عن أحمد دحبور ... نُبلٌ خارج الزمن

 

كنّا هُنا: أربعةٌ، خمسةٌ، أو ستّةٌ
ولم أكن بيننا 
أوَّلُنا أخرج منشارَهُ 
من روحهِ، واحتزَّ أعناقَنا 
والثانيان ألْقَيا خاتَمًا في البحرِ ... 
فاستسلم بحرُ الغِنى 
فَعَيَّنا ثالثَنا قاربًا ... 
فاحتجَّ ... 
فاحتاجَهما ... 
فانحنى 
والرابع الأوّل في رَكْعةٍ حنيفةٍ ... 
والرابع الثاني يسبُّ القضاءَ ... 
ثمّ يصحو؛ فيسبُّ الضنى 
كانوا هنا ... 
وابتعدوا عن هنا ... 
وليس من يشهدُ ... حتّى أنا*

 

أسطرة العاديّ بناءً؛ وترويضه موسيقيًّا

لقد كانت حداثة الشاعر أحمد دحبور مركّبة ومنشغلة بالراهن تفكيكًا وتركيبًا. ومن حيث البدء؛ لا بدّ من التعريج على نقطة واضحة؛ هي أنّ دحبور لم يأخذ حقّه بالاحتفاء الممتدّ، وأُحيل ذلك لسببين؛ كلاهما كانت فيه سطوة السياق تقول مقولتها، وهما: أوّلًا: العلاقة المركّبة للظلال، في حينه، المربوطة بالسطوة ورغبة المؤسّسة في التعزيز. وثانيًا: الصعود الخارق لشعره بالمحكيّة، ولا سيّما أنّه - أي شعره بالمحكيّة - جاء متزامنًا ومبنيًّا على تخوم مرحلة نضاليّة عالية، معبّرًا عنها من الداخل، واصفًا إيّاها وصفًا موازيًا لخطاب الناس العاديّين؛ عن طريق جعل اليوميّ الفلسطينيّ في ذات لحظةٍ مخلّدًا بصوت الناس لا بصوت المؤسّسة(1)، الّذي - في الحقيقة - كان أقرب ما يكون، في تلك المرحلة، إلى صوت المؤسّسة.

من هذه النقطة بالتحديد؛ يستشفّ قارئ دحبور صدق اللحظة؛ لحظة الشاعر بخصوصيّتها؛ خالقًا مصداقيّاته من الخطاب اليوميّ؛ رادًّا بناء القصيدة وقدسيّتها إلى مرجعيّات عديدة؛ كان هو - الإنسان في اليوم العاديّ - لاعبًا أساسيًّا فيها. وقد يكون ضروريًّا، عند الحديث عن الشعر، التعريج على زاوية الكتابة أو منظورها؛ أي نقطة ارتكاز نظر الشاعر عند كتابتها؛ ومن هنا ينبثق التحليل، ومن هنا ينبثق الجديد؛ فمثلًا، اتّخذ دحبور لنفسه منظورًا توظيفيًّا ترميزيًّا جديدًا (2) للأسطورة هو المفارقة، يعبّر عنها د. إبراهيم موسى في خضمّ تحليله؛ مستندًا على روبرت ديبوغراند، في مدخله إلى علم لغة النصّ، وهي "باختلاف المعرفة الّتي يقرّرها عالم النصّ، عن المعرفة المختزنة لدى الشخص من قبل عن العالم" (3)؛ ما يقود إلى مقولة شعريّة مستمدّة من مقولة الناس العاديّين، ولكن بتحايل ضروريّ في الشعر؛ لخلق معنًى جديد مستقًى من المعنى العاديّ.

 

في النقد، في الحداثة؛ وجوديّة جان جينيه، بنيويّة أحمد دحبور

في مقابلة أجراها مهنّد عبد الحميد وإبراهيم المزيّن، مع الشاعر دحبور (4)، كان أحد الأسئلة يتعلّق بلقاء الكاتب الفرنسيّ جان جينيه بالشاعر دحبور، في أحد المخيّمات في الأردنّ، وقد حاول جينيه – في تقديري للسياق - فحص وجوديّة دحبور الناقد؛ بسؤاله: "أيّهما الأهمّ؛ أخيليوس أم هوميروس الّذي اخترع أخيليوس؟"، ولكن دحبور ذهب إلى إجابة بنيويّة صرفة؛ أنّ هوميروس هو الأذكى بالطبع. إجابة تختلف، عن إجابة الروائيّ الإيطاليّ إيكو، الّذي اعتبر النصّ دومًا أذكى من مؤلّفه. وربّما في حينه، كان دحبور في مرحلة مبكّرة قليلًا، إلّا أنّه كان واعيًا أنّ تشظّي الإنسان وحيدًا حسب الوجوديّة لم يعد حلًّا، وأنّ تلاقي الفرد بالنظام الكلّي الّذي يربط الفنون ببعضها بعضًا، ويحلّل الوجود في محاولة لجعله بيئة ملائمة للإنسان، هو الطريقة الجديدة.

وفي السياق ذاته، ضمن إجابة الشاعر عن سؤال جينيه، تقول سلمى الخضراء الجيّوسي في "موسوعة الأدب الفلسطينيّ المعاصر" (5)، عن حساسيّة دحبور المبكّرة، الّتي تمثّلت في إعجابه بشعر توفيق الصايغ، في فترة شعريّة لم تكن حينذاك قادرة إجمالًا على تذوّق ذلك النوع من الشعر الحداثيّ، المعقَّد المكتوب بالنثر.

إنّ المثالين إنّما يوضّحان مبكّرة الفكر الحداثيّ عند دحبور، الّذي كان جاهزًا للتعبير التقنيّ عن حداثة زمن الحروب الطويلة، إلّا أنّ الاصطدام بالواقع يجعل شاعريّة القصيدة ضمن مستوًى مختلف، ويجعل موضوعها يستقي سياق تراجيديّة القصّة الواقعيّة؛ وصولًا إلى انفجار اللفظة "واشهد يا عالم علينا وع بيروت".

 

إعادة إنتاج الدلالة، توظيف مُغاير

يلاحظ القارئ لشعر أحمد دحبور إعادة إنتاجه المستمرّ للدلالات، محمِّلًا إيّاها معاني جديدة تحفّها الدهشة، وهو الأمر الّذي يعبّر عنه الناقد إبراهيم خليل في مقالته "أحمد دحبور: لغة مناكفة ودالّ متحرّر"، المنشورة على موقع "فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة" الثقافيّ، بالتصرّف بالمفردة الشعريّة، في سياق يجعل منها دالًّا متحرّرًا من مواضعات المُعجم الشعريّ التقليديّ. والمثال الّذي يجعل من هذا القول جليًّا هو:

"ولا صوْتَ 

آوي إلى جبلٍ 

ثمّ لا أسْمَعُ الصوت في ما تسوق إليّ منَ السجْنِ 

شمسًا تغنّي

يا أخًا أمّه لمْ تلدْني" (6)

وبمفهوم مُغاير لتوظيف الأسطورة في الشعر، لم يعمل الشاعر دحبور على توظيف تقليديّ للأسطورة فقط، بل على بناء القصيدة بناءً أسطوريًّا أيضًا. وفي حال توظيفه للأسطورة، كان يفلسف الأسطورة ويعكسها؛ لتعكس معنى سياق توظيفها في النصّ، وقد قام بمجاورةٍ للأساطير العربيّة بالغربيّة والفارسيّة؛ أي محاولة لتبييء ثقافة الأسطورة، أي جعلها ابنة البيئة العربية؛ عبر الإتيان على إحاطة توظيفها بأسئلتها الثقافيّة، المكتنفة على خلاف التوظيف العربيّ الكثيف للأساطير الغربيّة، الّتي أرهقَت نصّ المستعير، وخاصّةً أنّها كانت مفصولة عن الأسئلة الثقافيّة المحيطة بالأسطورة.

"لا ريب في هذا 

يطاردني تراب كان فاكهة، وصيّادون صاحوا

قد قتلت أباك

يوم نسيت في الوادي أخاك 

وما قتلتُ، وما نسيتُ أخي

ولكنّي رأيت أخي على حَجَر الوصيّة ناشرًا دمه

وعلّمني غراب كيف أدفنه 

لماذا يا غرابُ 

ما زال ينبض تحت نسياني 

ويختلّ الغيابُ؟" (7)

قد تجدر الإشارة هنا، إلى أنّ التناصّ أخذ عند دحبور مفهومًا جديدًا تجلّى بالتضمين؛ بمعنى أنّه لم يكن يوظّف الأسطورة، بل يضمّنها للنصّ ذي البناء الأسطوريّ والأسطوريّ الموسيقيّ المساند؛ وهذا ما جعل الخفّة والمعاصرة هما من سمات هذا التضمين، وخاصّة بهذه الكثافة الأسطوريّة الّتي كانت في النصّ السابق.

 

قلم يخترق الرأس

اعتاد الشاعر الكبير أحمد دحبور، في أُمسياته الأخيرة، أن يبدأ بإلقاء قصيدة "حكاية الولد الفلسطينيّ" (8). وكان صاحب الذاكرة الممتدّة الخضراء، الحاضرة دائمًا لإنصاف الشخوص في سياقها. "لأنّ الوردَ لا يجرحْ، قتلتُ الوردْ"، لم أذكر أنّي شهدت صمتًا في أُمسيات شعريّة، كما كان الصمت في أُمسيات الشاعر دحبور؛ كان صمتًا مرعبًا أحيانًا عند وقوفه بين الأسطر آخذًا نفَسًا؛ ليمسك الإيقاع بزفيره ويروّضه. تلك هوايته المفضّلة؛ ترويض الإيقاع، ومن يعرف الشاعر جيّدًا يعرف أنّ المستمع لحكاياته يمكنه تقطيعها عروضيًّا، وهي الإمكانيّة المتوفّرة في كلامه العاديّ.

في سياق العاديّ ذاته، كان الشاعر دحبور قد سمّى عنوان زاويته الأسبوعيّة، الّتي يعرض فيها كتابًا أدبيًّا أو ثقافيًّا، سمّاه "عيد الأربعاء"، ويشرح في حلقة "بدها قعدة" (9) تسمية العيد بهذا الاسم، ويردّه إلى مدينة حمص، الّتي يُعتبر يوم الأربعاء فيها، يومًا يستطيع الحمصيّ أن يرتكب فيه الحماقات. ومن هذا الاسم اليوميّ؛ تعرّف الكثير من الأدباء كتبًا كثيرة وواسعة، كان دحبور يعرضها في هذه الزاوية.

وفي الحلقة ذاتها، يظهر فيها الشاعر رسّامًا هذه المرّة، ولكنّه اختار رسمة قال قصّتها، وهي عن أحد أخواله، الّذي كثيرًا ما كان يقول لدحبور إنّه "يعيش برأسه"، ومنذ ذلك الحين، يرسم دحبور فتًى يخترق رأسه قلم من "الجنب للجنب" على حدّ تعبيره؛ وهذا يقول الكثير عن قصائده - في المرحلة المتأخّرة على الأقلّ - الّتي ذهبتْ، في مرحلة "العودة إلى ما تبقّى من البلاد"، إلى مرحلة ذهنيّة بتخلّيها جزئيًّا عن كثافة موسيقى القصيدة.

 

حارسًا لِحَيفا؛ شهادة شخصيّة

"جالسًا في منتصف صالون بيته، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، مبتسمًا"، لا أستطيع الحديث عن أبو يسار، بلا تذكّر صورته هذه، بنبلِهِ المعتاد ووسامته، يرحّب ويستمع ويحكي، كان مذهلًا وخفيفًا في حياته وفي شعره، وكان يقف تمامًا عند شعره موقف حياته.

أذكر في عام 2014، في حفل توزيع "جائزة محمود درويش"، الّتي حينذاك كانت من نصيب الشاعر حنّا أبو حنّا، وقف أبو يسار في حديث عن ذكريات البدايات مع أبو حنّا، وفي خضمّ حديثه قال جُملة، بقيت عالقة بذهني بصوته: "أمامكم شخص دخل الجنّة، نعم، أنا زرت حيفا".

ولا بدّ من التعريج، عند الحديث عن الشخصيّ، على إحدى أجمل الحكايات الّتي كان يحدّثنا أبو يسار فيها عن أمّه، عن جبل الكرمل، بأنّه - أي الجبل - كان يتقدّم ويمشي كلّ سنة عشرة أمتار؛ فيجعله يتساءل عن كون استمراريّة مشي هذا الجبل، يعني مغادرته من حيفا نحو البحر. ويستطرد بسرد الحكّاء استدراك أمّه، وقولها إنّه في السنة المفردة، يمشي الجبل من اليمين إلى اليسار، وفي السنة المزدوجة يعود من اليسار إلى اليمين؛ ليبقى حارسًا لحيفا.

 

قائمة المراجع

*قصيدة الأصدقاء للشّاعر أحمد دحبور.

  1. Calvino, Italo. 1982. The Uses of Literature. Translated by Wiliam Weaver. New York: Pace Gallery. P28-29
  2.   موسى، إبراهيم نمر.  2010. شعريّة المُقدّس في الشّعر الفلسطينيّ المُعاصر. عمّان: دروب للنشر والتّوزيع. ص152
  3.   أُنظر المصدر السّابق.
  4.   مهنّد عبد الحميد وإبراهيم المزيّن. ربيع 2015. "فلسطين هي سؤال عمري وشرط وجودي".  مجلة الدراسات الفلسطينيّة. ص155
  5.   الخضراء الجيوسي، سلمى. 1997. موسوعة الأدب الفلسطيني المُعاصر –الجزء الأول- الشّعر. القاهرة: دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدر.
  6.   دحبور، أحمد. 1997. هُنا.. هُناك. عمّان: دار الشّروق. ص9
  7.   أُنظر المصدر السّابق. ص113-114
  8.   دحبور، أحمد. 1971. حكاية الولد الفلسطيني. بيروت: دار العودة.
  9.   برنامج على قناة الفلسطينيّة. أعدّتهُ رند خضير وقامت في إحدى حلقاتهِ بمقابلة الشّاعر أحمد دحبور. 10 نيسان 2016.

 

 

بدر عثمان

 

شاعر فلسطينيّ من مواليد القدس عام 1992. يعمل كاتبًا ومنسّقًا لمنشورات دائرة تعزيز الموارد في جامعة بيرزيت. حاصل على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزيّ من ذات الجامعة. ويستكمل الحصول على درجة الماجستير في برنامج الدّراسات العربيّة المُعاصرة. صدرت مجموعته الشّعريّة الأولى "كتاب الأعمى" في العام 2018، عن دار الفارابي ومؤسّسة تامر. وحصلت مجموعته الشّعريّة الثّانية "ترجمة باخ" الصّادرة في عام 2019 عن الدّار الأهليّة ومؤسّسة القطّان، على إشادة وتوصية لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشّاب عام 2017.

 

تعليقات Facebook