أبحث عن الخواتم في يديك

مع ريم بنّا خلال رحلة علاج إلى برلين | عدسة رامي العاشق

 


(1)

كان ذلك بداية أيّار (مايو) 2007، عندما زرتك أوّل مرّة في بيتك لإجراء حوار معك. أذكر من الزيارة طعم القهوة الخاصّ التي جهّزتها، وحبّات الهيل في الفنجان الصغير. أذكر أنّي التقطت صورة لوجهي في طريق العودة من الناصرة إلى حيفا، في باص رقم 331. أذكر كم كنت متشوّقة للقاء حبيب جديد آنذاك، لأحكي له عن زيارتي لك.

 

(2)

كاسيت بغلاف أبيض وأسود، عليه صورتك، واسمه "حُلم". أنا وإخوتي في السيّارة، نطلب من أبي أن يضع الكاسيت على أغنية: "وأعطي نصف عمري"، ونغنّي معك. بعد المشوار، أحمله معي إلى البيت، وأشغّل تهليلة "يا ليل ما أطولك"، أكرّرها عشرات المرّات، حتّى أحفظها. هي التهليلة الوحيدة التي أحفظها اليوم، أنا التي لم تنم على تهاليل أمّي عندما كنت صغيرة، كنت أبكي من حزنها، قبل أن أتصالح مع الحزن عندما كبرت قليلًا.

 

(3)

بيتك الأوّل ذاته، الذي زرتك فيه للمرّة الأولى، هذه المرّة عام 2008. أنا وأصدقائي وصديقاتي جمهور صغير في حفلاتك الافتراضيّة من الناصرة مرّة، فبيروت، وأخرى إلى دمشق، احتضنت كلّ واحدة وواحد منّا، بتواضع قلب قويّ يعرف أن يفتح أبوابه لحبّ الناس. في تلك الليلة، لم يبد أيّ شيء مستحيلًا، كأنّنا سنعيش إلى الأبد لنحقّق كلّ شيء.

 

(4)

صباح السبت، 24 آذار (مارس) 2018. تصلني رسالة عبر الفيسبوك من صديقة قديمة، من أيّام الطفولة، لم نتواصل منذ حوالي 10 سنوات، تقول: "عم ننقل بيت جديد، اليوم نزلت على المخزن لقيت كرتونة كبيرة فيها كلّ أوراق فترة الجامعة، طلت دفتر من الدفاتر وبأوّل صفحة لقيت هالورقة". وأرسلت صورة لها؛ ورقة مطبوعة تضمّ نصًّا عنك بعنوان: "ريم بنّا: سأحكي للعالم بأنّنا كنّا، ما أجمل ما كنّا"، كنتُ قد كتبته عام 2006، قبل أن أعرفك شخصيًّا.

 

(5)

نجلس في بيتك الجديد، الذي يطلّ على الناصرة، تسمعينني أغاني ألبوم "تجلّيات الوجد والثورة"، وتطبخين السبانخ بالجبنة البيضاء. كانت أوّل مرّة أتذوّق طعم السبانخ مع الجبنة. تحدّثنا عن تونس والأغاني لا تزال في الخلفيّة، تغنّين معها.

 

(6)

عبر صفحات الفيسبوك، نتبادل الأغاني، أنا وأنت وأصدقاء. لم أتحدّث مع صديق منهم منذ سنوات، لكن يوم رحلتِ، أرسلت له سؤالًا: "شو أكثر شي كنّا نسمعه لريم؟" أرسل لي أسماء الأغاني، ذكّرته بواحدة كان قد نسيها، وسمعناها، كلّ منّا لوحده، كما بكينا، كلّ لوحده أيضًا، بسبب المسافات.

 

(7)

سيارتك "الفيات" بلون أزرق غامق. تقودينها لغاية منطقة "عين العذراء" في الناصرة، كي تأخذيني معك إلى مقهى فيه أراجيل. حوار قصير حول أعمالك الأخيرة ومشاريعك المستقبليّة، المدن تعود إلى حديثنا، الحبّ والسفر أيضًا. مثلها، كانت جلسة لنا في ميناء عكّا، إلى جانب البحر، الكثير من الصور أرسلناها لأحبّائنا. أحببتِ عكّا كثيرًا، "بَحِبّْها أكثر من حيفا"، كنتِ تقولين، وطبعًا، كنت أضمّ صوتي لصوتك. عكّا مثل الناصرة، كانت مدنًا نلتقي فيها لنحكي عن بيروت، وتونس، والقاهرة، وعن اللاجئين، وكلّ مَنْ غاب قسرًا عنها.

 

(8)

مستشفى في برلين. رأيتك آخر مرّة هناك. محاطة بأصدقاء وصديقات من بلاد عربيّة، حملهم اللجوء القسريّ أو الاختياريّ إلى المدينة. رفعتِ شارة النصر بعدما تركناك، بابتسامة امرأة تبدأ كلّ يوم حياتها من جديد، ولم يخب ظنّها بنهج قلبها المفتوح للناس. صورة، من حسن حظّنا أنّ رامي التقطها، تضيف جمالًا إلى ذاكرتنا الهشّة.

 

(9)

أصوات النساء تغنّي لك. السماء صحراويّة. الهواء عطشان. وأنا أمشي خلف نعشك، أبحث عن الخواتم في يديك. غيابها يشبه تهليلة، ليست للنوم، إنّما لتؤكّد لي أنّي لن أتصالح مع الحزن.

 

 

رشا حلوة

 

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة من مواليد عكّا وتقيم في برلين. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007.

 

 

تعليقات Facebook