«حمّام راديو»: حرب النساء الحقيقيّة تكمن في قصصهنّ

أحد تصميمات مشروع «حمّام توكس»

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

وسط بحر من المحتوى الديجيتاليّ الّذي فاض في الشبكة، تزامنًا مع الحجر الصحّيّ الّذي فرضه وباء كورونا (Covid-19)، انطلقت إذاعات عربيّة ذات طابع ثقافيّ وثوريّ لافت، برزت بينها «حمّام راديو»، امتدادًا لمشروع «حمّام توكس» (Hmmam Talks) الّذي أسّسه كلّ من الصحافيّة والكاتبة رشا حلوة والناشطة الحقوقيّة والنسويّة عبير غطّاس في العاصمة الألمانيّة برلين.

وكان المشروع، كما صار الراديو، مساحة حرّة تمامًا، ومتاحة للنساء من أجل أن يعبّرن ويشاركن ويفرّغن قصصهنّ ومعرفتهنّ؛ فبدا انطلاق راديو نسويّ تشاركيّ، على قدر عالٍ من التجانس مع المرحلة المظلمة الّتي تعيشها الإنسانيّة، في النظر إلى تعاملها مع قضايا المرأة ومجتمع الميم، يقابلها حراك مجتمعيّ حرّ وغير مُمَأْسَس في المنطقة العربيّة، ليغدو «حمّام راديو» - ومنصّات افتراضيّة أخرى - شكلًا لترجمة هذا الحراك إلى صوت جامع.

تنظر مؤسِّساته حلوة وغطّاس، إضافة إلى باولا ضاهر، وجوجو أبو حميد، وحياة حسن، إلى ضرورة إسماع هذا الصوت الّذي تعمل المؤسّسات الذكوريّة والأنظمة القمعيّة بكلّ أشكالها على إخراسه، وهي ضرورة تبدو أكثر إلحاحًا من إيجاد الحلّ لإنهاء الظلم والقمع والعنف الواقع على المرأة.

شئنا في هذه المقابلة الّتي أجريناها في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مع رشا حلوة وعبير غطّاس، أن نستمع إلى أفكارهما وطموحاتهما وأملهما في التغيير، والمنابع الّتي دفعتهما إلى إنشاء هذه المساحة، الّتي تتراءى لنا مثل أبواب مشرَّعة في سجون الذكوريّة والتقاليد البالية.

 

فُسْحَة: حدّثننا عن تجربة «حمّام توكس» قبل أن ينطلق مشروع «حمّام راديو».

رشا وعبير: انطلق «حمّام توكس» قبل نحو سنتين في برلين. ذلك حين شعرنا بأنّ ثمّة فرصة بإمكان أحاديثنا معها أن تخرج من إطار الصداقة إلى الفضاء العامّ، وبإمكان قصصنا الشخصيّة أن تتقاطع فيه مع قصص نساء أخريات، فتوجّهنا إلى أحد المقاهي في المدينة، وهو مقهًى نسويّ كويريّ تديره نساء، وعرضنا فكرة إقامة برنامج حواريّ على شكل البرامج التلفزيونيّة، تستضيف فيه المحاوِرات ضيفة مختلفة شهريًّا. هكذا، نستعيد ملكيّتنا على الحيّز العامّ ونحوّله إلى فضاء خاصّ من خلال سرديّاتنا. الهدف من وراء هذه اللقاءات أن نُعيد الاعتبار للقصّة الشخصيّة، وأن نجمع نساء، لسن قادمات بالضرورة من خلفيّات أكاديميّة، في مساحة آمنة يشعرن فيها بأنّهن لسن وحيدات. نتحدّث هنا عن نساء "ملوّنات" (Of Colour) يجمعهنّ الفكر النسويّ أو الهجرة أو الكويريّة أو السياسة، وليس عن نساء بيضاوات ذوات امتيازات. أتاحت هذه اللقاءات للجمهور فرصة مشاركة قصصه، وجاء الاسم «حمّام توكس» لأنّ الحمّام الشعبيّ يحضر بقوّة، وله رمزيّة في ثقافتنا العربيّة وثقافات شرقيّة أخرى كالفارسيّة والتركيّة؛ إذ يتحوّل إلى فضاء خاصّ تتعرّى فيه النساء، ويحكين قصصهنّ الشخصيّة.

 

عبير غطّاس ورشا حلوة

 

فُسْحَة: ماذا كسب المشروع بتحويله إلى راديو؟

رشا وعبير: لقد كبر المشروع كثيرًا، لم يعُد يرتبط بنا مضيفاتٍ للحوارات كما في «حمّام توكس»، المكسب الأكبر كان أن خلقنا مساحة فعليّة ليعبّر فيها عدد كبير من الأشخاص. ثمّ إنّ دوائر الجمهور اتّسعت كثيرًا بعد أن اقتصرت على مدينة برلين وعلى اللغة الإنجليزيّة.

إنّه لأمر بالغ الأهمّيّة أن نتحدّث عبر الراديو بلغتنا العربيّة، وبلا أيّ حدود جغرافيّة مع توفير مساحة للغتين. لكنّ الهويّة لم تختلف كثيرًا عن هويّة برلين، متنوّعة الجنسيّات والثقافات، ولم يكن غريبًا على «حمّام راديو» أن أخذ هذه الهويّة من مدينة منفتحة كبرلين إلى حيّز افتراضيّ حرّ، حيث إنّنا لم نضع يومًا أيّ خطّ أحمر... نحن نضحك ونبكي ونشتم.

 

فُسْحَة: فتحتنّ المجال لأيّ شخص لحجز مكان في الراديو، والحديث في أيّ مسألة؛ كيف تتعاملون مع هذه الحرّيّة غير المحدودة، الّتي تنعدم فيها السيطرة على المحتوى؟

رشا وعبير: نعرف عددًا من النساء اللاتي يشاركن، أمّا النساء اللاتي لا نعرفهنّ فنُجري بحثًا بسيطًا لنعرف خلفيّاتهنّ. بعضهنّ كنّ يسألننا عن الخطوط الحمراء الّتي ينبغي لهنّ توقّيها، فكنّا نجيب بأنّه ليس ثمّة أيّ خطوط حمراء، سوى تبييض الحكومات الاستبداديّة ورهاب المثليّة والتحوّل. لا خوف من انعدام السيطرة هذه، فنحن نعطي إتاحة حرّة تمامًا، لكن بإمكاننا قطع البثّ إذا أردنا.

 

فُسْحَة: يلحظ المتابع تسليط ضوء لافت على قضايا تخصّ المجتمع السعوديّ، لِمَ في رأيكنّ؟ وما القضايا الّتي تبدو اليوم ملحّة دون غيرها؟

رشا وعبير: الراديو منصّة نسويّة تشاركيّة، هذا يعني أنّنا لا نصمّم الثيمات ونُدرج تحتها البرامج. برنامج «السعوديّة العظمى» كان يبحث عن منصّة ووجدها. من الجدير بالذكر أيضًا أنّنا لسنا منصّة لطرح الأسئلة النسويّة فحسب، بل تتناول النساء دراسات وإصدارات، كما يتابعن مسائل قمع السلطات السياسيّة للشباب والصحافيّين، ومواضيع آنيّة كانفجار بيروت، إضافة إلى برامج التسلية. الجانب المثير في عمل الراديو أنّه تطرّق إلى مواضيع لسنا من متابعيها؛ كالحراك النسويّ في الخليج أو في الصحراء الغربيّة. أخذ الراديو يشكّل نسيجًا متنوّعًا، عبّر عن انخراطات فرديّة لنساء في مسائل اجتماعيّة وجسديّة وسياسيّة وشخصيّة، منها ما ليس يشغلنا بالضرورة. ما يشغلنا خلق مساحة حرّة لهؤلاء النساء كي يتكلّمن دون أن يخرسهنّ أحد أو يُملي عليهنّ شيئًا.

جانب من الحلقات الّتي بثّها «حمّام راديو»

 

فُسْحَة: ولِمَ اخترتنّ أن تتحدّث النساء فقط، مع العلم أنّ الكثير من الرجال قد يحملون فكرًا نسويًّا؟

رشا وعبير: نعتقد أنّ مساحات جمّة مفتوحة أمام الرجال، ومُسَيْطَر عليها من قِبَلهم. نحن لا نرى أنّهم سيتنازلون عن هذه المساحات من أجل النساء، فأوجدنا هذا المكان لهنّ؛ ليس للنساء وحدهنّ، إنّما للمتحوّلين أو للمتحوّلات أيضًا، فهؤلاء إن ظلّوا نساء في البطاقات الشخصيّة، فلن يدخلوا عالم الامتيازات الّتي يحظى بها الرجل، وإن غيّروا شكلهم الخارجيّ، فذلك لا يعني بالضرورة دخول هذا العالم من أبواب واسعة.

 

فُسْحَة: كيف أثّر - في رأيكنّ - شكل تقديم المحتوى بين الراديو والحوارات في «حمّام توكس»، في حرّيّة الكلام عند المشاركات؟

رشا وعبير: اعتمدنا في «حمّام توكس» التسجيل من أجل الأرشفة، وكنّا نُعلم الجمهور الحاضر بعدم اقتباس أيّ من المشاركات أو تصويرها. الانتقال إلى البثّ الافتراضيّ جعل مسألة الحرّيّة مسألة قرارات فرديّة تتّخذها المقدّمات. عند انطلاق الراديو بداية الحجر الصحّيّ اعتمدنا البثّ الحيّ فحسب، أمّا الآن، وبعد طلب الكثيرين، فشرعنا بتسجيل المحتوى، ليس لإعادة البثّ فقط، بل من أجل الأرشفة أيضًا، لكنّا لم نشعر بتغيير جوهريّ على هذه الحرّيّة. ثمّة حرّيّة ما يوفّرها الراديو ولا يوفّرها التلفزيون، بإمكان أيّ امرأة أن تختار اسمًا مستعارًا، وقد حدث ذلك.

 

فُسْحَة: هلّا تذكُرن واحدًا من المواضيع الجريئة الّتي طُرِحَتْ...

رشا وعبير: نعتقد أنّ كلّ ما طُرح اتّسم بالجرأة، ولا سيّما ما ارتبط بقضايا سياسيّة كقضيّة الصحراء الغربيّة، والسؤال النسويّ والسياسيّ فيها. كذلك البرامج الّتي تحدّثت عن السعوديّة، المستندة إلى تحقيق في مقتل خاشقجي، وتلك الّتي طرحت قضايا المتحوّلين وقضايا الجسد والأعضاء التناسليّة، ضمن أسئلة ذاتيّة وفكريّة وسياسيّة جريئة تُحاوِر الذات والمجتمع.

تحدّثت النساء المشاركات بصوت واضح دون تأتأة، ضحكن وشتمن وعبّرن بصوت عالٍ باللغة العربيّة، قدّمن أسئلتهنّ وقصصهنّ وسرديّاتهنّ الخاصّة دونما خوف. إنّ هذا المحتوى لا ينفصل عن المرحلة الّتي نمرّ بها.

«حمّام راديو» لم يخترع هذا الفكر، بل هو امتداد للحراك النسويّ الّذي يحدث في المنطقة، والّذي يسعى إلى تكسير الأفكار النمطيّة والرجعيّة. ثمّ إنّه امتداد لمشروع «راديو الحارة» و«راديو الحيّ» و«راديو الحومة» في فلسطين وبيروت وتونس. إنّما اتّخذ «حمّام راديو» اتّجاهًا خاصًّا به يحدّد المحتوى وصانعاته، وقد حظي بجماهيريّة نبعت من الحرّيّة المطلقة الممنوحة للمشاركات فيه، ليس على المستوى العامّ فحسب، بل ثمّة مَنْ تحدّثت عن قصص اغتصاب وتعنيف وذكريات من الطفولة.

 

فُسْحَة: وأنتنّ تشاهدن العنف الآخذ بالنموّ تجاه النساء والمختلفين والمثليّين وغيرهم، هل ترون أنّه من الممكن إحداث تغيير ما، بمجرّد طرح الأفكار في الفضاءات الافتراضيّة؟

رشا وعبير: سؤال التغيير سؤال مركّب وكبير. نتحدّث من تجربتنا الشخصيّة، ما نحتاج إليه في لحظة كهذه خلق مساحة للنساء. نحن جميعًا مشغولون بإيجاد الحلّ، ونسأل: ماذا بعد؟ نصطدم بشهادات عن تحرّش ثمّ نسأل: "شو بعدين؟"، لكن في رأينا، ما يلحّ الآن علينا أن تجد النساء منصّات لتشارك ما يحدث معها.

 

من فعاليّات «حمّام توكس» في برلين

 

ثمّة سقوط لكلّ شكل من أشكال الثقة في العائلة أو الشرطة أو البيئة الاجتماعيّة، وعلى ذاك فثمّة حاجة إلى وجود هذه المنصّة بلغتهنّ. إنّ الحرب الحقيقيّة كامنة في ساحة الحكاية. نحن نقدّم حكايتنا، إن شئتم تصديقها فلتفعلوا، أريد سردها كما حدثت بالضبط. ثمّ إنّ وجود هذه المساحات أمر حديث، بدأ بالنشوء في العقد الأخير. هذه مرحلة لمّا ننته منها بعد، ومن الضروريّ أن تتّخذ وقتها ومساحتها، ولسنا جميعًا مطالبات بمواكبة التغيير. نشعر أحيانًا بأنّ اللائمة تُلقى على كاهل النساء من أجل إحداث هذا التغيير، يكشفن قصصهنّ ثمّ يسألن: ما العمل؟ لا، نحن لسنا مطالبات بإيجاده الآن.

ما يهمّنا في «حمّام راديو» ومساحات أخرى هو "القصّة". كما أنّا لا نتحدّث بالضرورة عن القصّة الّتي تحتوي على تعنيف، أو تلك الّتي تتطلّب جرأة لسردها، إنّما كلّ قصّة، أيّ قصّة، دون أن تكون ذات صوابيّة سياسيّة.  

 

فُسْحَة: وهل تعتقدن أنّ هذه المساحات قادرة على خلق جديد في عالم الأفكار في العالم العربيّ، ومن ثَمّ المساهمة في صياغة التنظير للفكريّ النسويّ الّذي يلائم هذه المرحلة؟

رشا وعبير: ما مِنْ جواب بسيط، لكن دعينا نعود لمسألة استعادة الملكيّة على القصّة والمنصّات، ولإعادة الاعتبار للحراك النسويّ العربيّ. إن كنت تتابعين ما يحدث في مصر وسوريا ومناطق أخرى من نشر لشهادات النساء، فستلحظين زخمًا يخرج إلى السطح، ودورًا للحراك النسويّ يمكن تتبّعه من خلال النقاش الدائر والأسئلة الّتي تُطرح. وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة في السياقات السياسيّة بين بلدان مثل مصر وسوريا، وعلى الرغم من الفوضى الّتي تعمّ المشهد، إلّا أنّ هناك خطوط وصل نراها ربّما لأوّل مرّة. النساء يستعدْن ملكيّتهنّ على أجسادهنّ وعلى حكايتهنّ، دون اعتبارات لمفاهيم مجتمعيّة كثيرة. مثلًا، سقط شيء في قيمة العائلة والمجتمع؛ قيم الأسرة المصريّة، على سبيل المثال، تُنووِلت بشكل ساخر، ثمّ إنّ ضرورة محاورة القيم المجتمعيّة من قِبَل الحراكات النسويّة سقطت هي الأخرى.

نشهد اليوم جرأة في الطرح، خالية من التأتأة والخوف من الخسارة، وهذا، بالضرورة، سيُسهم في رسم شكل المستقبل، وسيؤثّر في الحركة النسويّة. نحن نرى ذلك في فلسطين أيضًا، فدون أيّ إلغاء لدور الحراك النسويّ الفلسطينيّ السابق، إلّا أنّ صوته يعلو اليوم.

لم تعُد قضايا النساء قضايا محلّيّة، بل تتقاطع مع قضايا المرأة في العالم العربيّ ككلّ، وما طُرِح في غرف مغلقة أصبح مطروحًا في العامّ، كدور المثقّف ودور السياسيّ وصورتهما، مثلًا. فمَنْ كانت خائفة من الحديث بسوء عن كاتب ما أو مثقّف ما، فلن تخاف اليوم. تشعر المرأة اليوم بقوّة أكبر، وسيطرة أعلى على المعلومة وعلى القصّة، وعلى الرغم من كلّ التشويش، فهذه القوّة مرئيّة جدًّا.

 

 

أسماء عزايزة

 

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها ثلاث مجموعات شعريّة؛ "ليوا" (2010)، و"كما ولدتني اللدّيّة" (2015)، و"لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب" (2019). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا "فناء الشعر"، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. تكتب في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook