زمّارون وأوبئة... سؤال الموت والأبد

رسمة من إحدى نسخ قصّة "زمّار هاملين"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في فترة الحجْر الصحّيّ، وفي ظلّ محاولات مواساة النفس عن خوف متخيّل، لجأت إلى قراءة الأدب العالميّ الّذي يناقش موضوع الأوبئة والجوائح. ربّما مقدار المواساة لم يكن كافيًا، لكنّه كشف أمامي ثيمة غريبة تتكرّر في نصوص عدّة، تربط بين الزمّارين والأوبئة خاصّة، والموت عامّة. في هذه المادّة أعرض بعض العيّنات الّتي تُظهر هذه الثيمة بأبسط صورها، من خلال مجموعة قصص، قد تكون متعلّقة، وقد أكون فرضت عليها التعلّق، إلّا أنّني أظنّها قد تكشف لنا شيئًا أو أشياء حول حضور الموت وغيابه، في الحيّز العامّ الآنيّ في ظلّ جائحة كورونا (Covid-19).

 

"مذكّرات عام الوباء"

أحد أبرز النصوص الأدبيّة الّتي وجدتها عندما بحثت عن أدب الأوبئة، كان كتاب "مذكّرات عام الوباء - A Journal of the Plague Year "[1] للمؤلّف البريطانيّ دانيال ديفو، مؤلّف كتاب "روبنسون كروزو" الشهير. في "مذكّرات عام الوباء" يصف لنا ديفو ما حدث في لندن خلال انتشار الطاعون عام 1665، حين لقي 20 ألف شخص حتفهم كلّ أسبوع في المدينة. في خلفيّة انتشار الكورونا، لا يسعني إلّا التساؤل عن أهمّيّة نصّ ديفو، وإسقاطاته الّتي تصف سكّان لندن المحجورين، كمَنْ هم لا يقلّون وحدة عن روبنسون كروزو المحجور في الجزيرة.

في "مذكّرات عام الوباء" يصف لنا ديفو ما حدث في لندن خلال انتشار الطاعون عام 1665، حين لقي 20 ألف شخص حتفهم كلّ أسبوع في المدينة...

في أحد الفصول، يشاركنا ديفو بحكاية زمّار سمعها من أحد متعهّدي دفن الموتى. تحكي القصّة عن زمّار فقير يتنقّل في ليالي لندن الباردة، بين الحانات المفتوحة رغم تعليمات الحجْر الصحّيّ، يعزف للعامّة ويحصل على قوته من النبيذ والجعّة. في إحدى الليالي يُكثر الزمّار من المشروب ويفترش عتبة بيت لينام، وتمرّ عجلة جمع جثث الموتى من المكان، وتجد جثثًا عدّة على الطريق، وواحدة منها "جثّة" الزمّار النائم. يحمل متعهّدو دفن الموتى الجثث، بما فيها "جثّة" الزمّار متّجهين إلى المقبرة. فجأة، لحظات قبل إسقاط الجثث كلّها في الحفرة، يشعرون بحركة طفيفة تأتي من تحت كومة الجثث المحمَّلة على العربة؛ يسأل أحدهم الكومة: "هل هناك أحد؟"، فيجيبهم الزمّار: "أنا الزمّار الفقير، أين أنا؟"، "أنت في عربة نقل الموتى، ونحن نستعدّ لقبرك"، "لكنّني لست ميّتًا؟ أليس كذلك؟". ديفو يضيف أنّ الزمّار قد رفع مزماره وعزف؛ وهذا ما أخاف متعهّدي الدفن حتّى ولّوا هاربين.

 

"زمّار هاملين"

قصّة الزمّار هذه ذكّرتني بقصص أخرى عن زمّارين آخرين، لهم علاقة بالأوبئة والطاعون. فمثلًا، توجد قصّة "زمّار هاملين - Pied Piper of Hamelin" الشعبيّة الشهيرة، الّتي ربّما لو تعمّقنا فيها أكثر لوجدناها مشابهة جدًّا لقصّة "زمّار لندن".

نوقشت "زمّار هاملين" في مئات الأبحاث الأكاديميّة والتعقّبيّة، لمحاولة فهْم مصدرها ومغازيها المختلفة ودراسة ذلك. القصّة الّتي يعرفها المعظم اليوم، تعود إلى نصّ دوّنه الأخوان غريم في كتابهما "حكايات ألمانيّة" من عام 1816، الّذي يشمل 579 حكاية من التراث الألمانيّ.

نوقشت "زمّار هاملين" في مئات الأبحاث الأكاديميّة والتعقّبيّة، لمحاولة فهْم مصدرها ومغازيها المختلفة ودراسة ذلك. القصّة الّتي يعرفها المعظم اليوم، تعود إلى نصّ دوّنه الأخوان غريم في كتابهما "حكايات ألمانيّة" من عام 1816...

تحكي القصّة عن هجمة جرذان على مدينة هاملين؛ سبّبت انتشار الطاعون في المدينة. يعلن سكّان المدينة حربهم على الجرذان، ويعرضون جائزة ماليّة كبيرة لمَنْ يساعدهم على التخلّص منها. يصل إلى المدينة زمّار، ويعرض على سكّانها المساعدة. يبدأ بعزفه على المزمار فتتجمّع حوله كلّ الجرذان، حتّى يقودها بسرعة إلى خارج المدينة، ويقودها إلى النهر القريب ويُغرقها فيه. عند عودة الزمّار إلى المدينة، يرفض السكّان تقديم الجائزة الماليّة له؛ فيقرّر معاقبتهم على هذه الخدعة، فيرفع مزماره، ويعزف معزوفة جديدة تُجَمِّع كلّ أطفال المدينة حوله، فيقودهم معه إلى خارج المدينة؛ هكذا يختفي جميع الأطفال من المدينة، وهو ما يحكم على المدينة، بمفاهيم الحكاية، بموت مؤكّد.

 

بيتر بان

قصّة أخرى هي قصّة الإله الإغريقيّ "بان - Pan"، الّذي كان يعزف على مزماره ليحذّر سكّان ترويزن اليونانيّة من الأوبئة، ويلمّح لهم عن كيفيّة مواجهتها[2]. هذا الإله كان إلهامًا لشخصيّة "بيتر بان" في كتاب جيمس ماثيو بيري الكلاسيكيّ.

بيتر بان كان زمّارًا شهيرًا يعزف للأطفال ليقودهم معه إلى "أرض الأحلام  - Neverland"، فيها يتمسّك الأطفال بطفولتهم، ويبقون أطفالًا إلى الأبد. في أحد نصوص "بيتر بان" الأولى[3]، تحكي القصّة عن طفل رضيع رفض البلوغ؛ فقفز من شبّاك البيت، وظلّ يحبو حتّى وصل حديقة تعلّم فيها محادثة الطيور والطيران معها. هذا الطفل أصبح بيتر بان، وصار يزور المنازل في ساعات الليل ليعزف للأطفال على مزماره، ويأخذ معه الّذين يرفضون الكبر والبلوغ. وكما ظنّت أمّه أنّه مات عندما فقدته، هكذا تظنّ جميع أمّهات الأطفال المنضمّين إلى بيتر بان؛ الأطفال الضائعين.

قصّة بيتر بان ربّما لا تتطرّق بشكل صريح إلى أيّ وباء، لكنّها تحكي عن زمّار يقود الأطفال إلى طفولة أبديّة لينجيهم من البلوغ؛ الوباء المحتوم على الجميع، الّذي لم نجد له علاجًا أو تلقيحًا حتّى اليوم...

قصّة بيتر بان ربّما لا تتطرّق بشكل صريح إلى أيّ وباء، لكنّها تحكي عن زمّار يقود الأطفال إلى طفولة أبديّة لينجيهم من البلوغ؛ الوباء المحتوم على الجميع، الّذي لم نجد له علاجًا أو تلقيحًا حتّى اليوم. البلوغ هو الوباء الّذي يموت منه الجميع؛ فإن تمكّنّا من منعه، كما تمكّن بيتر بان، فقد ننجح أخيرًا، بالتغلّب عليه.

وفي القصّة الّتي يعرفها معظمنا عن بيتر بان، نجد القرصان العجوز كابتن هوك يلاحق بيتر بان، بينما هو نفسه ملاحَق بأنياب تنّين ابتلع ساعة تدقّ، تك توك... تك توك؛ ساعة الموت الّتي تجري وراء العجوز، ولا تجرؤ على ملاحقة الطفل الأبديّ؛ ذلك الطفل الّذي وجد أنّ الحلّ للتغلّب على الموت هو البقاء طفلًا.

 

لِمَنْ الأبديّة؟

في القصص الثلاث، نجد الزمّار متعلّقًا بالموت بصورة أو بأخرى؛ ففي الأولى نجده يصطحب عربة الجثث إلى مثواها الأخير، خارجًا معها من المدينة، ربّما كان اصطحابه لها عنوة، لكنّه ما زال مرافقًا لها. وفي الثانية نجده يقودها بنفسه وبِنوتات مزماره إلى خارج المدينة. وفي الأخيرة نجده يعالج الوباء الّذي يقتل جميع البشر (البلوغ). زمّار لندن يموت مع أموات الطاعون ويعود إلى الحياة، وزمّار هاملين ينقذ سكّان المدينة من الموت، ثمّ يعاقبهم بسرقة المستقبل، وبيتر بان في ذات اللحظة ينقذ الأطفال من الموت المحتوم، ويفرض على كيانهم الأرضيّ الموت في نظر عائلاتهم.

عزف المزمار، وصورة العازف الهنديّ أو الشرقيّ الّذي يرقّص أفعى الكوبرا على أنغام مزماره، الموجودة في أذهان جميع روّاد الميديا العالميّة، فيها سحر يجعلنا نستعيد التفكير مرّة أخرى في مصداقيّة الحياة أوّلًا، وفي انصياعنا لتعاليمها وفروضها ثانيًا، ثمّ يفتح لنا نافذة لمراجعة سؤال حرّيّة الاختيار؛ فهل لنا أيّ حرّيّة اختيار أمام حتميّة الوباء الّذي يُسمّى موتًا؟

ربّما يمكننا قراءة هذه القصص بصورة مختلفة تمامًا، فيها الزمّار والمزمار ليسا إلّا استعارة لأبديّة الموسيقى والفنون عامّة؛ فقد يموت المؤلّف والملحّن، وتبقى المعزوفة كالعنقاء تنهض من قلب الرماد

ربّما يمكننا قراءة هذه القصص بصورة مختلفة تمامًا، فيها الزمّار والمزمار ليسا إلّا استعارة لأبديّة الموسيقى والفنون عامّة؛ فقد يموت المؤلّف والملحّن، وتبقى المعزوفة كالعنقاء تنهض من قلب الرماد. ربّما الزمّار الفقير قد مات حقًّا، ومَنْ قام من بين الجثث استعارة لما خلّفه في الأرض بعد غيابه؛ فالمنتوج الثقافيّ الّذي يخلّفه المرء هو الحصين الوحيد في وجه وباء الموت؛ فالخالدون الحقيقيّون في الأرض هم الملحّنون والفنّانون والمؤلّفون، والموسيقى والفنّ والأدب هي علاج الموت. 

..........

إحالات:

[1] Defoe, D. (1904). A journal of the plague year (Vol. 9). D. Estes & Company.‏

[2] Hughes, J. D. (2014). Environmental problems of the Greeks and Romans: Ecology in the ancient Mediterranean. JHU Press.‏

[3] Barrie, J. M. (2008). Peter Pan in Kensington Gardens/Peter and Wendy. OUP Oxford.‏

 

 

لؤي وتد

 

 

باحث ومحاضر في ثقافة الأطفال والشباب، طالب دكتوراه في "جامعة تل أبيب"، في مجال "أدب الأطفال العالميّ والفلسطينيّ"، محرّر موقع "حكايا".

 

 

 

تعليقات Facebook