فرج سليمان وألبيرتو بيزو.. بيانو لشرق غرب المتوسط

ألبرتو بيزو وفرج سليمان في مسرح "خشبة" - حيفا (تصوير سهير عبيد)

 نابولي - حيفا

المسرح مُجهَّز لثنائي العرض الموسيقيّ؛ فرج سليمان وألبيرتو بيزو. بيانو على يمين خشبة المسرح، وآخر على يسارها، يبدو الديكور، ديكورًا مسرحيًّا يُمهِّد لقراءة حواريّة موسيقيّة دون توقُّع تفاصيلها.

يصعد ألبيرتو أولا لخطابِ سولو مع آلته وجمهوره، ليحدد وجهته ومساهمته في هذا التعاون الموسيقيّ بين مدينتَي البحر؛ حيفا ونابولي الإيطاليّة. يقدم ألبيرتو نفسه من خلال مقطوعتين، بأداءٍ متماسك تطغى عليه النوتات الغربيّة المتماوجة بين الأرضيّة الكلاسيكيّة الغربيّة وموسيقى الجاز، مع مسحات شرقيّة قد تعكس حالة الاستقطاب والتعدديّة المجنونة التي تُميِّز مدينتَهُ نابولي، ويُتيح العزف فضاءً حسيًّا للجمهور، فتبدو هذه المقدمة وكأنها تحيّة من نابولي لحيفا.

بعدها يصعد إلى المسرح ثلاثة موسيقيّين لِيُقدِّموا مساهمتَهم النوعيّة في هذا العرض: على الدرامز رامي نخلة، على الإيقاع معن الغول، وعلى الجيتار شادي عويدات، ولاحقا ينضم إليهم العازف والملحِّن حبيب شحادة ليعزف على العود.

البناء "المسرحي" للعرض

قد يبدو ظهورُ وترتيبُ الفقرات الموسيقيّة لأولِ وهلة بروتوكليًّا وروتينيًّا، لكن القراءة الشموليَّةَ للعرض الموسيقيّ؛ تذهب باتّجاه تحميلِ المعاني لجزيْئات البرنامج الموسيقيّ، بما يُساهم في تطور ديناميكيَّة العمل، بما في ذلك بلورة الحوار، وصقله، ودفعه إلى الأمام.

قدَّم فرج سليمان خارطته لهذا العرض ممسكًا بتفاصيله، ومع تقديمه كلغةٍ وحوارٍ وتعاونٍ بين أبناء البحر؛ ظهر فرج قبطانًا لسفينة يعرف وجهتها جيدًا، وملمًّا بتعقيداتِ البناء المركب لمسافريه.

 نجح فرج ببناء حوارات منفصلة ومتشابكة مع الموسيقيِّين، لتصل تلك الحوارات إلى نهايةٍ رصينة وواعية، وناضجة، ومع أن معظمنا ليس من الموسيقيِّين، إلا أن المستمع العاديّ، يمكنه الشعور بهارمونيّة العمل الفنيّ المُحاط بجزيئاتٍ موسيقيّة تحتاج خبرةً لتوزيعها وتجميعها والحفاظ على جماليّة القطعة الموسيقيّة.

"ولد بردّش"

كان هذا العرض مساهمةً هامة للتعرف على الحضور الموسيقيّ لفرج سليمان؛ في الساحة الموسيقيّة المحليّة، والعربيّة، والدوليّة، وإشارةً لمستقبلٍ موسيقيّ كبير لهذا "النابغة الموسيقيّة"، إذ أظهر العرض فكرًا موسيقيًّا مثقفًا، متأثرًا بمدرسة زياد الرحباني، وتحديدًا بما يخصّ تحديثات زياد على الأعمال الموسيقيّة العربيّة المتمردة، والخارجة عن المألوف، والتي تكسر النمطيّة، والمغامِرة بالألحان والمعاني، وحتّى الأفكار المُبعثَرة التي تلُمُّك تارة وتلُمُّها أخرى.

في العرض، تم الخوض بفوضويّة ذكيّة ومُحَوْسَبة للمادة الموسيقيّة الخام، إذ تمّ تقسيمها إلى طبقات مستقلّة وجُمَل متعدِّدة، إلى أن تُعاوِد التداخل والاتّحاد، لِتُكوِّن بذلك جملةً، ورؤية موسيقيّة أفقيّة ومتقدِّمة تُجسِّدُها آلة البيانو، فالإيحاءات التي تُذَكِّر المستمع بأعمالٍ مفصليَّة لزياد الرحباني، مثل "نزل السرور" و"هدوء نسبيّ" وأعمال أخرى، إضافة لـ"النكشات" المميَّزة لزياد؛ لم تكن تقليدًا، ولم تراوح مكانها، بل إن فرج، طوّرها لتركيبٍ موسيقيّ ذكيّ ومبتكَر، خاص به، قادر على مخاطبةِ المستمع وعرض الموسيقى العربيّة بقوالب جديدة لتظهر على أنها قابلة للتغيير وللتشكُّل من جديد، ما يُبقي الطرب العربيّ في أجواء معظم المقطوعات.


فرج سليمان، ايماجن - فوتوغرافي ستوديو

ويمكن أن أذكر مثلا التقاسيم، محكمة البناء، التي قدَّمها فرج في المقطوعة الأولى التي أدَّاها منفردًا على المسرح، لِتُشعِل الأجواء، وتُجبِرَ الحناجر على الاعتراف بالجمال، الذي ينعكسُ في كلمات الإعجاب التي نطق بها المُعجبون: "الله الله الله"، والأجمل أن هذا الإبداع "الطربيّ" لا يُكرِّر نفسه، ولا يستنسخ ذاته، بل يُدخلك إلى أشكال موسيقيّة أكثر تركيبًا دون أن تفقد تلك الأشكالُ جاذبيَّتها وسحرها، إذ تحافظ عليهما؛ مساهماتٌ مهمة لإيقاعاتِ الدرامز، وصوتَي الجيتار والعود.

مع وجود بيانو إضافيّ، يعزفُ عليه الإيطالي ألبيرتو، بدت لي وبوضوح؛ الهيمنة الحسيّة والتعبيريّة لبيانو فرج في المقطوعات المختلفة، وهيمنة موسيقيّة على تفاصيل العمل، ففي الأداءات "الأوركستراليّة" التي تخلّلت مقطوعات العرض، ظلَّ الخطاب الموسيقيُّ المبنيّ على تعدديّة فكرهِ، محافظًا على قوّة العمل، ومبتعدًا عن الصخب ومتجنِّبًا الدويّ والضجيج الذي تقع في شَرَكِهِ الكثير من الأعمال الموسيقيّة المركَّبة، وأقصد تحديدًا؛ تلك الأعمال التي تحاول الدمج بين لغات الشعوب الموسيقيّة ضمن أوركسترا واحدة، فمن الأمور الهامّة للمؤلّف الموسيقيّ، هو الإلمام بميِّزات وقدرات الآلات المرافقة له، والإلمام بآلته واستغلال ميِّزاتها وصفاتها ليُدخِلها في "جدلٍ" مع الآلات الأخرى، وهنا يبدو ويتجسّد نضوجُ تجربة سليمان في قيادة أعمال كهذه.

"بالليل يا عيني بالليل"

رغم تلَهُّف الجمهور لترويقةِ فرج الغنائيّة الرائعة "إسا جاي"، والتَّوْق لتقديم ما هو مشابه؛ اختار فرج إحداثَ تصاعُد في العمل، وتلطيف وتوتير الحوارات الموسيقيّة، التي تُحدِّدها كاريزما الحضور الموسيقيّ والمسرحيّ للمؤلف، إذ تتجلَّى بلغةِ كفَّيه ما بين الأداء الأفقيّ السائد للأصابع وما بين الأداء العاموديّ الذي يحتدّ ويشتدّ بعنفوان، نحو نهاية سيمفونيّة لعمل "ولد بردّش"، بتعابير عربيّة وغربيّة محافظًا على هويّة الملحِّن بجملٍ كلاسيكيّة شعبيّة تهزّ المقطوعات، كدخول "بالليل يا عيني بالليل". كانت جدليّة البيانو وإيقاع معن الغول المدهش تعبيرًا مركزيًّا لبوصلة فرج سليمان الموسيقيّة التي كانت قد أظهرت بعضها في أعمال سابقة له، رافقه فيها بالأساس، عود المتميِّز، الفنان حبيب شحادة.

قدّم الكونسيرت لجمهوره عرضًا موسيقيًّا ذكيًّا يحترم حضوره للمسرح. قدَّم متعة صوتيّة ومكّنه من استخلاص نغمات وجمل موسيقيّة، في حين خرج العرض عن القوالب النموذجيّة، وابتعد المؤلف عن التقليد والتّكلُّف، إذ لم يكن العرضُ مبتذلا ومُقلِّدًا لنموذج موسيقيّ معيَّن.

استحقّ الكونسيرت عناء السّفر من القدس إلى حيفا، كما استحقّ مسرح خشبة، الإطراء الكبير؛ كونه اختار أن ينهي دورة نشاطاته بهذا العمل المتميِّز. وفرج سليمان؛ حلو إنك بالبيت. 

 

فايد بدارنة


   

 باحث وكاتب. حاصل على البكالوريوس في علم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم السياسيّة، والماجستير في مجال السياسات العامّة من الجامعة العبريّة في القدس، كما يحمل شهادة في الدراسات الثقافيّة. يحضّر لرسالة الدكتوراه في موضوع المجتمع المدنيّ وبلورة الهويّة الوطنيّة في الجامعة العبريّة. كتب عدّة مقالات في السياسة، والنقد الموسيقيّ والمسرحيّ، والسينما.

 

تعليقات Facebook