صناديق هامستيريّة وألسنة محروقة

 

سرد أخطبوطيّ

«يلتهم نفسه بادئًا بقدميه»، عنوان نوفيلا عبدالله الزيود، الصادرة حديثًا عن «دار عصير الكتب»، والّتي يعمد فيها مؤلّفها إلى بناء حواريّ فكريّ، بقالب السرد الأخطبوطيّ، الّذي لطالما امتلك غير ذيل؛ ففي مركزه الكلمة، وفي أطرافه التأويلات، إذ ترتكز حواريّته على بناء صوتين سرديّين مختلفين في التركيب، على الرغم من اشتراكهما في نفس عتبة النشأة، فكان اليُتم هو الصوت الأوّل الدالّ على شخصيّتيهما، ومن الطبيعيّ أن يكون حجر ركيزة في رؤية كلٍّ منهما للعالم.

ويكون صديق الأزرق من ملجأ الأيتام، عبدالله، مُحاوِرَه المستقبليّ، ومحرّك الأفكار الدائم لديه، راوي هذه النوفيلا بضمير المتكلّم، وهو كاتب مقالات وصحافيّ، تعرّض في طفولته لاعتداء جنسيّ من شخصيّة الزمبرك...

تنطلق الهيكليّة السرديّة عند الزيود في النوفيلا ذات الفصول الخمسة، وعبر 120 صفحة من القطع المتوسّط، بمشهد من الماضي، كمقدّمة لعرض الأحداث، حيث شاحنة نقل منزلقة عبر منحدر في مدينة الزرقاء الأردنيّة، تتسبّب في مصرع سيّدة تعيش وطفلها في مخزن ببوّابة حديديّة، ويبقى الطفل ذو السنوات العشر مذهولًا بأولى ضربات الحياة على رأسه.

 

تسارع

تقديم وتسارع مخيف للزمن، أو كما أراد الكاتب تسميته «Zenosyne»، وكأنّما سينماتوغرافيّ يتحكّم بشريط مسجّل، يعرض شخصيّة هذا الطفل في طور الشباب، ليكون عامر الأزرق، هو الشخصيّة المحوريّة في النوفيلا. في شبابه يطمح الأزرق لخليط حسّيّ يربط الواقع بالخيال، لا يهمّه كم التداخل بينهما، وإنّما أن يجسّد عمقًا ما، يطمح إليه من هذا التكوين.

ويكون صديق الأزرق من ملجأ الأيتام، عبدالله، مُحاوِرَه المستقبليّ، ومحرّك الأفكار الدائم لديه، راوي هذه النوفيلا بضمير المتكلّم، وهو كاتب مقالات وصحافيّ، تعرّض في طفولته لاعتداء جنسيّ من شخصيّة الزمبرك. هذه الثيمة الواقعيّة الصارخة، تعيش في خيال الضحيّة، على الدوام، ولطالما تشقّ رواق الحياة، حيث إنّها تمثّل صندوق هامستر، يضع المرء في طور الاختبار، حتّى لو انتهت رحلته المأساويّة هذه، فإنّ القيد يبقى في الذات، دون انفكلك.

 

قطع ليجو

الخطّة السرديّة لدى الزيود تقوم على التجريب، وطَرق الأفكار الغريبة، من خلال شخصيّة الأزرق المهتمّة بتكوين الشخصيّات بدايةً من قطع الليجو، داخل الأقفاص، ومن ثَمّ استدراج الشخصيّات ذاتها من الواقع، وحبسها، ومن بعدها الوصول إلى قمّة الصراع، بالتلاعب بالمكوّنات، المجتزئة من الواقع، في مدارات الخيال.

لكن شخصيّات الأزرق الّتي يأتي بها من الواقع، محقّقًا دراماه، هي في الأصل ماضٍ مشترك في معظمها لديه ولدى عبدالله؛ فسائق الشاحنة الّذي تسبّب في موت أمّه، روى قصّة مداهمة المخزن بشكل ساخر، فكان من الشخصيّات الّتي أراد الأزرق أن يُخْضِعَها لتجربته. وكذلك الزمبرك الّذي تسبّب لكليهما في ندبة مغايرة، فعبدالله يحمل ندبة داخليّة نتيجة للاغتصاب، والأزرق يحمل ندبة في وجهه جرّاء مهاجمة الزمبرك له مسبقًا، بعدما حاول منعه من مواصلة الاعتداء على الأبرياء. وأخيرًا سارق الشخصيّات من مجريات الحياة، هو الكاركتر الثالث الّذي أدخله الأزرق إلى مختبره، بحجّة التدليس، وإيذاء أمّه في سمعتها، معالجًا انطباعيّته الخاصّة، ورؤيته الجوّانيّة الانتقاميّة، تجاه الأحداث وصنّاعها.

الخطّة السرديّة لدى الزيود تقوم على التجريب، وطَرق الأفكار الغريبة، من خلال شخصيّة الأزرق المهتمّة بتكوين الشخصيّات بدايةً من قطع الليجو، داخل الأقفاص، ومن ثَمّ استدراج الشخصيّات ذاتها من الواقع، وحبسها...

تكون طريقة الأزرق في حجر الرأي الآخر، ومنع صوت حرّيّته، هي حرق ألسنة شخصيّاته جميعًا، وهذه الطريقة في التقييد مارسها مع عبدالله صديقه أيضًا، بأن قيّد رجله بالجنزير، في حيلة يرمز الزيود - من خلالها - إلى تجسيد الصبغة الّتي تطلبها الرواية الاجتماعيّة من الفرد، من خلال التابوهات والعادات والتقاليد، إذ يكون مصير الفرد ترديد الرواية ذاتها، وإلّا يكون العنف هو الردّ على المعارض.

يكتب الزيود: "كان يبدو صادقًا في ما يقول، أقول يبدو، وأعني مشاعره وعينيه وطريقة السرد ولغة الجسد، كلّ شيء يوحي بأنّه يقول الصدق، إلّا في ما يتعلّق بحرق لسان الثلاثة، لم أصدّقه، أحسست بأنّه إنّما فعل هذا، ليجعلهم عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم".

في هذه المساحة الواسعة من التخييل، يحرّك الروائيّ الصراع، بتقنية روائيّ منصبّ على تقطيع المشاهد، وتحريك الزمن تارة بسرعة وأخرى ببطء شديد، حسبما تتطلّب حرارة العمل، وقد استخدم في ذلك لغة سرديّة منثورة بدراية، ومتقافزة ما بين السرد والنبرة الشعريّة، كيفما تطلّب الكادر التصويريّ.

 

قصّتنا الذاتيّة

وفي جانب الصراع، يتحقّق في صناديق الهامستر المتعدّدة جدل فكريّ فانتازيّ؛ بهدف التنقيب عن مفهوم الحرّيّة الذاتيّة، وحدود الصناديق الفكريّة، وحقول التجارب الّتي يضعنا الآخر في نطاقها، ما بين أن يكون المرء محاصرًا بين الزوايا الثمانية، خاضعًا مستسلمًا، أو أن يخرج من بين المربّعات المشبّكة على الأسطح والأحرف للصناديق الهامستريّة، ويصنع قصّته الذاتيّة، كما يرى العالم، وبطريقته الخاصّة. فكما يرى الزيود: نحن شخصيّة هامشيّة مستخدمة، في قصّة أحدهم، إذا رضينا بذلك.

من أجواء النوفيلا: "شعرت في هذه اللحظة بأنّنا لا نتفاهم جيّدًا، أركّز على حرّيّتي ويركّز على قصّته، وأدركت مقدار مرضه بالقصّة الّتي يحاول كتابتها. تطوّر الأمر ليتعدّى مجرّد تداخل بين عالَمَي الواقع والكتابة إلى توحّدهما في رأسه".

 

صمت

ويكاد صدى كلمة "صمت" يكون في النوفيلا أكثر دويًّا من الحدث ذاته، حيث تتجرّد الكلمة لتربط المشاهد المسجّلة بواسطة الكاميرا، من قِبَل شخصيّة عبدالله، لتصنع قواطع موحية بالانتقال إلى مرحلة أخرى من استلاب قصّة الآخرين مع العالم، وإجبارهم على المرور في نفق المصمّم الخاصّ. كلمة "صمت" في موضعها كانت بمنزلة اللوحة المخصّصة لبدء المشهد في السينما، كأنّما تهدئة سرديّة مقصودة تحدث من الروائيّ، يتبعها عاصفة وصراع جديد.

كلمة "صمت" في موضعها كانت بمنزلة اللوحة المخصّصة لبدء المشهد في السينما، كأنّما تهدئة سرديّة مقصودة تحدث من الروائيّ، يتبعها عاصفة وصراع جديد.

لم تكن شخصيّة عبدالله طوباويّة، كما لم تكن شخصيّة الأزرق شيطانيّة، لكنّ الاختلاف في رؤية الأشياء وتجسيدها كان الفيصل بينهما، فكانت رغبة عبدالله في الانتقام من الزمبرك أكيدة، لكنّه يترك شخصيّة الجاني لتروي قصّتها للعالم، ويجلس ليرى أثر العالم الأكثر ديمومة، أخيرًا، في المجرم. في ما رؤية الأزرق كانت معاكسة، فأراد وفق المدرسة التجريديّة، سلب الشخصيّات ملامحها، وأدواتها، وقوّتها، من خلال السجن، والاحتفاظ بالمعنى: أنّ المخطئ يعاقَب ليس فقط على فعلته، بل على طريقة روايته للأفكار، ولا بدّ في هذه الحالة من طرح الرواية الخاصّة، في تفسير قناعاتنا وانطباعاتنا تجاه العالم، من خلال السطو والتقييد.

 

 

حسام معروف

 

 

شاعر ومحرّر. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج".

 

 

 

تعليقات Facebook