خيري منصور... مثقّف مثقل بالهموم

خيري منصور (1945 - 2018)

 

لا أعلم بالضبط متى التقيت خيري منصور، ربّما لقيته ذات يوم في القاهرة، يوم التحق بـ "كلّيّة دار العلوم" مع زميليه عزّ الدين المناصرة وصالح أبو أصبع، لكنّه لم يترك أثرًا في هذه المرحلة من حياته، وكان حريًّا أن يكون معروفًا بين طلّاب الجامعة، لكنّي عرفت اسمه من نشاطه المتنوّع في النقد والإبداع، من "مجلّة الأقلام" الّتي كان من أعضاء هيئة تحريرها، وتعرّفت عليه أكثر من كتبه وإبداعه، حيث بدا صوته متميّزًا ومتفرّدًا، فيه نزعة أصيلة للتمرّد والاختلاف.

 

في بيت إحسان عبّاس

على أنّ معرفتي به توطّدت في التسعينات، حين كان يؤمّ بيت صديقنا وأستاذنا إحسان عبّاس، الّذي أوسع له في بيته وقرّبه إليه؛ فقد كان العلّامة عبّاس يحبّ النابهين ويشجّعهم، ويشعرهم أنّ بيته بيتهم، ولهم أن يدعوا من يشاؤون من الأصدقاء والصديقات.

في جلسة جمعتني به في بيت إحسان عبّاس، عرض عليه خطّته في تطوير الملحق الثقافيّ لـ "جريدة الدستور"، وكانت خطّة طموحًا، وطلب من عبّاس ومنّي أن نكتب في مفتتح الملحق بالتناوب، وقد تحمّس عبّاس وتحمّست معه، وكان ما كتبه عبّاس استئنافًا لجهده النقديّ في متابعة الأدب الحديث، بعد أن قطع على نفسه عهدًا ألّا ينشغل بهذا الأمر، وانصرف إلى مجال لا يخوض فيه شباب النقّاد المتحمّسون أو المغرورون، أو صبية المتعالمين كما قيل آنذاك. وأذكر أنّني رجوت أستاذنا عبّاس أن يكتب كلمة عن أحد أصدقائي الشعراء؛ فنزل عند رغبتي، وكتب ما يراه مع قليل من المجاملة؛ فثارت ثورة الشاعر الصديق، وأخبرني بأنّه سيردّ على عبّاس ردًّا مزلزلًا، وبالفعل كتب ردًّا وقدّمه لخيري منصور؛ فانتفض خيري منصور وقال له محذّرًا: "إذا أصررت على نشر الردّ، فسأردّ عليك ردًّا ساحقًا ماحقًا"؛ فحال بذلك دون وقوع خصومة ليس من ورائها أيّ طائل.

قلت لعبّاس ممازحًا: "إنّ خيري منصور مثقّف واسع الثقافة بلا ريب، وذكيّ شديد الذكاء، لكنّه يختزل القضايا والمسائل والعصور بكلمة واحدة، وتبدو على أطروحاته الوثوقيّة والقطع والأحاديّة، وأنا لا أحبّ هذا المنهج، وقد علّمني أستاذي عبد العزيز الأهواني أنّ القضايا لا تحلّ بكلمة واحدة"، فقال: "معك حقّ، لكنّني أحبّه وأحبّ ثقافته، وأحبّ جرأته وأحبّ حديثه"، فقلت له: "وأنا كذلك".

 

محمود الشريف

كان خيري واسع الثقافة، وكان فنّانًا بالفطرة، له طقوسه وعاداته وخياراته، لا يقبل العاديّ والمتداول، وكان يحفظ الفضل لأهله. كان يحبّ محمود الشريف حبًّا جمًّا، ولم يكن الشريف، مؤسّس "الدستور"، إداريًّا أو سياسيًّا عاديًّا، كان مثقّفًا بحقّ، وذا بصر بالناس، ذكيًّا يعرف للناس أقدارهم؛ فاكتشف شخصيّة خيري وموهبته وقدرته، فأحلّ خاطرته في الصفحة الخارجيّة، ورعاه كأحد أبنائه، وقد كان خيري معجبًا به أشدّ الإعجاب؛ قال لي خيري ذات جلسة: "هل تعلم أنّ محمود الشريف يوصي بشراء أهمّ الكتب، حال صدورها في بلدان العالم؟ إنّه مثقّف كبير"؛ فزادت مكانة الرجل، على قلّة ما التقيت به وتحدّثت معه، مكانة وإكبارًا.

دعا عددًا من أصدقائه في أوائل التسعينات في بيته على الغداء، أذكر منهم إحسان عبّاس، وشقيقه بكر عبّاس، ومحمّد شاهين، وأسمعنا في ذلك الوقت - يوم لم تكن وسائل التواصل الإلكترونيّة موجودة - تسجيلات لقصائد مشهورة لشعراء عالميّين، منها قصيدة إليوت "الأرض الخراب".

 

محمود درويش... صديق المهنة

تراخى الزمن، وراحت الصحف العربيّة الكبيرة تحتفي بما يكتب، وتفسح له صدر صفحاتها؛ حتّى أنّ الشاعر محمود درويش قال في حفل تكريمه، بعد حصوله على "جائزة أفضل كاتب مقالة"، إنّه كان يقرأ مقالته كلّ يوم مع قهوة الصباح.

وقد سعد خيري عندما عرف أنّني أعدّ كتابًا عن محمود درويش، ولم أكن أعرف سرّ ذلك، والشعراء يتنافسون في الغالب ولا يعترف أحدهم بفضل الآخر، لكنّني أدركت سرّ ذلك في ما بعد.

وقد قال فيه محمود درويش، خلال حفل تكريمه بفوزه "بجائزة أفضل كاتب مقالة في العام العربيّ" عام 2005: "لستَ في حاجة إلى جائزة لتُعرف؛ ولنعرف مكانتك الخاصّة والعامّة، في حياتنا العطشى إلى الماء والكبرياء، ولكنّنا نحتفل معك؛ لنصدّق أنّ في وُسع العرب المتعَبين أن يكرّموا أحياءهم، بعدما صارت حياة المبدع تهمة، يصعب دحضها في محكمة الحاقدين على الوردة.

هذه مناسبة صالحة لإعادة الحياة إلى كلمة محذوفة من ’لسان العرب’ المنقّح، هي كلمة ’الصداقة’ بين أبناء المهنة الواحدة؛ فهل في هذا خروج عن مألوف النميمة، وثقافة الإقصاء، وتقاليد الاغتيال المعنويّ السائدة بين من لا يحبّوننا إلّا موتى؟".

 

متبرّم بالحياة والأحياء

لم أعد أرى خيري إلّا لمامًا، كما الحال مع الفيلسوف فهمي جدعان. قلت لفهمي ذات مصادفة في مقهًى في أحد الأسواق: "هل رأيت خيري منصور هنا؟"، فقال: "لكنّه يجلس في مقهًى لا أُحبّه". وتواعدت مع فهمي على اللقاء وما التقينا، وإن ظلّ الهاتف وسيلة اللقاء.

تواعدنا - خيري وأنا – على أن نلتقي في مقهًى ما، لكن حالت الظروف دون المواظبة على اللقاء، لكنّنا التقينا لمامًا وعلى غير موعد؛ لأسباب قاهرة.

كان خيري مثقلًا بالهموم، وكان وجهه موشّحًا بالحزن والألم، وأنا أعلم أنّه لم ينل ما يستحقّ من تقدير، من الأوساط الرسميّة والثقافيّة، وكأنّه يحسّ إحساسًا عنيفًا بالنكران والجحود، كان كلّ شيء فيه يتبرّم بالحياة والأحياء، وبالعالم الّذي جار على وطنه، على الرغم من أنّه كان ملء السمع والبصر.

رحم الله الصديق المثقّف، الشاعر الكاتب الفنّان، خيري منصور، في الخالدين.

 

 

إبراهيم السعافين

 

أكاديميّ وناقد فلسطينيّ يقيم في الأردنّ. حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث من جامعة القاهرة. عمل منذ سبعينات القرن الماضي في التدريس والتحرير والبحث، وهو اليوم أستاذ للأدب الحديث في الجامعة الأردنيّة. من مؤلّفاته: "ليالي شمس النهار"، و"مدرسة الإحياء والتراث"، و"نشأة الرواية والمسرحيّة في فلسطين"، و"نظريّة الأدب"، و"تطوّر الرواية العربيّة الحديثة في بلاد الشام".

 

 

تعليقات Facebook