بورتريه لأدب فلسطين الجديد

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لا يمكن المرء، عند الحديث عن المشهد الكتابيّ الفلسطينيّ، أن يفصل فكره عن الجغرافيا الممزّقة؛ ففي كلّ مرّة نتحدّث فيها عن أنطولوجيا أدبيّة، أو مسابقة أو أمسية أو أيّ حدث أو مشروع آخر، علينا أن نقف في ميزان الجغرافيا، لا يمكن تجاهل الشتات أو أراضي 48 أو غزّة. نفهم لماذا نمقت هذه الزوايا الّتي تحشرنا فيها السياسة الّتي نتّفت الجغرافيا، لكنّا لا ندرك أحيانًا القيمة المُضافَة الّتي بإمكاننا مشاهدتها، حين توضع هذه "العدالة الجغرافيّة" في ساعة واحدة من الزمن، وإلى أيّ مدًى يمكن الاستدلال، عبر النصّ الّذي يكتبه الجيل الفلسطينيّ الشابّ، على المكان؟ وهل إلى ذلك حاجة أصلًا في زمن عولمة النصّ؟

إنّ الشعار الّذي أُلْصِقَ بالأدب الشابّ، في محاولة لتحييده عن تيّار الأدب المقاوم، القائل إنّه أخذ يلتفت إلى شؤونه الشخصيّة، جعل هذا الجيل في مساءلة دائمة حول لجوئه إلى صوته الفرديّ مقابل صوت الجماعة. وهو لا ينفكّ يؤكّد أنّ هذا لا يتعارض مع ذاك. إنّ هذه المناطق المتداخلة بين الخاصّ والعامّ مناطق أزليّة، ولم تتداخل عند الفلسطينيّين وحدهم. لعلّ النصوص الّتي شاركت في أمسية القراءات تؤكّد طبيعيّة هذا التداخل، وأنّ النصّ - وإن ذهب نحو الكتابة التخييليّة - بولادته الّتي تربطه بحبل سرّة المكان، سيظلّ يقدّم مفاتيح فهْم للحاضر الإنسانيّ والسياسيّ، الّذي سيقرؤه أبناء المستقبل البعيد على أنّه التاريخ الأدقّ الّذي كتبه الأفراد لا الأقوياء. ومن هذا المنظور؛ فقد شكّلت نصوص الكاتبات والكتّاب التسعة المشاركين مشهدًا بانوراميًّا، كان المكان مركزه الّذي يشكّل قوّة جذب لتفاصيله، حتّى تلك الّتي تبدو كأنّها تحدث فقط في مخيّلة الكاتب أو الكاتبة. المكان الّذي لا يشبع من أثاثه الفيزيائيّ، بل الّذي تتولّد فيه التواريخ الشخصيّة والقصص والمستقبل، والأفكار الّتي يشاركها الكاتب – أو الكاتبة - بمجرّد وضعها في اللغة.

ما نقوله، بحذر شديد، إنّ هذا المكان مكان مكسور، لا تخلو الكتابة فيه أو عنه من أنفاس أصحابه، الّتي ترى الواقع بعدسات مكبّرة، وترفض أن تتماشى معه أو أن تغضّ النظر. وهذه العدسات هي الّتي تجعل النصوص ذات قدرة عالية على حمل حمولات شخصيّة وجمعيّة في آن، وعلى تلقّف حمولات جماليّة أخرى ما استطاعت.

على هامش معرض الكتاب الّذي نظّمته جمعيّة الثقافة العربيّة في حيفا، وانتهى بداية هذا الشهر، أقيمت أمسية قراءات أدبيّة وشعريّة لكاتبات وكتّاب فلسطينيّين شباب، أدرتُها وطرحتُ الأسئلة على المشاركات والمشاركين فيها، هم حسب ترتيب الأسئلة: ميسان حمدان، وعلي قادري، وجدل القاسم، ومحمّد الصالحي، ويحيى عاشور، ومي كالوتي، وأمير حمد، ومحمود أبو عريشة، ورأفت آمنة جمال.

ننشر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إجابات الكاتبات والكتّاب الّذين شاركوا في نصوصهم الّتي تنوّعت بين الشعر والقصّة والرواية.

 

فُسْحَة: تشغلك القضايا العامّة في الكتابة؛ ما الّذي يشغلك اليوم على وجه الخصوص؟ وهل أنت قادرة دومًا على خلق مسافة عاطفيّة بينك وبين الموضوعة، تتيح لك الكتابة بنظرة تحليليّة أو مستقبليّة كالّتي وظّفتها في النصّ المشارك؟

ميسان حمدان

ميسان حمدان: أعتقد أنّ القضايا العامّة ستشغلني دائمًا وأبدًا؛ إذ إنّني لا أنجح بفصل العامّ عن الخاصّ. وأظنّ أنّني لا أريد ذلك في الكتابة؛ فالحقيقة تشغلني، بيد أنّ الأسلوب الّذي أختاره لتوظيف هذه القضايا العامّة، هو الّذي يختلف من نصّ إلى آخر. في السابق، كتبت من مسافة صفر عن الواقع؛ بمعنى أنّني شغلت نفسي معظم الوقت في كتابة المقالات بلغتها التقريريّة والمباشرة، الّتي قد لا تخلو من العاطفة في طيّاتها، وهذا في نظري، يعود إلى شحّ المصادر الّتي تتحدّث عنّا، نحن الموجودين في هامش الهامش، وبصوتنا. أمّا في ما بعد، فشعرت بأنّ الطريقة اختلفت؛ فالكتابة الأدبيّة تتيح مساحة ومسافة للكتابة من مكان آخر، وبنظرة مختلفة.

وفي معظم الأحيان أميل إلى استخدام الخيال في الكتابة، الّذي يزوّدني بالمتعة والحرّيّة في آن واحد. ثمّ إنّ عالمنا اليوم بات يشبه القصص الخياليّة الّتي كنّا نستمع إليها في صغرنا، وبالتالي، لا أعرف إذا ما كنت قادرة دومًا على خلق هذه المسافة بيني وبين الموضوعة. لكن هذا ما أسعى إليه؛ لأنّني على يقين بأنّ قدرة الناس على التعامل مع خيال كهذا، باتت أكبر من قدرتهم على التعامل مع الواقع.

 

فُسْحَة: نلاحظ أنّ القصيدة العربيّة المعاصرة الّتي يكتبها الشباب، تلجأ إلى لغة أكثر بساطة. ربّما تأثّرت بلغة وسائل التواصل، ربّما تريد أن تصل إلى جمهور أكبر، أو ربّما توجد أسباب أخرى، بينما لا تنطبق هذه الرؤية تمامًا على قصيدتك؛ فقصيدتك فخمة ومؤثّثة باستعارات وتراكيب استعاريّة ليست عابرة، بل تشكّل جوهر القصيدة. ما رأيك؟

علي قادري

علي قادري: اللغة عندي، ولغة الشعر على وجه الخصوص، هي الرؤيا الذاتيّة الّتي أستطيع من خلالها إعادة تشكيل مشاهد الخراب، وبناء حجارة العالم من جديد. وحقيقة الأمر أنّني منكشف على لغة الشعر الراهنة عبر وسائل التواصل، لكنّني غير مؤمن بالأدوات الداعية إلى نقل الشعر، من لغة التكثيف والبناء الفنّيّ المحكم، إلى سرديّات ومطوّلات تعيد إلى الأذهان المنبريّة والمباشرة والخطابة، الّتي سيطرت على المشهد الشعريّ العربيّ في حقبة تاريخيّة ماضية. ومع ذلك فأنا على استعداد دائم إلى نسف تجربتي الشعريّة ولغتي وتراكيبي الاستعاريّة بالتحديد، وإخضاعها بالكامل إلى سؤال الشكل، الباحث في أغوار الإبداع والصدام مع السلطة المعرفيّة من ناحية، ومع البنية الثقافيّة العربيّة ومآلاتها من ناحية أخرى.

أمّا في مسألة وصول القصيدة إلى الجمهور، فأنا أعتقد أنّ الشعر ليس في حاجة إلى جمهور لينتشر ويكون في متناول الجميع، إنّ الشعر يحتاج إلى قرّاء، والقرّاء اليوم منحسرون ومقتصرون على المثقّفين والمهتمّين بالشأن الأدبيّ من كتّاب وشعراء وأكاديميّين. وعن اللغة وعلاقتها بجوهر القصيدة من حيث الشكل والمضمون، فأنا أعتقد أنّ لغتي الشعريّة تحمل تعبيرات فكريّة وإنسانيّة، أعبّر عنها من فضاء اللغة - الوطن، ذلك أنّني لم أعد مؤمنًا بالحدود الجغرافيّة والسياسيّة والانتماءات الّتي تضيّق على قصيدتي، لتتحوّل لغتي بهذا المعنى إلى ملاذي الأخير ومسارح أحلامي، في ما تبقّى لنا من بحث عن العدالة والحبّ.

 

فُسْحَة: ثمّة هوّة جميلة وغريبة بين القصيدتين اللتين شاركتِ فيهما في إطار الأمسية. ذهبتِ في الأولى إلى لغة غزليّة، للأسف كأنّها انقرضت في القصيدة الّتي يكتبها مُجايِلونا، وفي الثانية إلى لغة يوميّة وربّما فيها فجاجة؛ كيف تفسّرين اختلاف لغاتك الشعريّة؟ وكيف تصفين مزاجك الشعريّ الحاليّ؟ أتلحقين به أم تخطّطين له؟

جدل القاسم

جدل القاسم: الاختلاف في اللغة الشعريّة ليس في حاجة إلى تفسير؛ فالاختلاف هو الأصل، وظهور ذلك التباين بين موضوعَي القصيدة الأولى "زنابق أورشليم" والقصيدة الثانية "استنشاق"، إنّما يعود إلى الانسجام الطبيعيّ في تعدّديّة البيئة والثقافة والقضايا اليوميّة، والنضال من أجل نيل حقّ تقرير المصير الفرديّ، الّذي يتجلّى في الحقّ في الاختلاف. قصيدة "زنابق أورشليم" هي قصيدة الغزل الّتي تخجل وتتجنّب معظم الشاعرات كتابتها، فتصف الحبيب وتتغزّل بجسده بصورة أسطوريّة، من حيث تناصّها مع مصادر مقدّسة. بينما في القصيدة الثانية "استنشاق"، الّتي تبدو أنّها تحاكي اليوميّ، وهي لا تقصد أيّ شكل من أشكال الفجاجة، إنّما تمسّ الواقع المعيش البسيط الّذي يحيط بالنساء. حملت القصيدة التهكّم والكوميديا السوداء الّتي تُعَدّ أصعب أنواع الكتابة، لتنتهي إلى انفتاح غرائبيّ تحمله القصيدة في مشاهدها الداخليّة (عزلوا المدير، مات الطبيب، جثث هامدة)؛ وذلك بهدف وخز حوافّ القصيدة من جديد عند أيّ قراءة لها. بينما استنطقت القصيدة الثالثة يوميّات الحرب بلغة مشهديّة سرياليّة.

أمّا المزاج الشعريّ، فليس بمنأًى عن تنوّع الأحداث اليوميّة، بين الحبّ والحرب، والعنف ضدّ النساء والأطفال، وتداعيات الثورات في كثير من الدول، وانتصار الديكتاتوريّات. القصيدة في خلقها الأوّل ولادة متصوّفة، وهي في حاجة إلى إعادة خلق في القراءة الثانية، الّتي من خلالها أضيف عاطفة مدروسة، بعيدًا عن ردّ الفعل، للقيام بالفعل الّذي ينعكس على شكل القصيدة ولغتها الشعريّة. وهذا الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل هو ما يمنح كلّ قصيدة الاختلاف المطلوب، واختبار المزيد من الخيال، والخروج عن المألوف والعاديّ. لقد منحني الشعر دائمًا طوق نجاة من كلّ ما قد يؤدّي إلى الانهيار الإنسانيّ، وهو صيرورة تشبه الملاك الحارس أو الصديق المتخيَّل، ولا سيّما في الأوقات الّتي تلي انهيارات الثورات ومساحات الحرّيّة وسيادة التصحّر.

 

فُسْحَة: حدّثنا عن مشروع كتابة روايتك الجديدة. وما الّذي يتعلّمه الكاتب بعد كتابة روايته الأولى؟ وما الّذي لا يمكن أن يتعلّمه؛ فيظلّ رهن الاختبار في كلّ تجربة كتابيّة؟

محمّد الصالحي

محمّد الصالحي: حسنًا، أنا لا أفضّل الحديث عن أعمالي بشكل عامّ، وخاصّة تلك الّتي لمّا تكتمل بعد، إنّما هي في ظاهرها رواية خياليّة تستند إلى الخلفيّة السياسيّة والاجتماعيّة للحرب الأهليّة اللبنانيّة وما بعدها. تتعرّض لتجربة جيش لبنان الجنوبيّ ومعتقل الخيام، وتدور أحداثها في غير بلد واحد. لكن خلف ذلك كلّه، إنّها تجربة للحفر في الإنسان، في قابليّاته، وانتماءاته، وحاجاته، ودوافعه، وأسئلته الصغرى والكبرى. كتابتها تحدٍّ كبير بالنسبة إليّ، وقد يتطلّب إتمامها وقتًا أكثر ممّا توقّعت؛ فثمّة أفخاخ في كتابة مشروع سرديّ طويل كهذا، ربّما أبسطها رحلة البحث وجمع المعلومات، فهي اشتباك مع الأفكار ومع ما نظنّ ونعتقد، واشتباك مع شخوص في حركة دائمة، واشتباك مع التاريخ والسياسة، وقبل ذلك كلّه، اشتباك مع اللغة خارج حدود النصّ.

فور أن نشرت روايتي الأولى "آسيا"، خالجني شعور بالتردّد، قلت لنفسي وأنا خارج من دار النشر: ماذا فعلت يا محمّد؟ غير أنّ حياة الكاتب مختبر تعلّم دائم، الإنسان يتعلّم الكتابة كما يتعلّم المشي؛ أي من خلال فعل الكتابة نفسه. ومهما فعلنا فثمّة نقص دائم، ولذلك فالرضا أسوأ ما قد يحصل للكاتب، ومَنْ يسع للتطوّر في أساليبه ورؤاه فعليه أن يتنازل عن فكرة الكمال، أو كما يُقال "ما زاد إلّا ناقص". بالنسبة إلى المشتغلين في كتابة السرد، فالتطوّر هو الأساس، وهو رهين التجربة. الأمر بالطبع يختلف من كاتب إلى آخر، بالنسبة إليّ ربّما ازددت تردّدًا، وأرى ذلك أمرًا حسنًا، فالجاهل مَنْ لا يرتبك.

 

فُسْحَة: ربّما لحاجة القراءة والدراسة في المشهد الأدبيّ والشعريّ، يُسمّى أدبٌ "أدب المنفى"، أو شعرٌ "شعر لجوء"، ربّما لمّا تعد بعد تسمية "أدب الحصار" أو "شعر الحصار"، على الرغم من أنّ الكثير من النصوص الّتي تُكتب في غزّة، لا يمكن فصل الحصار عن مضمونها؛ كيف تنظر إلى ذلك؟

يحيى عاشور

يحيى عاشور: ربّما علينا أن نترك أمر التسمية للزمن، لكن في نظري أنّ ما يصل القارئ العربيّ من أدب فلسطينيّ، كُتِبَ في غزّة أو عنها شيء قليل جدًّا أو حتّى شبه معدوم، أرى أنّ من أهمّ أسباب حدوث ذلك، التجاهل الكبير لدور النشر العربيّة لما ينتجه الكتّاب في غزّة؛ فنادرًا جدًّا ما ينشرون لهم، ويحدث ذلك حين يفوزون بجوائز فقط على الأغلب، حتّى أنّهم لا يتكلّفون عناء إرسال إصداراتهم لنا لنقرأها - وهذا ليس أمرًا مستحيلًا بالمناسبة - وبهذا فليس أمام القرّاء أو النقّاد العرب ما يكفي من الإنتاج الأدبيّ لابتكار هذه التسمية، أو حتّى تعرّف ما تركه الحصار بشكل عميق من أثر فينا.

وأرى أنّ في هذا عدم التزام بالمسؤوليّة التاريخيّة الّتي تحملها دور النشر، في الوقت الّذي يسعى فيه الاحتلال إلى تلميع صورته بإصداراته؛ فهل حصار غزّة الّذي يدخل عامه الرابع عشر، جزء غير مهمّ أو مثير بما يكفي من القضيّة الفلسطينيّة للناشرين العرب؟ ثمّ إنّه أليس عدم التزام هذه الدور بمسؤوليّتها التاريخيّة العربيّة، هو بالضرورة هديّة لتاريخ آخر؟ ومن جانب آخر، ربّما يكون كتّاب غزّة رديئين بالفعل! فلتسمح دور النشر، إذن، للتاريخ أن يكتب: عاش سكّان قطاع غزّة حصارًا استمرّ كذا من السنوات، وكانوا – للأسف - يكتبون أدبًا رديئًا جدًّا. لكن لماذا يا ترى؟ أيضًا، ألا يخدم الأدب الرديء كشاهد على الأقلّ؟ هل على كتّاب قطاع غزّة العاجز اقتصاديًّا أن يدفعوا أو ينشروا لأنفسهم، لكي يحجز حصارهم مقعده في التاريخ؟ هل تفضّل دور النشر العربيّة أن تترك تاريخ أمّتها محصورًا؟

 

فُسْحَة: لا يمكن فصل الموروث الكتابيّ والمشهد الكتابيّ الحاضر عن القدس، عن تاريخها وحاضرها السياسيّ؛ لكن هل ترين أنّ المشهد الكتابيّ الحاضر قادر على توثيق صورة عن القدس أو تقديمها من خلال الأدب؟ لا ندّعي أنّ دور الأدب أن يكتب التاريخ، لكن قد يشكّل مفاتيح حقيقيّة وصادقة لقراءة التاريخ في المستقبل.

مي كالوتي

مي كالوتي: ليست مهمّة الأدب كتابة التاريخ كما قلتِ، لكن من المهمّ أن أذكر أنّ القصّة هنا حقيقيّة. مصطفى جدّي، روى القصّة لوالدي الّذي يخبرنا بقصصهم، حتّى يبقي ذاكرتنا حيّة بما لم نره في زمنهم. الجميع يعرف أنّ "الهجاناه" مَنْ نفّذوا عمليّة تفجير "فندق سميراميس" في القطمون، لكن ما لا يعرفونه أنّ الجيش الإنجليزيّ أسهم في ذلك، فقد استخدموا - كما ذكرت في القصّة - الجيب العسكريّ الخاصّ بهم في عمليّة توصيل المتفجّرات، وذلك عبر شاهد عيان هو جدّي. هذه حقائق لن يذكرها التاريخ؛ فأوثّقها أنا ولو عبر قصّة.

أحاول دائمًا ذكر أسماء الأحياء أو الشوارع أو المدن الّتي حدثت فيها القصّة، هذه طريقة أخرى لتوثيق تاريخ الجغرافيا. لا أعرف إن كان لي الحقّ في ذلك، لكنّي أعتبر نفسي ممثّلة عن مدينة القدس وعن ناسها، فكلّ ما يعرفه الآخرون عن هذه المدينة هو ما يرونه عبر التلفاز: مواجهات مع الإسرائيليّين، وهدم بيوت، واستيطان، أو مظاهر دينيّة وتاريخيّة مجرّدة، مثل قبّة الصخرة" وكنيسة القيامة وسور البلدة القديمة. لكن ما لا يرونه حقيقة هو القدس بمجتمعها الّذي لا يختلف عن أيّ مجتمع آخر، فيه مَنْ يحبّ ويكره ويخاصم ويخطئ ويصيب. آمل من خلال قصصي أن أعكس هذا الواقع، الّذي لا يعرفه الآخرون ولا يرونه، وهو نوع من التوثيق التاريخيّ.

 

فُسْحَة: يشعر بعض الكتّاب، إذا ما حصلوا على جوائز أدبيّة، بمسؤوليّة أكبر تجاه مشاريعهم الكتابيّة حال حصولهم عليها، وربّما تتعاظم هذه المسؤوليّة لأسباب داخليّة أخرى؛ ما طبيعة المسؤوليّة الّتي تشعر بها تجاه مشروعك؟

أمير حمد

أمير حمد: إنّ فائدة الجوائز الأدبيّة، وبشكل خاصّ عند الحديث عن جائزة "مؤسّسة عبد المحسن القطّان" مثلًا، التعريف بالكتاب ونشره، وتسويقه عبر أنشطة في ما بعد. لم أشعر بمسؤوليّة قبل حصولي على الجائزة أو بعدها، ولا أرغب في الشعور بمسؤوليّة في ما بعد. كلّ ما في الأمر أنّ ثمّة رقابة داخليّة، غير نابعة من مكان خارجيّ، أشعر بها عند كتابة نصّ، سواء كنت أرغب في نشر هذا النصّ أو لا، وربّما أهدف بذلك إلى جعلي لا أكره النصّ عندما أعود إليه في المستقبل لقراءته.

 

فُسْحَة: اخترت أن تنشر مجموعتين شعريّتين إلكترونيًّا وبشكل مستقلّ، وفي ذلك جرأة كبيرة قد تقول الكثير عن عالم النشر في العالم العربيّ؛ لِمَ لجأت إلى النشر المستقلّ لا إلى دور النشر؟

محمود أبو عريشة

محمود أبو عريشة: جاء نشري لمجموعتَيّ الأخيرتين "لنأكل تفّاحتنا معًا" و"أصوات في الخلفيّة" بصيغة إلكترونيّة لأسباب متعدّدة، أدّت بي مجتمعة إلى أخذ قرار بنشرها بشكل مستقلّ ثماني سنوات، بعد صدور مجموعتي الأولى "كلمات ذات رائحة كريهة". أوّل هذه الأسباب غياب دَور دور النشر في عالمنا العربيّ، حيث فقدت في رأيي دورها التاريخيّ الّذي تمثّل - في اعتقادي - بقدرتها على التواصل مع القارئ العربيّ. لم تُلائِم دور النشر نفسها للعصر الّذي نعيش فيه، وهي تبتعد أكثر سنةً بعد أخرى عن القارئ العربيّ. ثمّة حاجة إلى جَسْر الهوّة الكبيرة بين جمهور القراءة والكتاب، وهذا من مسؤوليّتنا نحن الكتّاب، وبالضرورة من مسؤوليّة دور النشر، والمؤسّسات الثقافيّة والأجهزة الوطنيّة في الدول العربيّة. أضف إلى ذلك أنّ الهاتف الذكيّ تحوّل إلى مصدر أساسيّ للمعلومات عند الغالبيّة الساحقة؛ فأن يكون النصّ الأدبيّ متاحًا من خلال هذه الآليّة لكلّ قارئي اللغة، وليس مغلقًا في صندوق في أرشيف، أو على رفّ جانبيّ في مكتبة في دولة عربيّة، هو الإمكانيّة الّتي أميل إلى اختيارها. إمكانيّة النشر الإلكترونيّ تطرح أسئلة جدّيّة حول جدوى دور النشر، الّتي عليها أن تعمل سريعًا على إعادة مكانتها من خلال أفكار إبداعيّة، والاستفادة من تجارب عالميّة في هذا السياق.

 

فُسْحَة: يُقال إنّ القصيدة العربيّة المعاصرة، ولا سيّما في السنوات الأخيرة، هي قصيدة ذات نبرة متشائمة منكسرة، متذمّرة، مزّقت بيارق الأمل الّتي رفعتها القصيدة العربيّة، حتّى الّتي اعتُبرت أنّها أسّست للحداثة الشعريّة؛ هل توافق هذا الرأي؟ وأين ترى قصيدتك أنت من هذا؟

رأفت آمنة جمال

رأفت آمنة جمال: يمكن القارئ أن يتعامل مع النصّ من الجانب الّذي يتفاعل معه. النصّ حمّال، قد يعتبره البعض نصًّا يبعث على التشاؤم، في ما يراه آخرون باعثًا على الفرح الخفيّ. لقد كان الأدب الفلسطينيّ في الماضي أدبًا محفّزًا على الأمل، أكاد أجزم أنّه أدب خالٍ من أيّ حالة إحباط أو يأس، تطلّبته تلك المرحلة الّتي اتّسم أدبها بالمقاومة والتحدّي. لم تتغيّر الظروف كثيرًا، إلّا أنّ حاضرنا يشهد حالة بؤس عامّة على مستوى العالم، وعلى مستوى الوطن العربيّ بشكل خاصّ؛ فالواقع العربيّ مأزوم ومهزوم... قضايا العنف، وقمع المرأة، وقمع المثليّين، وتراجع المستوى الفنّيّ في كلّ أشكاله، والشعور بالهزيمة السياسيّة وسرقة الثورة، وغيرها من مظاهر انعكست - بالضرورة - على نفسيّة الإنسان العربيّ، ولا سيّما الأدباء الّذين استنطقوا فئات المجتمع فعبّروا عن الخيبة. لكنّني أؤمن بأنّ الأمل يأتي نتيجة للخيبة. لقد كان محمّد الماغوط أكثر المبدعين تشاؤمًا وانكسارًا، بينما كان أدبه أكبر محرّك لتحفيزنا على الحلم وانتظار واقع أجمل.

لا يمكن النصّ أن يكون مخادعًا اليوم، لم يَعُد النصّ زائرًا أسبوعيًّا على صفحات الجرائد أو على منبر شعبيّ، فهو في مواقع التواصل وفي الهاتف النقّال ملازم لقارئ يعي ما يعيشه، فلا ينفصل النصّ عن واقعه؛ لذا علينا أن نخاطب عقل المتلقّي وعاطفته بصدق لا يَحْتَمِل تجميل واقع ينهار. لكنّنا ما زلنا نكتب، يكفي فعل الكتابة ليكون حالة تحدٍّ للقبح.

 

 

أسماء عزايزة

 

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها ثلاث مجموعات شعريّة؛ "ليوا" (2010)، و"كما ولدتني اللدّيّة" (2015)، و"لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب" (2019). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا "فناء الشعر"، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. تكتب في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook