فرح من أجل الفرح: "صندوق ألعاب" فرج سليمان

قبل بضعة أسابيع، صادفت فيديو في مواقع التواصل الاجتماعيّ حول فتاة تعاني من مشكلات في السمع، وعندما بلغت الـ 18 عامًا فقدت سمعها كلّيًا. شاركت الفتاة في برنامج المواهب الأميركيّة "أمريكان جوت تالنت"، حيث غنّت بمرافقة آلة الـ "Ukulele" أغنية كتبتها بعنوان "حاول"، وعلى الرغم من حالتها، إلّا أنّها قدّمت الأغنية على نحو رائع، وأصابت النوتات بشكل سليم. المحزن أنّها لا تستطيع سماع نفسها ولا الأصوات الجميلة التي تنتجها.

غناء هذه الفتاة أثّر بي عميقًا، حتّى صرت متيقّظة للأصوات التي أسمعها خلال النهار كافّة، وأصبحت تنتابني هواجس: "ماذا لو قُطِعَ عنّي السمع الآن؟" رحت أدرس احتمالات الحياة من دون حاسّة السمع، محاولة وضع نفسي مكانها.

تذكّرت هذه الفتاة أكثر من أيّ وقت مضى في عرض "صندوق ألعاب"، ووددت لو أنّني أستطيع أن أترجم لها مشاعر الفرح والجمال التي شعرت بها لدى سماعي معزوفاته.

أفعى

"صندوق ألعاب" عرض آلاتيّ للموسيقيّ فرج سليمان (بيانو)، بمشاركة جوليان ألور (ترامبيت)، وجوليان جونزاليس (أكورديون)، وفرانسوا لابيسونيه (جيتار باص)، وباتسيت دي شيبونه (درامز).

صندوق تخرج منه ألحان الآلات المتحاورة، مثلما تخرج الأفعى من محبئها عند سماع صوت المزمار وتبدأ بالرقص والالتواء، أو مثل صندوق الموسيقى الذي إذا لففت عجلته لتشغّله، خرجت منه راقصة باليه تؤدّي حركاتها بإتقان.

فرج سليمان

يقدّم العرض موسيقى سريعة وخفيفة وفرحة، تنتج مشهدًا متناسقًا منسجمًا بين الآلات، ولا سيّما بين آلتي الأكورديون والبيانو. الأكورديون آلة ساحرة، ترقص مع البيانو، تتشاقى عليه، تتغزّل به.

أمّا البيانو، فيردّ بكلّ تناغم، في مشهد يشبه الرقصة الأولى بين صبيّة وشابّ في أوّل لقاء لهما. كما ينتج ألحانًا ما كنت لتتخيّل أنّها تصدر من آلة مثله، في محاولة لكسر التصنيف الكلاسيكيّ الذي تعرفه عن عنه، وإظهار إمكانيّات إنتاجه، وتحويله، فعلًا، إلى مختبر ألعاب تستطيع تجريب وتقليب لائحة مفاتيحها على النحو الذي تريد.

عاليًا

"الليلة الأولى" معزوفة جذبت انتباهي، انتهج فيها فرج جملة موسيقيّة كانت أساسًا في هيكلة المعزوفة، والتي قد توحي بأنّ هذا هو المحتوى الوحيد لها، وأنّها ستتطوّر مع ردّ أو إضافة من بقيّة الآلات، وتنتهي هناك. لكنّك تتفاجأ لاحقًا أنّ مفاتيح فرج تخبّئ لك المزيد من الجمل والردود الموسيقيّة السريعة والمتتابعة، التي تذهب إلى ضرب من التجاوز، ربّما إلى عالم الأحلام أو الخيال، أو إلى التحليق عاليًا، فرحًا وجنونًا، وتجعل المستحيل ممكنًا.

ما يدهش حقًّا في هذا العرض، أنّه لا يقتصر على كونه مجموعة من الألحان الجميلة التي جُمِعَت مع بعضها في عمل ما، إنّما يتخطّى ذلك ليظهر للمستمع قدرة فرج على ترجمة الأفعال إلى ألحان.

كما لكلّ منّا لغته، ثمّة في عالم فرج لغة خاصّة به، فهو يستطيع ترجمة الرقص، والحبّ، وشقاوة الطفولة، واللعب إلى ألحان، ورؤية هذه الألحان. ثمّة شيفرة معيّنة للألحان تقابل كلّ فعل، تُتَرْجَم على البيانو، تبني سلسلة من الحوارات والقصص التي أحتاج إلى مشاهدة العرض مرّة ثانية لفهمها.

جوليان ألور، وجوليان جونزاليس، وفرانسوا لابيسونيه، وباتسيت دي شيبونه

أجمل ما في عرض "صندوق ألعاب"، الفرح من أجل الفرح، ومن أجل الأشياء الجميلة التي وُجدت في الحياة لتفرحنا. فرح تستطيع أن تتحسّسه، أن تمسك به: صابون فقاقيع، ورود، حبّ، ألوان، رقص، لحظات، ذكريّات جميلة يمكنك أن تضعها جميعًا في صندوق ألعابك.

حيفا "صندوق ألعاب"

ينتهي العرض. أستقلّ التاكسي نحو مطعم فتّوش. يسألني السائق إذا كنت قادمة من الولايات المتّحدة، أجيبه بأنّني قادمة من القدس، وأسأله عن أصله فيقول إنّه من المغرب. ثمّ يسألني أيّ لغات أتحدّث: "فرنسيّة؟"، "لا"، "إيطاليّة؟"، أجيب: "نعم"، وإذ به يتحدّث الإيطاليّة معي. آخر ما توقّعته أن أتحدّث الإيطاليّة بعد سنوات من الانقطاع، وأين؟ في حيفا. لحظة غريبة وجميلة مثل "صندوق ألعاب"! يكمل السائق: "جميلة إيطاليا، أين أقمت فيها؟"، "في فلورنسا"، "آه جميلة فلورنسا وقديمة، أنا عشت فيTrieste  ثلاث سنوات،Trieste  حديثة".

أصل فتّوش وأطلب شاي "الخلطة السوريّة"، أستمتع بمشاهدة تفاصيل المكان؛ ألوان ساحرة من الزينة تجمّل عنق شجر المكان، باب قديم مزيّن بقواوير خضراء. أخرج من المطعم وأمشي في الشارع، وإذ بي أسمع صوت "كلثوميّات"، أقترب أكثر لأجد سهرة طربيّة في أحد بارات المدينة، مقامة في ساحته الخارجيّة. أجلس على درج المكان بالقرب من مطرب السهرة وأغنّي معه كما يغنّي الحضور كافّة. لا أذكر أغنية أمّ كلثوم تحديدًا التي كنّا نغنّي، لكنّني أذكر أنّنا كنّا نغنّيها وننظر إلى بعضنا بعضًا، نتمايل طربًا، كأنّنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل، نعرف الغناء، والمحبّة، والضحك، نغنّي ونشرب نخب الحياة!  

ينتهي العرض وتنتهي رحلتي في حيفا. أعود إلى القدس وفي جعبتي لحظات من الفرح والذكريات الجميلة التي سأضعها في صندوق ألعابي، أحافظ عليها، وأعود لها كلّما احتجت إليها!

 

ريم شريّدة

 

من مواليد القدس، خرّيجة الأدب الإنجليزيّ في جامعة بير زيت. عضو في شبكة المبدعين الثقافيّيين CIN، التي تجمع الشباب الناشط في المجال الثقافيّ من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ممّن يرغبون في المشاركة بأفكارهم الإبداعيّة في عمليّة التحوّلات الاجتماعيّة لتحقيق مستقبل أفضل لبلادهمتهتمّ بالمشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، وتحديدًا الأدب

تعليقات Facebook