سؤال الشهيد: الساروت من النشيد إلى السلاح

عمر حاجّ قادور | أ ف ب

 

استشهد المنشد الثوريّ السوريّ عبد الباسط الساروت، في يوم الثامن من حزيران 2019، بعد ثلاث محاولات اغتيال فاشلة قادها النظام للتخلّص منه؛ بسبب عمله الثوريّ الّذي بدأ سلميًّا، ثمّ انتهى إلى العمل العسكريّ مع فصيل "جيش العزّة" الّذي قام لمحاربة النظام، وتخلّلت مسيرته العديد من المفاصل الجدليّة، الّتي أحدثت نقاشًا واسعًا حول توجّهات الشهيد الساروت، ومدى صوابيّة المواقف الّتي اتّخذها في بعض الأحيان.

 

القصّة

قال الناشط والصحافيّ السوريّ أسعد حنّا لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة: "عبد الباسط الساروت كان شابًّا حمصيًّا بسيطًا، يلعب كرة القدم في المنتخب السوريّ. بداية الثورة في عام 2011، بدأت مشاركة الساروت فيها، كان في البداية يخرج ملثّم الوجه، ثمّ صار يخرج كاشفًا عن وجهه، يحمّس الشباب في المظاهرات بهتافاته، ويقود المظاهرات في حمص بهتافات ارتجاليّة، ثمّ تحوّلت إلى أغانٍ ثوريّة اشتهرت وأصبحت معروفة، يغنّيها الشباب الثوريّون في مختلف أنحاء سوريا، فليس ثمّة أحد لم يسمع أغنية ’جنّة يا وطنّا‘، أو أغنية  ’أنا طالع أتظاهر‘ الّتي نسمعها ونغنّيها إلى اليوم. شارك الشهيد في معظم المظاهرات الّتي قامت في حمص، ولا سيّما تلك الّتي خرجت في دير بعلبة وفي القرابيص؛ أنا أذكر جيّدًا المظاهرات الّتي كانت تخرج في دير بعلبة والبيّاضة".

 

 

وتابع أسعد حنّا: "ثمّ مرّت الثورة بمراحل عدّة، كان أوّلها العمل المدنيّ، والحراك السلميّ الّذي انتشر في الجامعات والشوارع، ثمّ قرّر النظام استخدام الجيش والعتاد الحربيّ لاقتحام المدن والأحياء الثائرة؛ وهذا أدّى إلى تحوّل الثورة إلى حراك عسكريّ دفاعيّ عن المناطق المدنيّة، ومن ثَمّ تحوّلت إلى الحراك العسكريّ الهجوميّ. وكان عبد الباسط الساروت من أوائل المطلوبين للنظام، بسبب تشجيعه للمظاهرات، وخروجه على رأسها".

وعن تحوّل الساروت إلى العمل العسكريّ يقول حنّا: "حوصر عبد الباسط الساروت مع رفاقه في حمص القديمة، وكان هذا خياره؛ لأنّه قرّر أن يدافع عن مدينته الّتي كان يحبّها، وكان يحلم بالعودة إليها إلى آخر لحظة. ثمّ شكّل كتيبته، وكانت تتكوّن من أصدقائه وأقربائه وإخوته الّذين فقد منهم أربعة، بالإضافة إلى والده وعدد كبير من رفاقه. معركته الكبرى كانت ’معركة المطاحن‘، حين كان محاصَرًا في حمص القديمة، وقرّر هو وكتيبته الصغيرة أن يفتحوا الطريق للعائلات، ليخرجوا من الحصار. في هذه المعركة استُشهد نحو ستّين شابًّا من كتيبته، ثمّ جرى إخلاء حمص؛ فخرج إلى الريف الشماليّ، حيث شارك في معارك عدّة، ثمّ إلى إدلب ليلتحق بـ ’جيش العزّة‘، وكان حاضرًا في أغلب المعارك إلى أن استُشهد".

من القضايا الّتي أثارت الجدل حول الشهيد الساروت، إن كان بايع تنظيم الدولة الإسلاميّة "داعش" الإرهابيّ أم لا، وانتماؤه إليه، وقد نقلت تقارير عدّة نفيه الانضمام إلى هذا التنظيم مرّات عديدة. علّق أسعد حنّا على ذلك بقوله: "لم ينكر الشهيد أنّه عقد اتّفاقًا مع ’داعش‘ في لحظة ما، حين كان تنظيم ’داعش‘ متمركزًا في ريف حمص الشرقيّ، وكان يستهدف الفصائل والأشخاص في ريف حمص الشماليّ، فقال لهم الساروت: ’أنا لا بحاربكم ولا بتحاربوني‘، كان هذا خطأ، لكنّه تراجع عنه، وعاد إلى خطّ الثورة، وقد قام بهذا الفعل لأنّ فصيله كان ضعيفًا، ولم يكن يحتمل أن يفتح معارك إضافيّة غير معركته مع النظام".

 

تزاوج الاستبداديّة والتطرّف

من جهته، قال الناشط السياسيّ بدر منصور، إنّ "مسيرة الساروت كانت مسيرة جدليّة؛ فتحوُّله من السلميّة إلى حمل السلاح ثمّ إلى النزعة جهاديّة، وهو شابّ رياضيّ ومنشد، شكّل ثنائيًّا جميلًا واستثنائيًّا مع الفنّانة الراحلة فدوى سليمان، كان نتيجة تزاوج الفكر المتطرّف مع الاستبداديّة؛ أي أنّ استبداد النظام كان مبرّر وجود التطرّف في سوريا، وهيمنته على ثورتها. الجدليّ - تحديدًا - في مسيرة الشهيد الساروت، تحوُّله من السلميّة والإنشاد للثورة إلى حمل السلاح ثمّ إلى النزعة الجهاديّة، وخضوعه لمحكمة ’النصرة‘، وخروجه من محكمة ’النصرة‘، ثمّ انضمامه إلى ’جيش العزّة‘، واستشهاده في ريف حماة".

 

 

وتابع: "هكذا سُرق الشباب من قِبَل هذا الفكر المتطرّف، ومن قِبَل استبداد النظام أيضًا، وكان تزاوج هذين الفكرين بشكل رسميّ هو المتسبّب في كلّ ما يحدث في سوريا، والخاسر الوحيد فيه هو الشعب. نرى من ذلك انطواء فدوى سليمان، الّتي كان ينشد الساروت معها الشعارات الثوريّة السلميّة في بدايات الثورة".

وأوضح: "لننظر إلى الأمر هكذا: الساروت استُشهد وهو ابن سبعة وعشرين عامًا؛ هذا يعني أنّه كان ابن تسعة عشر عامًا وقت بداية الثورة، كان وعيه ما زال قيد التفكير، دم الشباب يغلي في عروقه، ويحاول استكشاف ذاته، في ساحة برزت فيها هويّات عديدة ومتضاربة ومتنازعة. الساروت شابّ فتيّ وليس قائدًا فكريًّا، من الطبيعيّ أن يكون هذا توجّهه في مثل هذه البيئة".

وأوضح بدر منصور أنّ "تفاقم الاستبداد، شكّل مبرّرًا لوجود حالة التطرّف هذه للوقوف في وجهه، فانقسمت القوى إلى أقسام، كلٌّ منها يقتل الآخر ويسعى إلى ذلك؛ وبهذا انتهت الثورة السوريّة، أو لنقل سُرقت من قِبَل أجندات ليست سوريّة أصلًا. الصراع الآن هو صراع على سوريا لا من أجلها، وتقوم عليه أجندات إقليميّة ودوليّة، أدواتها السوريّون".

 

ظاهرة مدهشة

كان للشاعر والصحافيّ فادي جومر رأي آخر، فقال: "قبل أن أحاكم أيًّا كان على مبادئه، أحاكمه على مدى التزامه بها وجدّيّة دفاعه عنها، ومن ثَمّ فإنّ الساروت يمثّل ظاهرة مدهشة، بدأت الثورة وهو ابن تسعة عشر عامًا، وانتهت وهو ابن سبعة وعشرين، إذا قارنّاه بشباب آخرين من جميع أنحاء العالم، فهو استُشهد في السنّ الّتي يبحثون فيها عن هويّاتهم، وعن معرفة ما يريدون فعله في حياتهم؛ فعلينا أن نفهم المرحلة الّتي كان قد وصلها الساروت من اليقين، حين مضى في المقاومة إلى أن استُشهد. والأهمّ من ذلك، حتّى لا يُفهم كلامي على أنّه تبرير لمواقف الساروت، أنا لا أرى أنّ فعله أو موقفه بحاجة إلى تبرير؛ فكلّ شيء مباح لمن هم تحت النار، وأنا أعتقد أنّ الأمر لم يكن خيارًا؛ فقد كان الساروت أمام حلّين: إمّا الهرب إلى تركيا أو أوروبّا أو غيرها، وإمّا البقاء ضمن هذه الشروط".

 

 

وأكّد فادي: "كان الشهيد ظاهرة بكلّ معنى الكلمة في حبّه وتفانيه، وفي كمّ الحزن والمأساة أيضًا الّتي تحملها قصّته، وفقدان إخوته واحدًا تلو الآخر، ثمّ فقدان والده، والضربات الموجعة المتتالية، والحصار، والانكسارات العامّة للثورة، الّتي كانت بالضرورة ضربات قاسية على قلبه".

وشدّد فادي على عدم جواز محاكمة مواقف الشهيد الساروت، وكذلك اتّفاقه مع تنظيم "داعش"؛ فقال: "ليس واردًا أن يكون الشهيد في موضع محاكمة لمبايعته جهة ما، إنّ الأمر لم يكن اختياريًّا؛ فليس متوقَّعًا منه أن يفتح جبهة منفردة ضدّ التنظيم، وليس متوقَّعًا أن يُطلب ممّن تبقّى في الشام، أن يشقّ صورة لبشار الأسد علّقها الأمن على سيّارته؛ لأنّ هذا طلب للهلاك، هذا هو مصير الثوّار، هكذا هي حياة الثوّار، وللأسف الشديد فإنّ المنظّرين هم مَنْ يتبقّون أحياء، الموت ليس لئيمًا لأنّه يأخذ ’الناس المنيحة‘، الموت لئيم لأنّه يترك ’الناس العاطلة‘ أكثر"، مؤكّدًا: "مهما كان لديك من إيمان بالسلميّة، وبجدوى الهتاف والغناء، بعد الحصار والقصف، وفقْد إخوتك ورفاقك واحدًا تلو الآخر، فستكون مجبَرًا على حمل السلاح؛ لأنّك لن تبحث حينئذٍ إلّا عن النجاة".

أمّا في ما يتعلّق بأسلمة الثورة السوريّة وتسلّحها وتداعيات هذا التحوّل، فقال فادي: "أن تكون في هذا الظرف وتحمل سلاحًا، هو ردّ فعل طبيعيّ تمامًا، أمّا انسياقه باتّجاه الجهاديّة فهذا هو الظرف المتاح، لو كان الساروت ابن الإمام عليّ شخصيًّا، في سبعينات القرن الماضي، وتعرّض للحصار ذاته، لكان التحق بالشيوعيّة، وسُمّي بالإرهابيّ بمعايير ذلك الزمن؛ هكذا تُسمّى الأشياء بمسمّياتها، وهكذا توضع في سياقها. حاولت الشعوب في عشرات الثورات السعي إلى حرّيّاتها، دون أيّ علاقة بالأسلمة، وتعرّضت للسحق الكامل من قِبَل الديكتاتوريّات السائدة، ابتداءً بربيع براغ، وصربيا، وحراك الأكراد ضدّ صدّام حسين. إنّ لوم انكسار الثورة السوريّة على أسلمتها إجحاف كبير؛ فالمتطرّفون يستطيعون هدم مجتمعات بأكملها، لكن الثورة السوريّة سُحقت بسبب إرادة مجتمع دوليّ متكامل، بأنّ هذه المنطقة ممنوع أن يقوم فيها حراك يؤدّي إلى تحرّرها، وكأنّ ثمّة قرارًا متّخَذًا مسبقًا بأنّ مَنْ يمتلكون القوّة هم مَنْ يمتلكون الحرّيّة، ولا يسمحون لغيرهم حتّى بالسعي إليها".

 

 

الساروت الّذي شكّل حالة أيقونيّة من الكفاح، والنضال الأصيل، انتقل من النضال السلميّ، ومن كونه منشدًا للثورة يقود المظاهرات ويسيّرها في حمص، إلى النضال المسلّح ضدّ النظام الأسديّ المستبدّ. خرجت الجموع في تشييعه، ودُفن في سوريا، حيث أوصى أن يوارَى الثرى. هذا الشابّ الّذي انتقل من كونه حارس مرمى في كرة القدم إلى شهيد، تعرّض لثلاث محاولات اغتيال، شكّل حالة لدى كثيرين، ظاهرة من النضال والتمسّك بالبلاد؛ فقد عاد إلى سوريا ليكمل ما اختاره لنفسه، أو أُجْبِرَ على اختياره، بعد أن استطاع الخروج إلى تركيا للعلاج بعد "معركة المطاحن"، مصرًّا على حمل القضيّة.

رحل الساروت، ويبقى سؤال الظرف مُحاصَرًا بسؤال الموقف والصفّ، وصفة "الشهيد" مقيّدة بصفة "الإرهابيّ" في المعجم المضادّ؛ كأنّ الصراع على الرواية، كما الصراع في سوريا، أو على سوريا، لم يئن أوان انفكاكه.

 

 

تعليقات Facebook