حقيبة مليئة بالضحك | نصوص

طوني آدامز

 

"حقيبة مليئة بالضحك"، كتاب جديد لنوّاف رضوان، صدر مؤخّرًا عن منشورات المتوسّط – ميلانو، ضمن سلسلة "الأدب أقوى". ويقع الكتاب في 100 صفحة من القطع المتوسّط، وتتراوح نصوصه بين الشعر، والسرد، والقصّة القصيرة، تحاكي بعضًا من تجربة الشاعر خلال تنقّلاته بين الطيرة، وعمّان، وحيفا، وبرلين.

تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مجموعة من نصوص الكتاب بإذن من صاحبه.

..................

 

أقف أمام بوّابة الجحيم بعربتي الملوّنة

وأنادي:

آيس كريم آيس كريم آيس كريم

 

(...)

وصلت إلى البلاد، هكذا نسمّيها... "البلاد"، وكان عليّ أن أعمل، كنت أحتاج إلى الكثير من النقود حينها، وفي البداية عملت عند شلومو...

ويلي عليك يا شلومو!

"يجب أن تبتسم للزبون كلّ 11 ثانية"، هذا ما قاله شلومو المدير لي في اليوم الأوّل من العمل. "الزبون لا يخطئ... الزبون على حقّ... يجب أن يكون الزبون راضيًا على كلّ الأحوال"، بينما أتمتم في سرّي... كسّ أمّ الزبون.

أعمل في المخازن الخلفيّة للسوبر ماركت. في الباك ستيج، حيث لكلّ شيء باركود... الكراهيّة لها باركود، والحقد له باركود، والتعب له باركود، وكلّ كلمة أحبّكِ تحت الكاميرات لها باركود.

والله تعبنا يا شلومو... بدنا نرتاح بس خمس دقايق.

اشتغل خبيبي اشتغل... هاي إسغائيل وين مفكّر خالك إنت.

الذبائح المقشّرة معلّقة في الثلاجة العظيمة على شناقل تشبه علامات السؤال. لحم أحمر مكدّس في الزوايا ودم متجمّد، الثلاجة مليئة بالجثث والحبّ والعيون الجميلة الواسعة التي لا تنظر إلى شيء.

الخاروف الثالث على اليمين... ها هو. أنزلته من بين أخوته عن الجنزير ووضعته على أرضيّة الثلّاجة، سحبته من عظام مؤخّرته إلى الباب برفق. وأيّ شيء يقع بين يدي هذا الجزّار اليافيّ الحنون، يتحوّل بالضرورة إلى مفروم خشن أو مفروم ناعم أو مفروم نصّ نصّ.

طارت فروة رأس شلومو عندما رآني أجرّ الخاروف بهذا الشكل. نظرت إليه وهززت رأسي بثقة: "خاروف ضدّ الساميّة عيني".

عندما يغضب شلومو يصبح النقاش معه مستحيلًا، يخرج الدخان من أذنيه، وفي هذه الحالة عليك أن تشدّ سالفه الأيمن إلى الأسفل لتدور المراوح في رأسه. وأمّا سالفه الأيسر، فكان يشدّه مساعده ليضرب جرس الاستراحة عند الواحدة ظهرًا.

إنّه يوم الجمعة يا الله، إنّه يومك المفضّل، السوبرماركت ممتلئ عن آخره، أصوات الناس والعربات وأكياس البلاستيك، بلاستيك بلاستيك بلاستيك. كلّ شيء بلاستيك هنا، الثلّاجات مليئة بالأفخاذ والقوانص والخصاوي المغلّفة بشكل جيّد، والجميع يشتري الأشياء نفسها...

شلومو أسرع من ماكينة في عدّ النقود، وها نحن نركض داخل ماكينته الهائلة، نجرّ عجلة الاقتصاد كالعبيد من الثامنة صباحًا حتّى الثامنة مساءً، وتمرّ الأيّام من أمامنا كالغبار.

كنت صغيرًا على فهم هذه الأشياء، صغيرًا على فهم أنّ الفرق بين مسقط الرأس والوطن، كالفرق بين المهبل الذي تخرج منه إلى الحياة، والمهبل الذي تدخل به لاستمرار هذه الحياة، كنتُ صغيرًا على فهم أشياء كثيرة؛ أين تذهب فردة الجرابات التي تضيع دائمًا في الغسّالة، لماذا يسمّونه مهبلًا؟ لماذا لا يبكي أبي؟ لماذا لا يسلّم عليّ الكبار ويعطونني كروتهم؟ لماذا يصرّون على تسميته مهبلًا؟ كبرت... كبرت كثيرًا، وصافحني الكبار بحرارة وأعطوني كروتهم لأتّصل بهم متى أشاء، وصرت أصنع من كروتهم فلاترَ حشيش.

 

(...)

"أهلًا بكم في معبر وادي الأردن"، أنا في المكان المخصّص لهؤلاء الذين يملكون جوازات سفر، ولا يستطيعون اصطياد ذبابة في الهواء، مع أنّها الهواية الأقدم للبشريّة على الإطلاق، إلّا أنّ "ذبّان الغور" عصيّ على أن يكون مجرّد هواية بشريّة مقيتة لأناس يملكون جوازات سفر إسرائيليّة وأوروبيّة، ويشتكون من نظافة الحمّامات العربيّة.

قال لي صديق أردنيّ في بون – ألمانيا، هنا لا يعرفون أين تقع الأردن، لقد كان ذلك كافيًا لينهي علاقة لم تبدأ بعد مع حسناء أوروبيّة في أحد البارات الرخيصة، إذ سألته من أين أنت؟ فأجابها: أنا من الأردن، رائحة البيرة الرخيصة التي تفوح من فمه لم تستطع إنقاذه في وصف مسقط رأسه على الخريطة لامرأة ألمانيّة ثملة.

حاول أن يصف لها موقع الأردن بلغة ألمانيّة ركيكة، خلط الإنجليزيّة والألمانيّة والعربيّة، أحاط بالكرة الأرضيّة بيديه وهو يشرح لها الجغرافيا، بدءًا من تركيا نزولًا لسوريا ولبنان، إلى مصر والعراق واليمن، جفّ حلقه وهو يلهث في الصحراء العربيّة ليصل إلى الأردن.

ما أصعب أن تصف لهؤلاء الغرباء الثملين مسقط رأسك. قالت له ببساطة: بجانب إسرائيل؟ هي هناك بالفعل أيّتها الجميلة، تركيا وسوريا ولبنان ومصر والأردن والشرق الأوسط والعالم والكون يحيطون بإسرائيل، ونحن مجرّد جيران سيّئين وثرثارين في بارات العالم الأوّل... بصحّتك أيّها العالم المتحضّر.

 

(...)

ممتلئ بالضحك. أكره هذا البرد الذي يتسلّل الآن إلى عظامي، وأعشق البرد الذي يتسلّل إلى رئتيك الآن، أكره أنّني أخرج من البار وحيدًا، وحيدًا تمامًا ومتحرّرًا من كلّ شيء، من معطفك الثقيل الذي أحمله ريثما نصل إلى الباب، من رائحة جسدك التي تشبه رائحة الأسرّة الفارغة، من خصرك الذي يفقدني صوابي. هكذا ببساطة، متحرّرًا من كلّ شيء... حتّى منكِ.

هل تعرفين معنى أن يفقد الإنسان صوابه؟ معنى أن أقول لسائق التاكسي: خذني إلى البيت، فيقول لي: وحضرة جنابك وين ساكن؟ معنى أن أرتّب كلّ ما لم أقله لمالكة الغرفة عندما تسألني عن الإيجار، كأن أقول لها: لقد شربت بالإيجار كاملًا وأعطيت البقيّة للجرسون عاطف.

لقد كرهت هذا العاطف الذي يأتي كلّ مرّة بعد أن يتأكّد من أنّني سكرت بما فيه الكفاية لأصفك له: الكاذبة الحقيرة الجميلة. ما أحقرك وأجملك، وما أضعفني حين أكون وحيدًا وخائفًا من مواجهة القطرة الأخيرة في القنّينة.

تعال يا عاطف، هات قنّينة أخرى وسأحدّثك عن نهديها الخائفين، سأحدّثك عن هذه المدينة التي تشبه قنينة الفودكا الفارغة، سأصف لك الـ 49 نمشة المنثورة في وجهها، عن عامودها الفقريّ تحت إضاءة خافتة، سأصف لك عظامها عظمة عظمة. تعال يا عاطف وسأحدّثك عن كلّ هذه الأشياء التي لن تسمعها إلّا من رجل ضخم ووحيد أمام هذا الكون الهشّ.

تعال يا عاطف، اجلس مقابلي لأحدّثك وأنا سأتكفّل بكلّ شيء، سأعتني بنفسي أنا، سأصبّ الكأس الأولى فالثانية فالعاشرة فالمليون، أنا محشوّ بالكلام والكحول والوحدة وأحتاج إلى أن يسمعني أحد. أيّ أحد يا عاطف.

أنا لا أستطيع فعل شيء آخر، لذلك أكتب، لأعبّر عن نفسي. آه ما أسخف هذه الجملة. أنا لا أريد التعبير عن نفسي لأحد، الآخرون ليسوا جحيمًا، إنّهم فقاعة من الخراء الطازج. الجحيم في داخلي أنا. هل عرفتِ الآن لماذا أكتب لك؟ لأنّني الشيطان الهارب من الجحيم.

ماذا لو أصبحت رئيسًا الآن؟ الآن في هذه اللحظة بالتحديد، يجب أن أفكّر في القرار الأوّل الذي سأتّخذه بعد قليل، أنا رجل عمليّ وأحبّ إصدار القرارات... نعم نعم.

سأقول لهم مثلًا، إنّ الشعب رهن الاعتقال، أريد شعبًا مكسور الخاطر. سأطبع التوراة والإنجيل والقرآن في كتاب واحد وأسميه "أعمال الله الكاملة"، سأصدر حكمًا بالإعدام الفوريّ ودون استثناء على كلّ من يلبس ربطة عنق؛ سياسيّين وأدباء وأساتذة جامعات... سأخنقهم بربطاتهم المضحكة إلى أن تسقط عيونهم من وجوههم وتتدحرج كالكرات، سأعمّم الحشيش وأزرع الماريجوانا في كلّ مكان، سيكون شعارنا: نحو وطن أخضر...

 

أنا الطائرة الورقيّة التي أفلتت من يدك، وذهبتْ بعيدًا...

أنا الحجر الذي يتعثّر به الجميع، وأنت بالذات،

أنا ذلك الصدأ في قفل حمّالة صدرك السوداء،

أنا تلك الندبة التي ظهرت على كتفك مؤخّرًا،

أنا كتفك.

 

نوّاف رضوان

 

شاعر ومحرّر. درس اللغة العربيّة وآدابها في الجامعة الأردنيّة. يعمل محرّرًا في موقع عرب 48. صدرت له مجموعة شعريّة بعنوان 'الصلاة الأخيرة على بوّابة الكنيسة' (2013). مهتمّ بالتصوير والسينما.

 

 

 

 

تعليقات Facebook