يضعها خارج نطاق التعريفات والتصنيفات الموسيقيّة أو الفنّيّة بعامّة.

رشا: لما أطلقت على ألبومك الأوّل اسم 'موسيقى للحواجز'؟

كامل: العنوان مستوحًى من ألبوم'Music for airports' ، للموسيقيّ والملحّن الإنجليزيّ بريان إينو، أحد المبتكرين الرئيسيّين للموسيقى المحيطة (ambient). تبلورت فكرة ألبومه أثناء انتظاره للإقلاع من مطار كولونيا - بون الدوليّ، حيث لم ترق له الأصوات المحيطة به، فقرّر آنذاك إنتاج موسيقى قد تكون ملائمة للاستماع خلال الانتظار في قاعات المطارات.

الاختلاف الوحيد أنّني لم أُنتج 'موسيقى للحواجز' من منطلق الاعتقاد بأنّها قد تكون ملائمة للاستماع خلال الانتظار على الحواجز، بل محاولة منّي لترجمة الجوّ العامّ على الحاجز إلى موسيقى. ولهذا يغلب على الإصدار طابع عنيف من ناحية موسيقيّة، أو كما يسمّى في عالم الموسيقى الإلكترونيّة 'Dark'، وهو النمط الموسيقيّ الذي يرتبط بشعور الغموض أو المجهول.

رشا: الألبوم مبنيّ على موسيقى فضاءات عامّة في مدن فلسطينيّة، كالناصرة ورام الله. لماذا شعرت أنّ الموسيقى الإلكترونيّة – إن صحّ التعبير - أكثر ما يمكن أن يحكي حكايات المدن/ الحواجز، أو أصوات فلسطين، أماكنها وناسها؟

كامل: الموسيقى الإلكترونيّة ليست أكثر ما يمكن أن يحكي تلك الحكايات، وهي ليست في مكانة أن تحكيها أصلًا، هذه الحكايات موجودة وباقية، بغضّ النظر عن كيفيّة استخدامها. وظّفت تلك الحكايات/ الأصوات من المدن والحواجز لإضافة بعد آخر إلى الموسيقى، ولكي تكون فكرة الإصدار الرئيسيّة. أدّت هذه الأصوات دورًا رئيسيًّا في عمليّة الإنتاج، وهي التي حكت عن نفسها. الموسيقى مثّلت الجانب الفنّيّ والتقنيّ من الإصدار، أمّا الأصوات التي سُجّلت على الحواجز وفي المدن، فقد مثّلت الجانب الواقعيّ والمفاهيميّ من الإصدار، وهما أمران مختلفان في رأيي.

رشا: الموسيقى الإلكترونيّة أنواع عديدة، كيف تصنّف موسيقاك؟ وأين تراها تُسمع؟ 

كامل: ما يمكنني قوله في هذا الشأن، إنّني أركّز على إنتاج الـ Techno (تيكنو) في الفترة الأخيرة، لكن هذا لا يعني الالتزام بهذا النمط فقط. أنتجت بعض الأعمال التي يمكن وضعها في خانة الهيب هوب، وعملت على بعض المقطوعات التي يمكن تصنيفها في خانة الـ Noise وكذلك الـ Ambient.

لست من النوع الذي يحبّ التصنيفات، موسيقاي ترتكز على تجارب شخصيّة، واجتماعيّة، وحياتيّة، والتي يمكن أن تختلف وتتنوّع... موسيقاي لا تقتصر على نمط معيّن. بالطبع ثمّة أساليب وأنماط إنتاج خاصّة تُكتسب وتُطوّر مع الوقت، والتي قد تميّز هذا المنتج أو تلك الفرقة، لكن هذا لا يعني عدم تداخل أنماط ومدارس أخرى خلال عمليّة الإنتاج. بسبب اختلاف وتنوّع أنماط الإنتاج التي قد أتّبعها، تختلف وتتنوّع الأماكن التي تُسمع الموسيقى فيها. قد تكون في صالة المنزل، أثناء الطبخ، خلال السفر، في صالة الرقص، في أحد المقاهي أو الملاهي الليليّة. 

رشا: تعيش منذ فترة في بلجيكا، لماذا؟ وماذا أعطتك، وما زالت تعطيك، هذه المدينة في ما يتعلّق بالموسيقى؟ 

كامل: انتقلت إلى العاصمة البلجيكيّة، بروكسل، منذ بضع سنوات، بهدف الدراسة، والتي تتركّز حول الصوت والإنتاج الموسيقيّ. إلى جانب فلسطين، وإلى جانب مدينة الناصرة، أدّت بروكسل دورًا مهمًّا في صقل شخصيّتي، وتحديدًا الجانب الموسيقيّ منها، ولا سيّما أنّني أعيش فترة العشرينات من عمري فيها. من الناحية الموسيقيّة، أو الفنيّة بعامّة، يمكن أن نعدّ بروكسل مركزًا فنّيًّا شاملًا، يضمّ فنّانين من كلّ العالم، ومن المجالات الفنّيّة كافّة، كما أنّها غنيّة ولديها الكثير لتقدّمه في جانب الموسيقى الإلكترونيّة. تحتضن بروكسل 182 جنسيّة، ما يجعلها مدينة مركزيّة في أوروبّا وفي العالم، وما يجعلها، أيضًا، مكانًا تتقاطع فيه الثقافات واللغات والألوان، ووفق رأيي، هذا أحد العوامل الرئيسيّة التي تتيح إمكانيّة الإنتاج والإبداع الحرّ، المتأثّر بعدّة ثقافات وخلفيّات.

يخطّط كامل بدارنة، هذه الأيّام، لتنظيم جولة عروض في مدن فلسطينيّة مختلفة، منها حيفا، والناصرة، والقدس، بما في ذلك عروض في بلجيكا. كما أنّه يعمل على نشر ألبومه الجديد، 'موسيقى للحواجز'، ومواصلة إنتاج هذا النمط الموسيقيّ في المستقبل، ولفت الانتباه إليه، ولا سيّما في الأوساط الفنّيّة، العربيّة والفلسطينيّة. ويضيف: 'سيكون الدمج ما بين التلاعبات الصوتيّة/ الموسيقيّة من ناحية، والتلاعبات البصريّة التي ترافق الموسيقى من ناحية أخرى، بمثابة أحد أساسيّات مشاريعي المستقبليّة، إذ إنّ العامل البصريّ يؤدّي دورًا مهمًّا، ويعطي بعدًا آخر للموسيقى'.

 

رشا حلوة

 

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة من مواليد عكّا. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007.

تعليقات Facebook