أيّام القدس الأدبيّة: بدأت بـ "سؤال" وانتهت بـ "اليوم السابع"

طارق بكري في محاضرة "كنّا وما زلنا"

قدّمت 'أيّام القدس الأدبيّة'، التي نظّمها مركز يبوس الثقافيّ، من الثامن حتّى السادس عشر من آذار (مارس)، منصّة إبداعيّة ومعرفيّة غنيّة ومتنوّعة، جمعت الأدب والنقد والتوثيق والفنون البصريّة في مساحة واحدة، شاركت فيها أسماء تنتمي لأجيال مختلفة، وسط إقبال كبير من شريحة الشباب.

على شفا القيامة

اختتمت 'ندوة اليوم السابع' التي احتفلت، مؤخّرًا، بمرور ستّة وعشرين عامًا على انطلاقتها، فعاليّات الأيّام، مع إطلاق ديوان 'على شفا القيامة' للشاعر المقدسيّ رفعت زيتون.

يقع الديوان، وهو العمل الشعريّ الثالث لزيتون، في 104 صفحات من القطع المتوسّط، وعنه قال الكاتب والروائيّ المقدسيّ جميل السلحوت، إنّه يثبت كون الشعر لحظة شعور معيّنة تلحّ. كما أشار إلى غياب القدس مدينةً ينتمي إليها الشاعر في الديوان، وقد ردّ ذلك إلى الربيع العربيّ الذي جاء بويلات وانكسارات، ربّما تكون سببًا في ضياع طويل للقدس وغيرها من العواصم، وفق السلحوت. كما يرى أنّ بعض قصائد الديوان جاءت ردّة فعل على قصائد لشعراء عرب مثل أحمد مطر ومحمود درويش، كما لوحظ تأثّر الشاعر بمظفّر النوّاب، وهو ما ظهر جليًّا في قصيدة بعنوان 'أكاد أموت اختناقًا'.

صورة ورسمة

ومع الأخوين شهاب وعيسى القواسمي، بدأت فعاليّات اليوم الخامس، عبر معرضهم 'صورة ورسمة'، حيث قدّم شهاب مجموعة من رسومات كتابه 'كان ياما كان... القدس قبل مائة عامالمشروع التوثيقيّ الذي بدأ يرى النور عام 1984، قبل أن يكتمل نهاية العام الماضي، 2016، مع سبعين لوحة شكّلتها أقلام الرصاص.

أمّا عيسى، فحوّل صورًا للقدس وتفاصيلها الجميلة، التقطها بعدسة هاتفه الذكيّ، إلى لوحات طبعها على قماش 'الكانفاس'، وهي صور كان ينشرها وحكاياتها على صفحته في 'فيسبوك'، ما جعلها حلقة وصل بين فلسطينيّين غيّبتهم مأساة التهجير والقدس، وغيرها من الأماكن في فلسطين.

مأساة السيّد مطر

في يومها الرابع، ناقشت 'أيّام القدس الأدبيّة' رواية 'مأساة السيّد مطر' للكاتب الشابّ مجد كيّال، وعنها قال الكاتب والأديب المقدسيّ إبراهيم جوهر: إنّها فانتازيا من القتامة والجرأة، وغوص في القصّة المسكوت عنها. هي رواية حكت قصّتنا الإنسانيّة، قصّتنا الغرائبيّة والساخرة بذات الوقت، فمجد نقل واقعنا وكأنّنا ننظر إلى مرآتنا.

وعن الجوانب الفنّيّة في الرواية، قال جوهر إنّها مذهلة وطريفة وغريبة، فالكاتب الشابّ قدّم للقارئ طبقًا من الإبداع والغموض، رغبة منه في دفعه للسؤال.

أمّا التوثيق الذي تعمّد مجد تضمينه على نحو دقيق في روايته، فقد أراد من خلاله، ربّما، أن يقول: عندما سُرقت أرضي، تعلّمت أن أعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فهو ضدّ السرقة بمختلف أشكالها.

كنّا وما زلنا

أمّا الشابّ المقدسيّ طارق البكري، صاحب مبادرة 'كنّا وما زلنا'، فقد رافق عشرات المقدسيّين في رحلة توثيقيّة إلى أحياء مقدسيّة وفلسطينيّة عدّة، روى لهم قصّة عدد من بيوت أحياء البقعة والطالبيّة في القدس، وأحياء يافا، تلك البيوت التي تركت عنوة لأغراب يقطنونها اليوم.

يقول طارق إنّ أوّل بيت حاول توثيقه ضمن مشروعه، كان بيت الفلسطينيّ عزّت طنّوس، في حيّ الطالبيّة شمال المدينة، بحث مضنٍ انتهى إلى أحد أحفاد طنّوس عبر موقع التواصل الاجتماعيّ  'فيسبوك'، فلمعت الفكرة في رأس طارق وقرّر الاستمرار في مبادرته.

'كنّا وما زلنا' مبادرة تحفر عميقًا في تاريخ الشعب الفلسطينيّ، يسرد صاحبها قصصًا، يأخذ المهجّرين إلى قراهم، يعيش معهم لحظات لا تمحى من الذاكرة، ومن ضمنها قصّة مقتنيات صندوق عُثر عليه في محلّ لبيع التحف الشرقيّة، كانت تملكه عائلة الأفغاني التي يقيم جزء منها اليوم في الأردنّ، وكيف كان في فلسطين 22 مكتب بريد نهاية القرن الثامن عشر.

أمّا برتقال يافا، فكان يُقايض تجّاره بوزنه وكيل سيّارات مرسيدس في فلسطين، للحصول على سيّارة من هذا النوع، وقد أشار بكري إلى أنّ فلسطين صدّرت 12 مليون صندوق برتقال عام 1948!

سؤال

افتُتِحَت فعاليّات 'أيّام القدس الأدبيّة' بأمسية شعريّة للشاعرين علي مواسي وأسماء عزايزة، بعنوان 'سؤال'، وقد كانت أوّل حدث ثقافيّ يُنظّم في 'دكّان الفنون' المفتتح حديثًا في يبوس.

قرأ مواسي وعزايزة قصائدهما على نحو متداخل، طرحا فيها أسئلة عميقة ومعاصرة حول الحبّ، والحرب، والوطن، والغربة، والهويّة، والتاريخ، والحاضر. وعلى الرغم من قسوة الواقع المحيط، وما يشهده من خراب عبّرت عنه النصوص، إلّا أنّ الأمل والإصرار على الحياة كانا واضحين في التجربة الشعريّة.

ولم تقتصر الأمسية على الشعر وحده، فقد حاور الجمهور مواسي وعزايزة حول الواقع الثقافيّ الفلسطينيّ، لا سيّما الأدبيّ، وحول مهمّة الشعر في السياق الفلسطينيّ والعربيّ المعاصر.

تطرّق مواسي إلى المشهد الثقافيّ في القدس، مشيرًا إلى أنّها تشهد حراكًا ثقافيًّا لافتًا، مؤسّساتيًّا وشعبيًّا، يتميّز في كثير من الأحيان بأنّه رفضويّ، مثل سلسلة قراءة الشهيد ببهاء عليّان، أو الفعاليّات التي كانت تنظّم في خيمة اعتصام 'مش طالعين'، لكنّ هذا المشهد يظهر غير منظّم ومشتّت، وذلك، على ما يبدو، لعدم تنسيق الجهود الثقافيّة وعمل المؤسّسات والمبادرات وكأنّها جزر وجماعات مختلفة.

أمّا عزايزة، فقد سُئِلَتْ عن توظيفها لبعض المصطلحات الأجنبيّة، لا سيّما ذات العلاقة باليهود وتاريخهم، مثل 'أوشفيتس' وغيرها، فقالت إنّ الكاتب يجب أن يتناول الحياة ويتحدّث عنها وينقدها كما هي، من دون أيّ تحوير أو تجميل لها، مؤكّدة على أنّ بعض المصطلحات والمفاهيم، وإن كانت لا تنتمي لثقافتها الأمّ، إلّا أنّها حاضرة في وعيها ولا يمكنها أن تنفيها من لغتها.

السيرة والمسيرة

وفي معرض تشكيليّ بعنوان 'السيرة والمسيرة'، عُرضت مجموعة من اللوحات للفنّان التشكيليّين، الراحل إسماعيل شمّوط وزوجته تمام الأكحل.

أراد الثنائيّ تسجيل قصّة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته بكلّ أبعادها، كما عاشاها وعرفاها من خلال رحلتهم في عالم الفنّ التشكيليّ. يقدّم الفنّانان لوحات وجداريّات تلخّص تجربة الفلسطينيّين الحياتيّة والإنسانيّة، منها لوحة ليافا عروس البحر وسيّدة البرتقال، وأخرى ليافا بعد الاقتلاع، اقتلاع أهلها وتهجيرهم، والتي تصوّر كيف بدأت العصابات الصهيونيّة اقتحام أحيائها وإرغام أهلها على تركها بقوّة السلاح.

ومن اللدّ إلى الرملة، ومن رام الله إلى بيت لحم فخانيوس، يصوّر الراحل شمّوط كيفيّة حشر اللاجئين الفلسطينيّين في مخيّمات مسيّجة، لتبدأ مساعدات الأمم بالوصول، وكيف كانوا يقفون أمام مكاتب الأونروا في طوابير لا تنتهي.

دكّان للفنون

وفي إطار 'أيّام القدس الأدبيّة'، واحتفالًا بمرور اثنين وعشرين عامًا على تأسيس يبوس، افتُتِحَ 'دكّان الفنون'، حيث يجد مرتاد المركز حاجته من الأعمال والإصدارات الفنّيّة والأدبيّة والحرفيّة الفلسطينيّة.

تقول رانيا إلياس، مديرة المركز: 'في هذا الدكّان نسعى إلى استقطاب كلّ الشرائح المجتمعيّة؛ الأطفال والباحثين عن إصدارات مكتوبة ومرئيّة ومسموعة. معظم الأشغال اليدويّة صُنع بأيدي سيّدات مقدسيّات، سيساعدهنّ بيعها على الوصول إلى التمكين الاقتصاديّ، لهنّ ولأسرهنّ'.

وترى إلياس أنّ 'دكّان الفنون' سيكون نواة لمشروع السياحة البديلة المأمولة، جزءًا من المشروع الوطنيّ الثقافيّ في القدس.

على مدار العام

وفي معرض تقييمها 'لأيّام القدس الأدبيّة' بنسختها الأولى، عبّرت إلياس عن سعادتها لنجاحها، والذي تمثّل، في أحد جوانبه، بالإقبال الكبير الذي تميّز بالعنصر الشبابيّ، ما يشير إلى تشكّل حراك ثقافيّ شبابيّ، لجيل جديد من الكتّاب والنقّاد والمبدعين.

ووفق إلياس، فإنّ هذه الأيّام أرادت أن تقول للمقدسييّن إنّ لا شيء يمكنه أن يحدّ من تطلّعاتكم الثقافيّة، على الرغم من كلّ الألم الذي تعيشه مدينتكم، وأكّدت على تنظيم دورات قادمة من 'أيّام القدس الأدبيّة'، تستمرّ على مدار العام، بأشكال وصور مختلفة ومتجدّدة، مع إعطاء مساحة أكبر للنساء في هذه الأيّام، وهو أمر غاب جزئيًّا، ربّما، في الدورة الأولى.

تعليقات Facebook