شعر وموسيقى يوحّدان غزّة وحيفا ورام الله

انطلاقًا من إيمانها بأنّ الشعر والموسيقى لا تأسرهما حدود ولا يوقفهما حاجز، ولا حتّى رغبة الساسة في تقسيم ما قسّمه الاحتلال، نظّمت مجلّة 28 أمسية 'الشعر يوحّدنا'، التي استضافت عشرة شعراء فلسطينيّين من غزّة والضفّة الغربيّة وأراضي 48، بتمويل خجول من مؤسّسة 'بال ثنك للدراسات الإستراتيجيّة'، ضمن مشروع تعزيز منظّمات العمل الأهليّ في تحقيق الوحدة المجتمعيّة على المستوى الوطنيّ.

منذ انطلاق الفكرة والبدء بتنفيذها، لم يكن طاقم مجلّة 28 وحدهم الفاعلين من أجل إنجاحها، بل كان ثمّة تكاتف حقيقيّ بين فريق العمل والشعراء المشاركين، إذ كان للشاعرة هلا الشروف الدور الرئيس في التنسيق مع مركز خليل السكاكينيّ لاستضافة الأمسية بالتوازي مع غزّة، كما يقول الطاقم.

مهما انقسم السياسيّون

وسط حضور واسع للمثقّفين والفنّانين والأدباء والمهتمّين بالمشهد الثقافيّ، في مسرح الهلال الأحمر بمدينة غزّة، وقاعة مركز خليل السكاكينيّ بمدينة رام الله، قال الدكتور عمر شعبان، مدير مؤسّسة 'بال ثنك': 'نحن سعداء جدًّا بهذا الجهد، ولكوننا في ’مؤسّسة بال ثنك للدراسات الإستراتيجيّة‘ جزء منه، والذي انتظرنا، جميعًا، أن يكون على النحو الذي سيظهر أمامكم في هذه الأمسية. كما أوجّه رسالة إلى إخوتنا في رام الله وحيفا، وكلّ فلسطين، أنّه مهما انقسم النظام السياسيّ، سيبقى الشعب الفلسطينيّ موحّدًا بمشاعره وكينونته وأفكاره وطموحاته'.

في الأعلى: أسماء عزايزة؛ عثمان حسين. في الأسفل: أحمد بعلوشة؛ أحمد الحاجّ أحمد؛ أيمن أبو عبدو

استضافت الأمسية الشعراء: أحمد الحاجّ أحمد، وعثمان حسين، وناصر رباح، ومحمود الشاعر، من غزّة؛ وخالد جمعة، ووليد الشيخ، ووسيم الكردي، وهلا الشروف من رام الله؛ وأسماء عزايزة وعلي مواسي من حيفا؛ وكذلك فرقة 'الثلاثيّ نغم' الموسيقيّة، التي أسّستها مجلّة 28 مؤخّرًا، وطلائع فريق قصر الثقافة للفنون الاستعراضيّة.

مشروع تواصل

قالت الشاعرة أسماء عزايزة لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة حول مشاركتها: 'أهمّ ما في هذه الأمسية أنّها الأولى التي تضمّ شعراء من غزّة والضفة الغربيّة وأراضي 48، حتّى وإن كانت فعاليّة واحدة يتيمة. كما أنّها المرّة الأولى التي أقرأ فيها أمام جمهور غزّيّ'.  وتضيف: 'لم يكن الموضوع مجرّد قراءة عبر شاشة إلكترونيّة، لقد شعرت وأنا أقرأ نصوصي أنّني، فعلًا، على خشبة المسرح في غزّة'.

وعن سؤالنا لها عمّا يمكن أن يحقّقه الشعر والموسيقى في وجه التفتّت والانقسام الذي يفرضه الساسة، قالت عزايزة إنّ الانقسام، كما ترى، نتيجة سبعين سنة من الاحتلال والنكبات المتتالية، وأنّ مثل هذه المبادرات تقفز عن أزمات الساسة والمشاكل المترتّبة عليها. وأضافت أنّ المثقّف يجب أن يتجاوز أزمات الساسة وما يترتّب عليها، واستثمار هذه الطاقات والمبادرات في وضع حجر أساس لبناء مشروع يضمّ الشعراء والمثقّفين والفنّانين والمبدعين الفلسطينيّين، ويعمل على خلق قنوات من شأنها أن تسهّل تواصلهم مع بعضهم البعض.

الشاعران هلا الشروف وخالد جمعة في مركز خليل السكاكينيّ، رام الله

قريبون

وتحدّثت فُسْحَة إلى الشاعر عثمان حسين، الذي قال: 'فكرة الأمسية سابقة تحسب للمشهد الفلسطينيّ، وقد وجّهنا عبرها صرخة حقيقيّة في وجه السياسيّ الرافض، عن قصد، تخلّيه عن الانقسام، ونحن قليلًا ما نشهد وحدة ثقافيّة كالتي شهدناها في هذه الفعاليّة'. وأضاف: 'اكتملت وحدة الشعر بوجود شعراء من أراضي 48، ولا يمكننا كفلسطينيّين تجاهل هذا العنصر الفاعل فلسطينيًّا'.

وكان لنا حديث أيضًا مع الكاتب أحمد بعلوشة، الذي تابع الأمسية من مركز خليل السكاكينيّ، قال: 'تابعت الأمسية من مركز خليل السكاكينيّ، لم أشعر للحظة أنّنا بعيدون عن خشبة مسرح الهلال الأحمر في غزّة، ولا عن الغرفة التي خرج منها علي وأسماء من حيفا، كنّا نسمع الشعراء جميعًا ونتفاعل معهم كما لو أنّهم جالسون أمامنا مع خالد وهلا ووسيم'.

كسر المعيقات

وقالت الشاعرة هلا الشروف: 'استطاع الشعر أن يكسر ويتجاوز كلّ المعيقات، لم أفكّر للحظة في مسألة قبول المشاركة في هذا التجمّع الشعريّ الذي انطلق من غزّة. لم أتردّد أبدًا'. وتضيف: 'إنّ الحضور أمام جمهور غزّيّ كان فكرة تكسوها الفنتازيا وتكاد تكون مستحيلة أمام كلّ الظروف التي يعيشها القطاع. شعرت، على مدار ساعتين، أنّني كنت في غزّة، وأعتقد أنّه لم يكن شعوري وحدي'.

واختتمت بالقول: 'أنا ممتنّة جدًّا لهذه المبادرة التي صنعتها مجلّة 28 بجمع الشعر والشعراء لصناعة مشهد وطنيّ موحّد، على الرغم من فشل السياسيّين بجمع الأماكن الثلاثة التي انطلقت منها فعاليّة ’الشعر يوحّدنا‘ في حدث واحد'.

تحدٍّ

وعن تنظيم الأمسية، قال الشاعر أحمد الحاجّ أحمد، مستشار هيئة تحرير مجلّة 28: 'حين فكّرنا في مبادرة فنّيّة أدبيّة تقدّم رسالة تواجه الواقع المنقسم والمفتّت، لم نذهب باتّجاه الندوات والحديث المعتاد والمكرّر الذي ملّ الفلسطينيّ سماعه عبر شاشات التلفزة وفي قاعات المؤتمرات. كان لا بدّ لنا في مجلّة 28 أن نفرض على أنفسنا تحدّيًا كبيرًا لا يحقّقه إلّا الشعر والموسيقى؛ فتقديمهما لجمهور من غزّة ورام الله وحيفا، في ظلّ إمكانيّات تكنولوجيّة محدودة، وتمويل بالكاد غطّى تكاليف العمل، كان تحدّيًا كبيرًا لا يشبه ما يتطلّبه عقد ورشة أو مؤتمر عبر ’الفيديو كونفرنس‘'.

وأضاف: 'نرى في مجلّة 28 أنّنا نجحنا في تجاوز العقبات والمعيقات برغبتنا الجامحة للّقاء والعناق، بوصفنا شعراء فلسطينيّين فرّقتنا الجغرافيا وأفعال الساسة، وذلك بدعم من الأصدقاء الشعراء والموسيقيّين الذين بذلوا كلّ ما في وسعهم ليكون هذا اللقاء من خلال الفضاء الإلكترونيّ، على أمل اللقاء في وحدة جغرافيّة واحدة'.

وعن مشاركتهم في الأمسية، قال الفنّان أيمن أبو عبدو، عضو فرقة 'الثلاثيّ نغم': 'حاولنا من خلال مشاركتنا في هذه الفعاليّة نبذ الانقسام وتبعاته السيّئة، وإيصال رسالة للأشقّاء في رام الله وأراضي 48، مفادها أنّ الاحتلال والانقسام لا يمكنهما تفريقنا، وأنّنا من خلال الموسيقى نسعى للتأكيد على وحدتنا كشعب أمام كلّ الأزمات التي نواجه'.

 

 

تعليقات Facebook