قصّة "قُصَصْ"، مشروع قصص للأطفال باللهجات العربيّة العاميّة

أنا ريم مخُّول، ابنة البُقيعَة، في الجليل وأُقيم منذ ثلاث سنوات في مدينة نيويورك، حيث أعمل في الصّحافة. هذه إطلالة باللغة الفُصحى أتطرق فيها وأُقدِّم من خلالها توطئةً لعمل اختيرت له اللغة العاميّة المحكيّة قُصَصْ -Stories، دارًا للنشر أنشئت حديثًا في نيويورك.

في الواقع لا أرى سببًا وجيهًا للخوض في السّؤال الأوّليّ، أي لماذا نعتبر الكتابة باللغة العاميّة، لغة المحادثة، كأنّها خروج على اللغة واستهانة بها؟ إن الإجابة على هذا التّساؤل، خصوصًا عند الذين يتقنون اللغة الفُصحى هي إجابة تلقائية واضحة. فقد منحنا الله، فيما منحنا، لغةً جميلةً إذا قيلت بالفُصحى وهي ذاتها جميلة كلغة كلام ومحادثة عاميّة.

هكذا كان إذ رأينا، أنا الأم العربيّة وزوجي ستيفن فارِل، ذو الجذور الإيرلنديّة، والذي نشأ في بريطانيا، أن لملمة اللّغة العربية بين يدي ابنتنا التي تسمع اللغة العاميّة ولا تتقن بعد اللغة الفُصحى، أدّت إلى إقامة أول نواة - قصة عنوانها 'البِنْت اللِّي ضَيَّعَت خَيالْها'.

وحيث أن ما تحتاج إليه ابنتنا هو ما تحتاج إليه أعداد كبيرة جدًا من الأطفال العرب، الذين أدّت بهم دروب الحياة، على أشكالها، وعلى ايجابيّاتها أو سلبيّاتها، إلى جهد غير عادي في لملمة لغتهم ومواكبتِها والنشوء على هديها. لقد لمسنا أثناءَ بحث مشروعنا مع شرائح مختلفة من المجتمع العربيّ أن النظرة الأولى وغير المدروسة كانت ضد مشروع العاميّة، وذلك لنظرة الأهل لأهميّة تعليم الأطفال اللغة الفُصحى، ثم لاحظنا أن مراجعةً هادئة تأخذ بالحسبان كل الاعتبارات اللاّزمة، وخصوصًا مصلحة الأطفال أدّت، في نهاية الأمر، إلى قبول الفكرة وتبنّيها في كثير من الأحيان. أنا أعرف الكثير من الأهالي العرب في العالم العربي وفي الشتات، ولقد عرضنا أمامهم المسودّات الأولى من قصّة 'البِنْت اللِّي ضَيَّعَت خَيالْها'، وكانوا مسرورين لقراءتها على أطفالهم لأنهم رأوا أنها بوابة لتوصيل اللغة العربية إلى أولادهم.

كان السبب الرئيسيّ لبدء مشروع كتابة قُصَصْ للأطفال بالعربيّة العاميّة هو لأنني كنت أشعر بأن كتب الأطفال مكتوبة بلغة رسمية جدًّا. حتى كفتاة شابة كنت دائما أتساءل لماذا كانت كتب الأطفال والرسوم المتحرّكة للأطفال كلها بالفُصحى، وبدا الأمر غريبًا جدًا بالنسبة لي، أن العربيّة الفُصحى هي التي تخرج من أفواه الأطفال في هذه الأفلام. كان واضحًا بالنسبة لي أن القصص التي أكتبها ستكون بالعاميّة لا بالفصحى. أردت أن أقرأ قِصصًا لابنتي باللّغة التي تسمعها وتتكلمها كل يوم معي. وأردت قصصًا من خلالها أقرأ المكتوب بالصفحة، من دون أن أضطر إلى تحويل الكلمات وترجمتها من الفُصحى إلى العاميّة لكي تفهمها ابنتي.

'البِنْت اللِّي ضَيَّعَت خَيالْها' تروي قصّة بنت عربيّة اسمها شهرزاد تسكن في مدينة نيويورك تضيّع خيالها ليوم واحد. هناك العديد من كتب الأطفال تروي أحداثًا من الشرق الأوسط، وهذا بحد ذاته مطلوب وجيد، لكن نظرة أوسع إلى حياة أطفالنا في الشتات تؤكد أنهم ينكشفون لأمور تغني فيهم ما يعطيه العالم الواسع، وعليه، فكان لا بد من الانتباه لهذا الأمر، وإعطائه حقه دون المساس بالموروث الأصليّ، الذي يتعلمه الأطفال من كتب نشأت في صلب تراثهم الاجتماعي. ابنتنا شهرزاد، التي تبلغ خمس سنوات، كانت الإلهام الحقيقي من وراء القصة ومشروع قصَصْ بالعاميّة.

لقد بدأنا في تبني اللهجة العاميّة الشاميّة والتي تطيب لآذان أهل الشام ولبنان وفلسطين والأردن، وقد قمنا بمجهود كبير لتلافي الوقوع بأخطاء قد تكون نتيجةً لتأثّر منطقة ما بلهجة إضافية أنستها الكلمة الشاميّة الأصلية. أما في المرحلة القادمة، فسوف نكون على أبواب تجربةٍ جديدة تتبنى اللهجة المصريّة وما يناسبها من اللهجات الخليجية.

الهدف من مشروع 'قُصَصْ -Stories' هو أن نقدّم خيارًا جديدًا في عالم كتب وأدب الأطفال، نكون قد أسهمنا ودفعنا بعجلة التطور الذي نتوخاه. هناك عالم واسع وكبير لكتب مكتوبة بالفُصحى وهذه الكتب تملأ المكتبات والرفوف. كتبنا جاءت لتعرض خيارًا جديدًا. نحن نأمل أن الأطفال العرب الذين ينشؤون في الشتات ويقرأون كتبنا أن يفتخروا بلغتهم وجذورهم العربيّة، وأن يقرؤوا من أجل التمتع والتعليم.

لقد خطونا الخطوة الأولى فسُعِدنا بنجاحنا وسُعِدنا بما أثرينا به ابنتنا، وكل الأطفال الذين تناولوا الكتاب بجديّة وبحس من المسؤولية. ونرجو أن تصل دعوتنا إلى جميع الأهل الذين يهمهم إثراء أطفالهم بلمسة من لغتنا الجميلة.

الكتب موجودة في المكتبة العلمية بالقدس، شارع صلاح الدين.

موقع 'قصص' الإلكترونيّ

تحميل النّسخة الإلكترونيّة من قصة 'البنت اللي ضيّعت خيالها'

 

تعليقات Facebook