"إيمتى نجوّزك يمّا": أين ضاع ادّعاء الأغنية؟

من فيديو أغنية "إيمتى نجوزك يما؟"

 

واحدة من السمات الرئيسيّة الّتي تميّز "فرقة الدام" من فرق أخرى فلسطينيّة، اهتمامهم البارز في القضايا الاجتماعيّة؛ فقد كان النقد الاجتماعيّ - وما زال - موضوعًا مركزيًّا في أغانيهم وكلماتها. لقد نجحت "فرقة الدام" في الماضي، في تسليط الضوء على قضايا مهمّة وملحّة، في المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48؛ فأصبح فنّهم منصّة ثابتة وقويّة لطرح أسئلة، ولعرض حالة اجتماعيّة تهمّ الفرد والجماعة على حدّ سواء.

إذا تناولنا - على سبيل المثال - أغاني مثل "لو أرجع في الزمن" و"مين إنت"، نجد نجاحًا كبيرًا في إبراز قضيّة اجتماعيّة، وعرض حالة مهمّة، مثل العنف ضدّ المرأة وقتل النساء، الّتي غالبًا ما نتجاهلها ونُقصيها عن حديث الساعة. علاوة على ذلك، فالطريقة الّتي تستخدمها الفرقة في نقل رسائل مختلفة عبر هاتين الأغنيتين، تعتمد في الأساس على استخدام أجهزة غنائيّة وإبداعيّة مختلفة؛ فتنجح الكلمات في سخريتها أحيانًا، وفي توظيفها لنفس الأفكار المسبقة الّتي تنتقدها؛ لتتناول موضوعًا صعبًا ومركّبًا للهضم، وإضافة إلى ذلك، فإنّ الموسيقى نفسها، في لحنها وإيقاعها، تسهم في جعل الموضوع أسهل وأسلس في عرضه؛ أحيانًا تصبح الأغنية احتفالًا ملوّنًا وup-beat للمواضيع الاجتماعيّة المختلفة.
 

 

أطلقت "فرقة الدام" قبل شهرين، تقريبًا، أغنية جديدة تتمحور أيضًا حول حالة اجتماعيّة تخصّ الجيل الفلسطينيّ الشابّ، "إيمتى نجَوّزك يمّا؟"، تتناول موضوع الزواج، أو لنكون أكثر دقّة، إلحاح الأهل الدائم على الزواج؛ فسؤال "إيمتى نجَوّزك يمّا؟" يكاد كلّ شابّ أو صبيّة يسمعه، في تكرار دائم من أفراد عائلته "المصغّرة والكبيرة"؛ فيصبح سؤالًا مزعجًا في إلحاحه، وقد يؤدّي إلى صراع داخليّ لدى الغالبيّة، ويدفعهم إلى التفكير في علاقاتهم بإملاءات العائلة والمجتمع وتوقّعاتهما. إنّه سؤال يسبّب لهم الإحراج، في واقع يصعب فيه على الغالبيّة التعرّف وإنشاء علاقات حميميّة خارج الإطار التقليديّ للزواج. ولكن، ما ادّعاء الأغنية بالنسبة إلى هذا الموضوع؟ كيف تعرض الأغنية هذا الصراع وأسبابه ونتائجه؟ وهل توجد خطوط واضحة ومتماسكة في الأغنية؟ 

 

الحالة الاقتصاديّة

في كلٍّ من اللازمة ومقطع تامر نفّار، تقدّم الكلمات الجانب المادّيّ والاقتصاديّ، سببًا لعدم الرغبة في الزواج؛ فبعد أن تطرح اللازمة السؤالين: "إيمتى نجَوّزك يمّا؟"، و"إيمتى تِرْكَز يمّا؟"، تنتقل إلى السؤال: "والبنك يتصلّي إيمتَ تيجي عنّا؟".

يتناوب تامر ومحمود جريري في الإجابة عن الأسئلة، فأحدهم يقول: "دونت ووري، أنا أوك"، والثاني يجيب: "كلّه مزبّط، كلّه مسوچر"، لتنتهي اللازمة بجملة: "بلا هالمشكنتا ومتخوزق" (المشكنتا/ משכנתא: قرض الإسكان). أمّا في مقطع تامر، فنجد الجملة "مينوس من جديد، فيه حساب بنكي فيه كَمْ بطريق"، وهي تعرض نفس الفكرة.

ماذا تحاول اللازمة وهذا المقطع – تحديدًا - قوله؟ أنّ السبب وراء عدم رغبة الجيل الشابّ في الزواج، أمر متعلّق بالحالة الاقتصاديّة الصعبة؟ أم أنّ منظومة الزواج أصبحت منظومة استهلاكيّة تمامًا في ظلّ الرأسماليّة؟ وأخيرًا، هل كان اختيار الفرقة فقط للشابّين - تامر ومحمود - في الإجابة عن هذه الأسئلة، من أجل عرض الجانب الاقتصاديّ من الزواج، لاعتبارهم أنّه عبء على الشابّ ومسؤوليّته وحده؟

أعتقد أنّ هذه الأسئلة أو الجوانب جميعها، من قضيّة الزواج، شرعيّة ويجب طرحها، ولكن، إذا تمعّنّا في باقي الكلمات من مقطع تامر، نجد أنّ ثمّة أسبابًا أخرى وراء رفض الزواج: "إنتو وين وأنا وين؟"، تمثّل الفجوة بين الجيل الشابّ وجيل الأهل، في كلّ ما يتعلّق بالزواج. ربّما تُشير الجملة إلى وجود بدائل أخرى، بإمكانها توفير عالم أكثر إثارة من عالم الزواج والارتباط.

ومع ذلك، تقفز الكلمات في السطر التالي إلى فكرة أخرى: "ولد مع ولدين، جيبوا مخدّة جيبوا سرير"، وتمثّل بدورها عدم الجاهزيّة، والمسؤوليّة الكبيرة الّتي تقع على أكتاف شبّان وشابّات ما زالوا "أولادًا".

ما يمكن استنتاجه من هذا المقطع، وجود أسباب مختلفة "اقتصاديّة، ونفسيّة، وفيزيولوجيّة"؛ بسببها يبتعد الجيل الشابّ عن الزواج. وحسب رأيي، لو عُرض سبب أو جانب واحد فقط - كالجانب الاقتصاديّ - من هذه القضيّة في هذا المقطع، لكان أنجح في التعمّق، وإعطاء جانب معيّن حصّته الكاملة. إنّ القفز من موضوع إلى آخر، ولّد صورة مشتّتة ومكسّرة للفكرة، الّتي كان من الممكن أن يعرضها هذا المقطع.

 

الجاهزيّة

مقطع ميساء ضو يعرض وجهة نظر الصبيّة الشابّة، في مجتمع يحاول دومًا فرض هذه المنظومة، أحيانًا في جيل مبكّر للغاية. يبدأ المقطع بوصف الشابّة المستلقية في فراشها، في حين أنّ الـ "الأَلارْمات"، أي المنبّهات، والـ "ديك"، يحاولان إيقاظها من النوم، بينما هي تفضّل البقاء "تحت اللحاف"، وصوت أمّها في الخلفيّة محاولةً عبر الـ "بلكون" أن "تدبّر" لها عريسًا.

هي صورة مجازيّة لعدم الجاهزيّة النفسيّة للزواج، فحتّى المنبّهات والديك غير قادرين على إيقاظها من النوم، والاستغناء عن الحياة المريحة والخالية من أيّ مسؤوليّات؛ فكيف يمكن صبيّة ما زالت تستصعب النهوض من النوم، أن تقدم على خطوة تتطلّب منها مسؤوليّات مثقلة، في منظومة مثل منظومة الزواج؟

في الجملة الثالثة من المقطع، تقفز الكلمات إلى موضوع آخر تمامًا، فتعرض معلومة إحصائيّة تقول إنّ "أغلب الأزواج بتنامش على نفس الفراش". ما الهدف من عرض تلك المعلومة؟ إن كان لإكمال الصورة المجازيّة للنوم والتخت وعدم الجاهزيّة، فلا يوجد أيّ بُعد تضيفه هذه المعلومة للفكرة الأولى، وإن كان هدفها عرض إحدى النتائج للعلاقات العاطفيّة في ما بعد الزواج، فلا صلة بينها وبين السبب، الّذي بدأ بطرحه هذا المقطع. كأنّ هذه المعلومة جملة عابرة أُسقطت إسقاطًا على المقطع، وبدورها قطعت تسلسل فكرة عدم الجاهزيّة.

من بعدها، نقفز مجدّدًا إلى موضوع عدم الجاهزيّة: "قولوا لابن الحلال يستنّى؛ لأنّه العالم عم بستنّاني، بلاقي شريكي، بعد مَ ألاقي حالي". مرّة أخرى، نجد أنّ السبب وراء عدم الرغبة في الزواج أمر آنيّ متعلّق بالوقت والتوقيت. الصبيّة تريد أن "تلاقي حالها"؛ أي أنّها تريد أن تنضج، تستكشف، تسافر، تتعلّم، تكوّن هويّة وشخصيّة قويّة وثابتة. من بعد هذه السيرورة، ستكون جاهزة للدخول إلى علاقة زوجيّة.

 

الحرّيّة في الاختيار

المقطع الأخير، وهو مقطع محمود جريري، يعرض جانبًا آخر تمامًا؛ فهو يركّز على قضيّة الحرّيّة والاختيار.

يجسّد المقطع المشكلة الأساسيّة - حسب رأيي - في أسئلة مثل: "إيمتى نجَوّزك يمّا؟"، ألا وهي فرض الإملاءات الخاصّة بالعائلة والمجموعة، في ما يتعلّق بالزواج والارتباط. إنّ الأسئلة المُلحّة عن الزواج تطوّق الحرّيّة الشخصيّة، وتفرض واقعًا حسب إرادة المجتمع والعائلة واحتياجاتهما. هذا المقطع يجيب بشكل صريح عن هذه الأسئلة: "بلا ضغط، بلا كبت، بلا غصب". تحمل هذه العبارات صدى ضائقة؛ إذ إنّها تعبّر عن الأبعاد لأسئلة تريد أن تضغط، أن تكبت حرّيّة شخصيّة، وتغصب على طريق حياة واحدة ووحيدة.

تنتقل الكلمات من بعدها للاحتفال في الحرّيّة، فتقول: "حيّوا قراري حيّوا، حيّوا حبيبتي حيّوا، حيّوا حرّيّتي حيّوا". إنّ الجميل في هذا المقطع انتقاله من القرار إلى الحبّ، ومن ثَمّ إلى الحرّيّة؛ فالشخص الّذي يحتفل بحرّيّته في القرارات لا يستقصي العلاقات الحميميّة. يحتفل الشابّ أيضًا بحبيبته، بقراره أن يكون ضمن علاقة عاطفيّة، ولكن إن انتقلت العلاقة إلى مرحلة الزواج والاستقرار، فهو أمر سيحدث فقط عن طريق حرّيّتهما في الاختيار والقرار.

هذا المقطع الأنجح حسب رأيي؛ لأنّه يتناول الموضوع من لبّه، وببساطة كاملة يغنّي ويحتفي في الحرّيّة المرغوبة. ثمّ إنّ المقطع متماسك من ناحية الفكرة، فهي واحدة، تخاطب مسألة واحدة، عبر توظيف نفس القالب المستعمل في أغاني أعراس عدّة، "حيّوا العريس" مثالًا؛ للاحتفاء في رغبة الشباب في الحرّيّة والاختيار.

 

القفز من صخرة إلى صخرة

يمكن لأغنية ما أن تعرض غير فكرة، أو وجهات نظر مختلفة، بل هذا أحيانًا ضروريّ ومحبّذ، في حال سُلّط الضوء على قضيّة مركّبة، لكنّ المشكلة في هذه الأغنية تحديدًا، تكمن في عدم وجود ادّعاء مركزيّ واضح أوّلًا، وفي عدم بناء هيكل ثابت عن طريق الكلمات. أمّا تسلسل الكلمات والأفكار، فيدعو المستمع إلى القفز من صخرة إلى صخرة، أحيانًا في نفس المقطع، ولكن هذا القفز لا يرسم في نهاية المطاف خطوطًا واضحة ومترابطة؛ فإذا حاولنا النظر إلى المشهد الكامل بشموليّة، فسنراه "أمورفيّ"، أي عديم الشكل، ويكاد ينحسر ويتلاشى مع الريح. مواضيع الصعوبة المادّيّة، وصغر السنّ، وعدم الجاهزيّة، والرغبة في حياة مختلفة، قضايا تتعلّق جميعها بعزوف الجيل الشابّ عن الزواج، لكنّ الانتقال السريع من موضوع إلى موضوع، لم يمنح - حسب رأيي - كلّ موضوع حقّه، وأنتج بالتالي صورة غير واضحة للادّعاء العامّ للأغنية. 

أمّا بالنسبة إلى الكلمات، فكان بالإمكان - حسب رأيي - أن تكون أكثر قوّة وجرأة. إذا أخذنا - على سبيل المثال - مقطع اللازمة من أغنية "مين إنت؟"، نجد نجاح الكلمات في توظيف نفس التعابير الجارحة، الّتي توجَّه إلى المرأة؛ لنقدها في أسلوب جريء يعرض الألم والظلم، ومن ثَمّ يرمي الكرة إلى ملعب الرجل لطرح السؤال الإيرونيّ: "مين إنتَ؟"، وهي نهاية قويّة ومعبّرة لموضوع مؤلم وصعب في مجتمعنا.

أمّا في أغنية "إيمتى نجَوّزك يمّا؟"، فكلمات اللازمة أكثر رقّة في طريقة طرحها، ولو عُرض الموضوع بأسلوب ساخر أكثر، وبكلمات أقوى من ناحية معالجتها للموضوع، لرسمت ربّما صورة أكثر إثارة عن إلحاح سؤال الزواج.

بالنسبة إلى الموسيقى، أعتقد أنّ اختيار اللحن موفّق، لأنّه يتبع أغاني الأعراس والأفراح؛ فاستعمال الموسيقى نفسها، التابعة لمنظومة الأعراس والزواج، طريقة لاستعمال خصائص هذه الحالة الاجتماعيّة من أجل نقدها، وللاحتفال في الرغبات والاختيارات الشابّة.

وأخيرًا، إذا نظرنا فعلًا إلى الأغنية ككلّ، إلى مزيج الكلمات والأفكار والموسيقى، نسأل: هل نجحت الأغنية في عرض الحالة بطريقة مميّزة ومركّبة؟ هل توظيف الموسيقى مع كلمات تتأرجح بين السخرية والجدّيّة والحميميّة، أنتج حقًّا صورة متماسكة؟

أين ضاع ادّعاء الأغنية بين كلّ هذه الزوايا والصور؟

 

 

شادن هيب

 

 

من مواليد الناصرة عام 1993. حاصلة على البكالوريوس في الأدب الإنچليزيّ وتاريخ الفنّ والسينما من "جامعة تل - أبيب"، تدرس الماجستير في الأدب الإنچليزيّ في الجامعة نفسها.

 

 

 

تعليقات Facebook