أقوى من الظرف: ظواهر مركزيّة في الحركة الأدبيّة الغزّيّة

الشاعران عثمان حسين وخالد جمعة في بيت أحد الشعراء بمخيّم الشاطئ عام 1991

 

أتحدّث في هذه الورقة** عن التجربة التي عايشتها شخصيًّا، كي لا أدخل في متاهات التأريخ للحركة الأدبيّة والفنّيّة في غزّة.

حصلت عام 1991 على عضويّة اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّين، وفي العام نفسه، تعرّفت إلى الشاعر عثمان حسين، الذي كان يعمل في القسم الثقافيّ في صحيفة إماراتيّة، ومن دون تنسيق أو تخطيط، بدأنا معركة أدبيّة تنتصر للجديد على السائد الراسخ، وحدثت عمليّة استقطاب هائلة في غزّة، مع وضدّ، بالطبع، شعراء التفعيلة والعموديّ، مقابل شعراء قصيدة النثر.

 

"عشتار"

وتجلّت تجربتنا الشخصيّة، أنا وعثمان، في إصدار مجموعة "رفح أبجديّة ومسافة وذاكرة"، التي أسالت الكثير من الحبر بين مَنْ يمدح ومَنْ يذمّ، لكنّ التحوّل الأبرز كان في صدور العدد الأوّل من مجلّة "عشتار" عام 1993، التي أسّسها عثمان حسين وانضممت إليها لاحقًا.

 

صدرت عام 1992

 

راهنت "عشتار" على الأصوات التي كانت تبدو جيّدة من وجهة نظرنا، لكنّها لم تكن تجد المنبر المناسب، فخرج من الجيل الذي تلانا شعراء مثل سميّة السوسي، وخالد عبد الله، وأنور أبو شمّا، وصباح القلازين، وكفاح الغصين، ووداد نصر، وسامية الحولي، وهدى الحولي، وبثينة الهوبي، وسعاد أبو ختلة، وقاد هؤلاء الشباب معركة حقيقيّة ضارية لتثبيت قصيدة النثر شكلًا أدبيًّا، في الوقت الذي كان كتّاب قصّة قصيرة لا يقلّون مستوًى عنهم، وفتح هذا الجيل الطريق لجيل أتى بعده، من أمثال يوسف القدرة، ومحمود ماضي، وسائد السويركي، ونصر جميل شعث، وناصر عطالله، وغيرهم، وهذا الجيل بدأ نقاشه مع أساتذة الجامعات، بشكل جعل النصّ الجديد في محور النقاشات، سواء اتّفقت معه أم لا.

 

العائدون من الخارج

بعد معاهدة أوسلو، جاء إلى غزّة عدد من المبدعين الذين حقّقوا إنجازات كبيرة في الخارج، مثل أحمد دحبور، ومحمّد حسيب القاضي، ومحمّد القيسي، وغيرهم، وهؤلاء تداخلوا في مشهد غزّة الثقافيّ بنِسَبٍ وآراء مختلفة، ساعدت في تطوّر المشهد بما أضافته من خبرات لم تكن متوفّرة في غزّة، وساهم أوّل معرض كتاب نُظّم في غزّة عام 1996، في الكثير من العلاقات والقراءات التي كانت تفتقدها.

 

عادو إلى غزّة وأثّروا: محمّد حسيب القاضي، ومحمّد القيسي، وأحمد دحبور

 

بعد ذلك، ظهر جيل كانت مواجهاته أقلّ حدّة، بسبب دور الأجيال التي سبقته، والتي أخذت حدّة السكين، فظهر في المشهد هشام أبو عساكر، ومحمود الشاعر، وهند جودة، ومحمّد الزقزوق، وأنيس أبو غنيمة، ومجد أبو عامر، وكثيرون غيرهم، وتبعهم جيل آخر يتمثّل الآن في يحيى عاشور، ورنا مرتجى، وأسماء أخرى.

هذه الأسماء ليست بالضرورة كلّ مَنْ خلق الحالة في غزّة، بل هي التي أذكرها في هذه العجالة، وسأضيف أيضًا، أنّ نوعًا من الكتابات ظهر في غزّة، تمثّل في الكتابات الساخرة، مثّلها أحمد بعلوشة، وأكرم الصوراني، وعدد آخر من الكتّاب.

 

بطل قابل للانكسار

في زاوية أخرى، لم تتوقّف المسألة عند كتابة الشعر والقصّة، بل إنّ مفصل معاهدة أوسلو قد غيّر الخريطة الجينيّة للشعر الشابّ؛ فبعد أن كان البطل أسطوريًّا لا تخترق جسده الرصاصة، أصبحت الكتابة من الجرأة بحيث تحكي عن انكسار البطل، عن اليوميّ والساذج والمسكوت عنه، عن الحبّ والضياع والحصار والموت والفرح والأغاني؛ لم يعد للشعر موضوع محدّد، وهذه الحالة ازدادت وضوحًا بعد الانقسام، فأحد عشر عامًا من الانقسام أحدثت تحوّلًا آخر لدى الجيل الذي نشأ في هذا العقد، على مستوى الكتابة، والرسم، والأغنية، والموسيقى.

 

أجيال متعاقبة: جانب من كتّاب غزّة المذكورون في المقالة

 

إذًا، نحن أمام ثلاثة تحوّلات مفصليّة في الحركة الأدبيّة في غزّة، وربّما تكون غزّة، بطبيعة تكوينها تاريخيًّا، سريعة التأثّر بالأحداث السياسيّة والاقتصاديّة، على الأقلّ أسرع من غيرها، ولنا في الانتفاضة الأولى مثل.

 

أمّا الإبداع...

الظاهرة الأكثر بروزًا في غزّة، عدم الاستسلام للظرف، على المستوى الإبداعيّ؛ ينشط الكتّاب في غزّة حتّى في ظروف كتلك التي يعيشونها الآن، ففي وسط الحصار وقلّة الإمكانات، أنشأ محمود ماضي ومحمود الشاعر "دار خطى للنشر"، الدار التي أصدرت تقريبًا، وفي عام واحد، أكثر من عشرة إصدارات في غزّة، مع ما تعانيه من مشاكل في التوزيع، وفي نوعيّة الورق والمطابع الموجودة، التي تآكلت نتيجة الحصار، وأنبّه هنا إلى أنّ أوّل كتاب طبعته الدار، كان للراحل الشابّ مهنّد يونس، الذي وُجد منتحرًا ذات يوم في أحد منازل غزّة.

 

دار خطى للنشر: أكثر من عشرة إصدارات خلال عام واحد

 

غزّة مليئة دائمًا بالمفاجآت، الأدبيّة بخاصّة، وكلّما ازداد الضغط عليها، خرجت منها نصوص لا تُصَدّق. لا يعني ذلك أنّ الإبداع لا يخرج إلّا من المعاناة، إنّما هو إقرار بواقع حال فقط؛ فأنا شخصيًّا لا أعرف السبب وراء هذا الكمّ الهائل من الفنّ الذي يخرج من غزّة، كتابة، ورسمًا، وموسيقى، وغناء، ومقالات، وحتّى إن لم يعرف أحد ذلك في المستقبل، فالأهمّ من كلّ هذا أنّ غزّة تصدّر مقولة مهمّة جدًّا؛ أنّه يمكنك أن تدمّر بيوتًا، وأن تحرق مزروعات، وأن تقتل أبرياء، أمّا الإبداع، فلا توجد آلة من تلك الآلات التي اخترعها البشر، قادرة على قتله.

 

** قُدّمت هذه الورقة في الجلسة الثانية من أعمال "نصوص غزّيّة - تظاهرة أدبيّة"، الطوعيّة المستقلّة، التي شارك فيها 40 كاتبًا وإعلاميًّا وفنّانًا فلسطينيًّا، قرؤوا خلالها نصوصًا لكتّاب غزّيّين في أرض معرض فلسطين الدوليّ للكتاب الـ 11، وذلك رفضًا لسياسات الاستعمار الإسرائيليّ، وللحواجز والمسافات والحصار التي يفرضها على الشعب الفلسطينيّ، وتأكيدًا على وحدة الثقافة والإبداع.

 

 

خالد جمعة

 

شاعر فلسطينيّ وكاتب للأطفال يقيم برام الله. يعمل محرّرًا للشأن الثقافيّ في وكالة "وفا". له تسعة إصدارات شعريّة، وعشرون إصدارًا في أدب الأطفال، وأعدّ مجموعة من المسرحيّات، كما كتب أكثر من 100 أغنية لحّنها أهمّ الملحّنين الفلسطينيّين. تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عالميّة عديدة.

 

 

 

تعليقات Facebook