عمل شجاعة أخير

Irina Pechenkina


العقوبة أن تجزي المرء بما فعل، ومصطلح الإعدام إحالة وجود موجودٍ إلى العدم، وإبطال وجوده بإزهاق روحـه عن طريق وسائل مختلفة، وهي استئصال الجاني من المجتمع على نحو قطعيّ ونهائيّ. وفي معظم البلدان الّتي تطبّق هذه العقوبة، نجد أنّ الجرائم الّتي تستحقّها في تلك البلاد، هي القتل أو التجسّس أو الخيانة أو الجرائم الجنسيّة. لكن ماذا لو أنّ الجهات الّتي عادة تقدّم المساعدة هي الّتي تحوّل حياتنا وأحيانًا مماتنا إلى كابوس، ولو أنّ الجريمة الوحيدة الّتي ارتكبتها ليست جريمة؟ قد يُسْمَع الأمر كنكتة، إلّا أنّ الوضع الراهن – للأسف – في ذاته نكتة.

أنا... اسمي... حقيقة أنا لم أعد أعلم ما إن كان اسمي مهمًّا إلى تلك الدرجة، اعذروني، وقبل أن نبدأ عليّ أن أخبركم بشيء ما؛ بما كنت عندما كنت على قيد الحياة، نعم، روحي هي الّتي تتكلّم، رغم أنّني تبرّأت منها ومن كلّ شيء أملكه منذ زمن، في مقابل تصديق الناس إيّاي.

يقولون إنّ من المهمّ أن نسمع كلّ الأطراف في قصّة معيّنة، ويقولون أيضًا إنّه في بعض الأحيان يكون الجلّاد هو الّذي يؤدّي دور الضحيّة، وفعلًا في قصّتي كلّ مَنْ أحاط بي حوّل جلّادي إلى ضحيّتي وحوّلني إلى الجلّاد، كنت أودّ لو أقول لكم الجريمة الّتي ارتكبتها، إلّا أنّكم كغير الناس في العالم، لا أظنّكم حقًّا تودّون سماعها، إنّما أنتم تريدون الحكم عليّ بحَجْمِ جريمتي، أليس كذلك؟ كما فعل كلّ مَنْ أعرفه. أستصدّقونني إذا قلت لكم إنّني لم أرتكب أيّ جريمة؟ أم أنتم كغيركم من البشر؟ هل ستحكموني حسب حكم الأغلبيّة؟

حقيقة أنّ شخصيّتي تغيّرت كثيرًا، فلو سألتم عنّي عندما كنت على قيد الحياة لسمعتم غالبًا: "آه، والله شبّ محترم"، "شبّ مرتّب وخَرْج جيزة"، أمّا الآن فأصبحت شخصيّة غير مبالية وغير مكترثة، حتّى أنّك إذا شتمتني في الشارع فسأتجاهلك كما يتجاهل ذو السلطة الضعيف، وكما لا يعطي رأيه أهمّيّة، ويمضي بحياته غير آبه لأحد.

بعد مماتي شخّصوني بمرض أطلقوا عليه اسم "تعدّد الشخصيّات"، وقالوا إنّه اضطراب نفسيّ يتّسم بسلوك اجتماعيّ غير طبيعيّ، وبفشل في تمييز الواقع، وقالوا إنّ لديّ تصرّفًا "غير طبيعيّ"، ومجدّدًا أصبحت أنا الّذي يحمل كلّ العيوب، ومجدّدًا حتّى في مماتي باتت المشكلة فيّ أنا، وعندما جمعت قواي سألتهم عن أيّ واقع يتحدّثون، إذا كان كلّ شيء في واقعهم يُقْلَب رأسًا على عقب، وبريء مثلي يصبح جانيًا! فتجاهلوني وقالوا عنّي "مجنون".

أُعْدِمْتُ ظلمًا، هذا صحيح، إنّما الأصحّ أنّني لا أعرف أكنت أنتمي إلى الجنّة أم إلى الجحيم، كلّ الأصوات الّتي في رأسي أتمنّى إسكاتها، إلّا أنّها تزداد صخبًا وإزعاجًا، وكلّ الأفكار والاحتمالات بأنّني فعلًا أجرمت تسيطر عليّ أكثر فأكثر كلّ يوم؛ فهل كلّ مَنْ هو حولي يعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي؟ هل فعلًا أجرمت بلا وعي؟ وإذا فعلًا كنت قد أجرمت ففي حقّ مَنْ؟ وما الجريمة؟ لماذا؟ ماذا كان الدافع؟ لم أجد يومًا للكذب عذرًا، ولا لمعنى الخيانة سطرًا. أصعب ما في الوجود موت ما كان يومًا حيًّا، وأصعب من الصعب عاصفة تعصف في داخلي، وتثوّر مشاعري ضدّي وتعلن حربًا، وبعد تفكير عميق وجدت أنّهم على حقّ، قد قتلت نفسي محاولًا إرضاءهم جميعًا.

عرضوني في ميدان العالم، وعذّبوني كأنّي قتلت كلّ عائلاتهم مرّة واحدة، وقالوا إنّني أعاني من انخفاض المشاركة الاجتماعيّة والتعبير العاطفيّ وإدمان المخدّرات، لكنّني مؤمن بأنّ المدمنين الحقيقيّين هم أولئك الّذين يمشون في مسار الأغلبيّة نفسه كالشياه، وبلا وجهة حقيقيّة، هم أنفسهم الّذين أطلقوا عليّ صفة "مجنون"، فإذا كانت جريمتي تستحقّ مثل هذا التعامل فلماذا فعلتها؟

حاولت الوصول إلى نفسي لمراجعتها، لكن لا يمكنني إخفاء مدى قوّة شعور الذنب والرعب، عند الغوص في المحيط الّذي في ذهني، جروحي تحاول التظاهر بأنّ كلّ شيء بخير، إلّا أنّ كلّ شيء غير ذلك، كلّ ما عندي هو أنا ونفسي وصراعنا، ونحن نغوص عبر المحيط الّذي يُسَمّى "ذهني". عبرت المحيط في ذهني إلّا أنّني في النهاية غرقت، وعندما دفعت نفسي إلى أسفل شعرت بالعار، عندما ناديت نفسي باسمي شعرت بألم لأنّني كنت قد علمت أنّني فقدتها إلى الأبد؛ لأنّه وإن لم أكن ميّتًا حقيقةً إلّا أنّ وجودي لا معنًى له. باتت نفسي من هوامش حياتي، ولمّا أعد أهتمّ بالحياة بعد، ثمّ إنّ حياتي كانت مأساويّة، طفولتي كانت قاسية، وأهلي لم يعتنوا بي قطّ، لكن لم تفرق معي لأنّه - حتّى الآن - لم أشعر بالانتماء إلى أيّ مكان حتّى إلى جسدي، فروحي دائمًا غَدَرَتْه؛ بعد كلّ تعثّر وتألّم ينهض مناشدًا، تصدّه روحي وتعثّره متألّمًا أكثر، إلّا أنّه لا يزال مؤمنًا بشيء ما، لا أعلم ما هو، صدقًا لا أعرف ما هو.

حقيقة أنّ ثمّة احتمالًا بأنّني قد أجرمت؛ لأنّني ما عدت أعلم ما ومَنْ على حقّ، وبما أنّهم أكثر منّي كثيرًا، وبما أنّهم مصرّون بشكل غير معقول على أنّني قد فعلت شيئًا ما، فهذا يُفَسَّر تفسيرًا واحدًا؛ فعلتها، أنا قد فعلتها ولم أعلم، أجرمت ومضيت قدمًا بشكل طبيعيّ!

لكن ما يقتلني أكثر من الداخل أنّني لا أذكر نفسي شخصيّةً متمرّدة، إلّا أنّني أَذْكُرُ نفسي إحدى الشياه الموجودة في المجتمع، شخصيّة لن تتجرّأ على عدم قول "آسف" حتّى إذا كان خطأ غيري، شخصيّة تخاف المستحيل، شخصيّة تخاف عدم قول "لو سمحت" في كلّ موقف محتمل، وشخصيّة تخاف إيذاء أحد. كنت نمطيًّا جدًّا، وروتين يومي كان عاديًّا جدًّا، كنت أخاف التغيير وأخاف ما قد يأتي من بعده؛ فما بالكم بالإجرام؟

كنت منبوذًا اجتماعيًّا، ولم يكلّمني أحد، لم يحبّني أحد حتّى أنّ صديقتي الوحيدة كانت قطّتي؛ ففي كلّ مرّة كنت أحسّ فيها بالضيق والاستياء والألم، وفي كلّ مرّة اجتمع العالم ضدّي كنت ألجأ إليها، وكانت تواسيني، وكنت أتكلّم معها، حتّى أنّها كانت تفهمني أكثر من عائلتي بأكملها؛ وهو ما شجّعهم على الاعتقاد بأنّني مختلّ عقليًّا، وبأنّ لا أمل منّي، وأنّني أنتمي إلى المصحّة العقليّة، وأيضًا دفع هذا الأمر أبي إلى قتل قطّتي؛ لجعلي "زلمة" ظنًّا منه أنّ هذا الفعل سيجعلني أمضي قدمًا. من المؤلم أن تمرّ عليك لحظة تتمنّى التخلّص فيها من ذاكرتك، وأن تكتشف بعد فوات الأوان أنّك مُدْرَج لديهم في قائمة الأغبياء.

لكن ما أقوله الآن موجّه إلى كلّ مَنْ هم مثلي، إلى كلّ المغامرين الّذين لا يخشون الوحدة، ولا يخشون الوقوف، ولا يخشون في حرّيّتهم لوم لائم، الّذين لا يرفعون سقف توقّعاتهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ أغلب الخيبات يأتي من التوقّعات العالية، وإلى كلّ هؤلاء الّذين مع كلّ شيء أمّنوا العديد من تفاصيل حياتهم، لبشر لم يكونوا بشرًا، ولم يعرفوا كيفيّة الحفاظ على الأسرار والأمانات، ورغم كلّ ذلك وكلّ المآسي والعوائق، ظلّوا يحاولون النظر إلى الإيجابيّات الموجودة في كلّ شيء؛ فالإصرار رغم المعوّقات، والتفاؤل رغم الإخفاق، والثقة بالنفس رغم اليأس، هي مؤشّرات على الحياة والوجود، فهي صفات الأحياء. وأودّ لو تحسّون بالانتماء رغم العوائق، وألّا تهتمّوا بي لأنّني منذ الأزل محاط بصفات الأموات، ومنبوذ من الأحياء.

في كلّ مرّة كنت فيها أُحْبَط وأُذَلّ، كانوا يقولون لي بأن أرى القسم الجيّد في كلّ شيء، إلّا أنّ كثرة الأشياء السيّئة أفقدتني القدرة على رؤية الجيّدة؛ فكيف لي أن أرى الجيّد، حين يكون كلّ ما يحيط بي سيّئًا، من واقع إلى أحلام؟ في الحقيقة أودّ فعل شيء أخير، آخر فعل شجاعة...

***

هذا كان خطابًا كتبه مهرّج يعمل في سيرك، كاد يختنق بفيض الدموع والقهر، وإحساسه بما يتعلّق بحياته، وعن إحساسه بالممات وهو على قيد الحياة، تجاهل الناس له، واليأس في حياته الشخصيّة وهو الّذي يبثّ السعادة والبهجة في حياة آخرين، كان يودّ لو يصيح معلنًا ذلك، وحينذاك سمع الأصوات منادية وهاتفة باسمه، لكنّه - خاصّة في ذلك اليوم - لم يستطع الصعود على المنصّة، ولم يستطع الكلام ولا الحراك.

صعد إلى هناك، وأرى نفسه عمل الشجاعة الأخير الّذي كان يودّ كلّ العالم أن يعرفه. كان يرجف من شدّة خوفه ويتصبّب عرقًا، تنفّس عميقًا، بدأ بالعرض وإضحاك الناس، وخلال العرض لم يستطع إخفاء هذا الشعور الغامر؛ فتوقّف وبدأ بالبكاء.

اختفى عن المسرح فجأة؛ وإذ به يرجع إلى المنصّة وفي يده مسدّس فيه ذخيرة، وقال كلماته الأخيرة:" الظلم لا يعرف دينًا ولا ربًّا، ومَنْ يتعدّ على حقوق الناس فهو مغتصِب، وينبغي التصدّي له". وصوّب المسدّس نحوه، وسحب الزناد لتنطلق الرصاصة، ولا يُسْمَع صوت غير صدى الصوت...

 

 

* قصّة فائزة بجائزة "القصّة القصيرة لطلّاب المدراس - المرحلة الإعداديّة" (2019/ 2020)، الّتي تُنَظّمها جمعيّة الثقافة العربيّة، وهي تُنْشَر ضمن ملفّ خاصّ بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

للاطّلاع على بيان لجنة التحكيم الخاصّ بالمسابقة، ومسوّغات فوز هذه القصّة.

 

 

قدس أيّوب

 

 

 

13 عامًا، الصفّ الثامن، مدرسة يد بيد، القدس المحتلّة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook