"قفص" فدى جريس... دون المجاز وفوق الواقع

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

من الصمت إلى الصمت، هي مسافة العبور الثقيل والمُضجّ داخل "القفص"، حيث تصف الكاتبة فدى جريس مشهدًا بات مألوفًا في حياة الفلسطينيّ اليوميّة. إنّه الحاجز، هكذا دون المجاز وفوق الواقع. ها هو الحاجز يتخطّى معناه الوظيفيّ الودود المحتمَل في حياة البشر العاديّة، وفي الأوطان الآمنة، ولم يعُد مجازًا يستخدمه الكاتب للتعبير عن دواخله النفسيّة أو ما شابه هذا. الحاجز في قصّة "القفص" هو ذلك الّذي لا يعرفه غير الفلسطينيّ في واقع الحياة، ولا يعرفه أيّ قارئ مجتهد في مجازات الأدب.

 

الإعاقة

هناك، حيث يجري تكديس المجتمع الفلسطينيّ وحشره من قِبَل الاحتلال الإسرائيليّ الأسمنتيّ الشائك، وحيث الزحام الفائض عن الحياة الإنسانيّة الطبيعيّة، هناك تحديدًا يتركّز مشهد الإعاقة؛ إعاقة الحركة لا بوصفها مجرّد تنقّل مكانيّ أو عبور وظيفيّ، بل إعاقة للسيرورة الزمنيّة الانسيابيّة الضروريّة للإنسان الفرد، الّذي يجري خلف قوّته أو دوائه اليوميّ، وإعاقة لحركة الجماعة وسيرورتها، بوصفها جماعة لا ذنب لها سوى أنّها تشكّل آخَر - أكان في اللاواعي المتشكّل عبر الموروث التوراتيّ أم في اللاواعي المتأتّي عن الأساطير السياسيّة والسرديّات الغيبيّة الحديثة -، مكروهًا وغير مرغوب فيه.

 

 

الضغط المكانيّ، والازدحام، والتعويق، والحشر الزمنيّ والنفسيّ، لا تترك "أبطال" القصّة من غير سلاح يواجهون فيه هذا المشهد الأسمنتيّ الثقيل، وها هو سمير – أحد شخصيّات القصّة - يُشهر سلاحه بكلّ صلف، ويضغط بقبضته على بوق السيّارة، كمن يتمنّى لو يشقّ الأفق بالضجيج الأخير المتوفّر في اليد.

من التأفّفات الهامسة إلى التذمّر الكلاميّ إلى زعيق السيّارات، يخرج الصمت تدريجيًّا عن صمته، في مشهد يستدعي من القارئ قراءة موسيقيّة صوتيّة، لمقاربة الحالة الشعوريّة واستدراج التعقيد "السيمفونيّ" السياسيّ، الّذي يتركّز باحتدام بالغ داخل قفص العبور الضيّق، من الوطن إلى الوطن.

للحاجز الّذي يمرّ بين الوطن والوطن ذاته، مرور الدم في شريان متصلّب متقطّع اسمه "قلنديا"، وكأنّه بات جزءًا، ولو متورّمًا، من جغرافيا الوطن وأماراته اليوميّة، بينما يتفتّت اسم الوطن الواحد داخل الضجيج والصخب.

 

مجازات "القفص: صخب وصمت

في مجموعتها القصصيّة "القفص"، وفي قصّة "القفص" تحديدًا، تُمعن فدى جريس في الواقعيّة حتّى تبدو فجّة لوهلة، بعيدة عن "التفنّن" القصصيّ. هذا في القراءة الأولى. لكن، وفي ما يبقى صدى القصّة يتردّد في ذهن القارئ الّذي يعيش الواقع الفلسطينيّ يوميًّا، تبدو مجازات "القفص"، تدريجيًّا، وكأنّها قد دُفعت بفعل الثقل الأسمنتيّ لهذا المشهد الواقعيّ إلى خارج النصّ، بل إلى خارج أمعاء الواقع ذاته؛ فالمجازات هنا لا تُفصح عن نفسها إلّا تحت وطأة غيابها الفولاذيّ، تارةً في بنية "القفص" الّذي يتشكّل فراغه من الصخب بكلّ ما أوتي من معانٍ، بينما جدرانه من صمت مُتوارٍ يستدعي مجازاته دون إقحام وبتمنُّع عنيد، وتارةً تطلّ هذه المجازات من خلال طفل يتوسّل خلف زجاج السيّارة العالقة في "قفص" الزمن القلنديّ - نسبةً إلى قلنديا - ليبيع منديلًا ويُقابَل بالرفض. مشهد تتلخّص فيه علاقات البشر بالبشر والطبقات بالطبقات، تحت وطأة اللحظة الصغيرة الّتي تضغط الإنسان الفلسطينيّ، لتحجب عنه اللحظة الكبيرة الّتي تفرش ظلالها فوق حياته؛ لحظة الفقدان.

المجازات هنا لا تُفصح عن نفسها إلّا تحت وطأة غيابها الفولاذيّ، تارةً في بنية "القفص" الّذي يتشكّل فراغه من الصخب بكلّ ما أوتي من معانٍ، بينما جدرانه من صمت مُتوارٍ يستدعي مجازاته دون إقحام وبتمنُّع عنيد

"... الحصار الكامل/ الأسمنت يفصل جانبَي الشارع/ لا توجد طريقة حتّى للالتفاف والعودة..."، هكذا تصير "السيّارة" و"العالقون فيها" عند فدى جريس، كخزّان الماء عند غسّان كنفاني، وكأنّ الزمن الفلسطينيّ لا يتحرّك إلّا بوصفه "زمنًا عالقًا".

 

سورياليّة الواقع الفجّ

تتبع فدى جريس أسلوبًا تقريريًّا صحافيًّا في مجمل كتابتها القصصيّة، وكأنّها تتحدّث إلى قارئ "أجنبيّ" تشرح له واقع الفلسطينيّ. لكن ماذا يحدث حين يصطدم القارئ الفلسطينيّ، الّذي يمكن أن يكون إحدى شخصيّات هذه القصّة أو تلك، وعضوًا حيًّا في متنها، بالنصّ؟

هذا هو، ربّما، سؤال "الفنّ الواقعيّ" أو "الفنّ العينيّ (Concrete Art) بامتياز. سؤال يضعك أمام النصّ عاريًا تبحث من الصفر عن ذاتك، في مواجهة تفاصيل هذا الواقع الّذي لا يقول لك بترّهاته أيّ شيء، إلّا كي يقول لك كلّ شيء؛ فما معنى الرسوم والشعارات (المُبتذلة فنّيًّا إن شئتم) فوق الجدار؟ وما معنى "الاكتظاظ الفوضويّ للسيّارات والبشر"؟ ما معنى تفاصيل كهذه بالنسبة إلى رامي الحبيس في السيّارة العالقة، حين "تذكّر فجأة المكتب الأنيق... في رام الله"، حيث يعمل؟ هي سورياليّة الواقع الفجّ، لا سورياليّة يفتعلها التفنّن القصصيّ.

فلا عقيدة "التاو" نفعت هيام الّتي تبلع ريقها أمام جنديّة "تنبح بالعبريّة"، ولا "حبّة الفاليوم"، ولا "دروس اليوجا"، ولا "سيجارة مخدّر". لا شيء ينفع هنا لمواجهة "الوقفة زيّ الغنم" في دور المشاة، على الحاجز الّذي جعل شذا تشعر بالراحة لأنّها عالقة داخل "سيّارة" وليس في "المحاشرة" مع "الغنم"

في خضمّ الضجيج والغضب والاختناق، تخرج من رامي عبارة "طَوِّلْ بالَكْ/ شْوَيْ ومنْخَلِّصّ"، بالمحكيّة الفلسطينيّة الدارجة. "شْوَيْ ومِنْخَلِّصّ" هي العبارة الّتي تتمخّض عن المشهد الكارثيّ، فتصير أشبه بعنوان صارخ له يُجيب عن السؤال السابق "كيف وصلنا لهون؟"؛ وهو بذلك ليس استراحة محارب، ولا انكماشًا وجوديًّا يجعل من سقف أحلام الفلسطينيّ أخفض من "صراع بقاء" آنيّ غير منهمك إلّا باللحظة العينيّة، بل هو تحريض بهيئة الواقع المحتقن الّذي يواجه حاضره المستمرّ بالصبر؛ فلا عقيدة "التاو" نفعت هيام الّتي تبلع ريقها أمام جنديّة "تنبح بالعبريّة"، ولا "حبّة الفاليوم"، ولا "دروس اليوجا"، ولا "سيجارة مخدّر". لا شيء ينفع هنا لمواجهة "الوقفة زيّ الغنم" في دور المشاة، على الحاجز الّذي جعل شذا تشعر بالراحة لأنّها عالقة داخل "سيّارة" وليس في "المحاشرة" مع "الغنم". هذا بينما يرتّب دان - الجنديّ الإسرائيليّ - مواعيده الغراميّة لهذه الليلة بالهاتف، وينتظر انتهاء خدمته ليسافر ويتمتّع ويكبر كما يكبر البشر!

 

التفاصيل

لم تُغفل القصّة تفاصيل الحياة الفلسطينيّة بكلّ تعقيداتها، وكأنّها توثّق لا تقصّ؛ فتمرّ بالهويّات الزرقاء وتقارير "الأمم المتّحدة" وإخفاقات السلطة وأوسلو، ما قبلها وما بعدها، والكثير الكثير من التفاصيل الّتي تبدو مألوفة وممجوجة لكلّ فلسطينيّ ومهتمّ بالشأن الفلسطينيّ.

من بين هذه التفاصيل وفيها، تتأصّل الحكاية، في الجمل البسيطة العابرة الّتي لا نولي لها بالًا: "لو منشتغل بحيفا كان وصلنا!" قالت هيام لشذا، هكذا تُطلّ حيفا من نافذة الحديث العاديّ الّذي لمّا تتهشّم فيه خريطة فلسطين بعد.

 

 

د. وسام جبران

 

مؤلّف موسيقيّ وشاعر. درس التأليف الموسيقيّ في عدد من العواصم العالميّة، مثل موسكو وبرلين، كما درس علم الدماغ في برلين وفلسطين. له المئات من المؤلّفات الموسيقيّة، وهو حاصل على 40 جائزة عالميّة ومنحة إبداعيّة في الموسيقى والبحث العلميّ والشعر. صدر له عدد من المؤلّفات البحثيّة والأدبيّة والأسطوانات الموسيقيّة. أسّس عام 2013 "أكاديميّة جبران للموسيقى والفنون" في الناصرة.

 

 

تعليقات Facebook