الكتابة للحقيقة: إبداعات عربيّة رافضة بعيون مسعود حمدان

إخناتون

يعرض دارسو الأدب والعلوم الإنسانيّة، عادة، نظريّات في الصفحات الأولى من كتبهم، لكنّ الكثير منهم يبقونها منفصلة عن سياقات نصوصهم لتصبح نشازًا لا معنى لعرضها في هذه الكتب. في كتابه، 'الكتابة للحقيقة: تنظيرات وإبداعات عربيّة حديثة كثقافة نقديّة' (دار الفارابي، 2017)، نجح مسعود حمدان في استخدام نظريّات فلسفيّة وأدبيّة حديثة، ظهرت مندمجة كلّيًّا في النصّ.

ربط حمدان فصول كتابه بسلسلة واحدة، تناغم فيها النصّ مع النظريّات، على الرغم من تنوّع الإبداعات التي عالجها، مقدّمًا بذلك للقارئ أطروحة متكاملة ومتماسكة في النقد الثقافيّ، تتجاوز أعمالًا نقديّة كثيرة سبقت ظهور كتابه.

ما الحقيقة؟

قدّم حمدان في التوطئة والبرولوغ خطوطًا عريضة، شرح فيها الإطار النظريّ لكتابه الذي كرّسه لتقديم عيّنات إبداعيّة تكشف عن الصراع القائم بين خطاب ثقافيّ مسيطر، وخطاب ثقافيّ مقاوم يبحث عن الحقيقة.

مستشهدًا بنيتشه، أشار حمدان إلى أنّ 'الحقيقة' جيش من الاستعارات والكنيات اللغويّة، تغلّف أشكال 'إرادة القوّة' القائمة في الحياة الإنسانيّة. وفي السياق نفسه، تطرّق إلى حفريّات فوكو الفكريّة، التي عَدّت الحقيقة ابتكارًا اجتماعيًّا قائمًا على تفعيل القوّة في خلق 'نظام الحقيقة'. ثمّ استعان بفلسفة روتري التي عَدّت الحقيقة 'استحسانًا، وتصديقًا، وتزكية اجتماعيّة'، وممارسات ذات طابع اجتماعيّ.

فريدريك نيتشه (1844 - 1900)

ومع أنّ حمدان استفاد من مقولات هؤلاء الفلاسفة حول 'إرادة القوّة'، و'نظام الحقيقة' المسيطر ذي الطابع الاجتماعيّ، إلّا أنّه طرح سؤالًا مركزيًّا ظلّ يصاحبه في كلّ فصول كتابه، أعدّه تجاوزًا لهذه المقولات، وهو: ماذا مع 'الحقيقة' التي هي في جوهرها رفض مطلق لإرادة القوّة؟

بين أبولونيوس وديونيسوس

متّخذًا من رواية نجيب محفوظ، 'العائش في الحقيقة'، أرضيّة للتحليل، ركّز حمدان، في تسعة فصول، كتابه على دراسة الإنتاج الفكريّ لمبدعين عرب من رافضي نظام الحقيقة المهيمن، متوقّفًا عند الاستراتيجيّات البلاغيّة الأساسيّة المستخدمة فيها، مثل المحاكاة التهكّميّة ((Parody، والستيرا، والسخرية المتظاهرة بالجهل ((Irony، والغروتسك الهزليّ المرعب، والكاريكاتير.

عرض حمدان عيّنات من الصراع القائم في معادلة 'القوّة والحقيقة'، معتمدًا على قول أخناتون في رواية نجيب محفوظ: 'الخير لا ينهزم والشرّ لا ينتصر'، فلا هزيمة ولا انتصار، بل 'وجود دائم لفعل الخير في مقاومة الشرّ الدائم، ووجود دائم لفعل الشرّ في محاولة بسط نفوذه وهيمنته'. فأخناتون نجيب محفوظ رمز كسر 'نظام الحقيقة' المسيطر، والذي يُظهر الاختلاف بين الانضباط الأبولونيّ والتدفّق الديونيسيّ، أو بين الواجب الأبولونيّ والحبّ الديونيسيّ المتدفّق. هذا الاختلاف مثّل عنده وجه الصراع بين القوّة والحقيقة.

نجيب محفوظ (1911 - 2006)

نشير هنا إلى أنّ نيتشه في كتابه 'ولادة التراجيديا' (1872)، استوحى مفهومه في الإبداع من هذا الصراع، فديونيسوس، إله الخمر وملهم طقوس الابتهاج، مثّل الجوانب اللاشعوريّة العفويّة على حساب الجوانب العقليّة الشعوريّة التي مثّلها أبولو، إله الشمس والموسيقى والشعر والرسم المنضبط، رمزًا للتأمّل الجماليّ لعالم متوّهم ومثاليّ، محرّضًا على الهروب من طريق مبدأ صيرورة الحياة، على عكس ما مثّله رمز ديونيسوس الذي يدفع إلى رؤية صيرورة الحياة بكلّ تناقضاتها.

العصا والمغازل

انطلاقًا من التوطئة والبرولوغ، استعان حمدان في الفصل الأوّل من دلالاتي كلمتي 'العصا' و'المغازل' لتحليل العلاقة بين نظام القوّة والحقيقة؛ فالعصا مثّلت عنده أداة قمع وهيمنة خطاب القوّة ذي البعد الأحاديّ، ومثّلت المغازل إبداعًا وإنتاجًا لأنسجة متعدّدة تواجه بطش الأحاديّة.

منطلقًا من رمزيّة العصا والمغازل، توقّف حمدان عند تقييم أدونيس للثقافة العربيّة المعاصرة، التي قسمها إلى نوعين متناقضين: 1. ثقافة تعتمد على الأحاديّة، تريد للمجتمع أن يكون واحديًّا مفروضًا من فوق، بقوّة عصا العقيدة الواحدة والنظام الاجتماعيّ –السياسيّ - الثقافيّ المهيمن. 2. ثقافة تعدّديّة تريد للمجتمع أن يكون كثيريًّا، بقوّة الحرّيّة والانفتاح.

أدونيس

تعكس الثقافة الأولى 'فلسفة العصا' بمنظومتها الأبولونيّة المتجسّدة بمظهر حقيقة القوّة، والثانية تعكس 'فلسفة المغازل' بمنظومتها الديونيسيّة المعبّرة عن قوّة الحقيقة في مواجهة القمع.

لاحظ حمدان أنّ موقف أدونيس من مسألة الإبداع الحداثيّ مشابه لموقف إدوارد خرّاط، الذي أراد لهذا الإبداع أن يكون '[تعبيرًا عمّا] يظلّ متمرّدًا، داحضًا، هامشيًّا، ومقلقًا'، كأنّه يسترشد بأخناتون محفوظ الذي عاش ومات 'متمرّدًا، داحضًا، هامشيًّا، مقلقًا، باحثًا عن الحقيقة'.

أفصح أدونيس عن موقفه بقوله:  'أنا الهامش، وسوف أظلّ إلى أمد، هامشيًّا... في متن هذا الحاضر العربيّ الذي يتجرجر'. فأدونيس، في نظر حمدان، تحدّث عن معادلة القوّة والحقيقة، وعن التضادّ الأبولونيّ - الديونيسيّ من دون استخدام المصطلحين.

كرنفال

في الفصل الثاني من كتابه، توقّف حمدان عند أعمال محمّد الماغوط ودريد لحام، اللذين أحسنا استخدام أسلوب الكرنفال بصفته استراتيجيّة في تحطيم 'نظام الحقيقة' المهيمن والرسميّ والواحد، المعروض في 'خطاب القوّة'.

ومن خلال انتهاك قدسيّة ورهبة الرسميّ، وفي جوّ من المرح والضحك المحرّر، كشف الماغوط ولحّام الأقنعة، جاعلين المهمّش المنبوذ شخصًا قريبًا، وأصيلًا، وصادقًا، وجاعلين صاحب السلطة، أو صاحب القوّة، خسيسًا وكاذبًا.

محمّد الماغوط (1934 - 2006)

مكّن الأسلوب الكرنفاليّ الماغوط ولحّام من إسقاط الحواجز بين المهمّشين وأصحاب القوّة، في لعبة مركزها 'خلط بين الأجناس'، و'خفض للرفيع ورفع للمنخفض'، محوّلين بذلك العلاقة بينهما عنوانًا لانتصار الحقيقة.

أبو الزلف المؤمرك

في الفصل الثالث، عرض حمدان تجربة زياد الرحباني في الغناء والمسرح، التي عكست، في نظره، مناظرة بين عالمين: عالم الواقع اللبنانيّ، وعالم الخيال الفنّيّ ذي السطوة للأخوين رحباني، وقد كشف فيها عمق الهوّة القابعة بين الواقع المرير والخيال، قالبًا بذلك أيديولوجيّة أبيه عاصي وعمّه منصور المثاليّة رأسًا على عقب.

عرّى زياد مفهوم الكيان اللبنانيّ المثاليّ المستند إلى صيغة مشيل شيحا، الساعية إلى خلق لبنان واحد تجاريّ، تتّحد فيه الطوائف تحت سقف ديمقراطيّة توافقيّة مصطنعة. وقف زياد عند شخصيّة أبي الزلف الأسطوريّة التي تغنّى بها الفنّانون اللبنانيّون، جاعلًا من أبي الزلف شخصًا مؤمركًا مزيَّفًا ومزيِّفًا، وواضعًا بذلك لبنان، في صيغته الشيحاويّة، تحت أقدام الكوميديا الهجائيّة، بأسلوب غلب عليه الغروتسك المضحك المخيف، إذ وصف شقاء الفقراء الخاضعين لسلطة المستغلّين، أصحاب النفوذ والقوّة.

ففي عرضه لـ 'حوار عقيم' حول أسباب الحرب الأهليَة، بين ممرّضي مستشفى 'فيلم أميركيّ طويل' (1980)، أسقط زياد الأقنعة عن وجوه المتحاورين ليصبح المستشفى صورة مصغّرة للبنان المنقسم طائفيًّا، والملمّع بخطاب طاقم المستشفى الممثّل للنخب اللبنانيّة صاحبة الخطاب الرسميّ.

زياد الرحباني

عاد زياد في عمله 'شي فاشل' (1983)، ليكشف أنّ الفنّانين اللبنانيّين المدافعين عن الصيغة الشيحاويّة، يستخدمون التراث قناعًا لشرعنة ما يسمّونه الأصالة اللبنانيّة، حين يزينون الواقع إلى حد إخفائه في حاضر بائس. زد على ذلك، وظَّف زياد أبا الزلف بطريقة عكسية، جاعلا منه خالعا للأقنعة وفاضحا لسلطة الكذب على النفس.

رحلة

في الفصل الرابع من كتابه، عرض حمدان 'رحلة' سعد الله ونّوس الإبداعيّة، التي تُظهر وجه نظام القوّة القبيح. ففي مسرحيّته 'رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة' (1978)، تعقّب ونّوس انتقال حنظلة، المواطن المستقيم الساذج، من حالة الغفلة إلى حالة اليقظة، كاشفًا بذلك الحقيقة القابعة وراء أقنعة القوّة التي تغلّف نظام السيطرة.

اختار ونّوس سبعة أمكنة للكشف عن 'نظام الحقيقة' المسيطر، بدءًا من السجن، فالبيت، مرورًا بمكتب مدير العمل، فعيادة الطبيب البسيكو – إعلاميّ، فبيت الدرويش المتديّن صاحب الكرامات، وأخيرًا مكاتب الحكومة. واختار مكانًا سابعًا في الهواء الطلق، ربط فيه بين المشاهد المتعدّدة في المسرحيّة، ليكتشف حنظلة فيه أنّه أضاع  نفسه في كلّ محطّات رحلته التي كان فيها مجرّد برغيّ صغير من براغي منظومة القوّة المسيطرة.

سعد الله ونوس (1941 - 1997)

وبعد تخطّي كلّ محطّات الغفلة في رحلته، وصل حنظلة إلى اليقظة، مصرّحًا: 'هذا غشّ فاضح. هذا احتيال في وضح النهار. ألا توجد قوانين؟ ألا توجد حكومة؟'

أوّل حمدان مشاهد المسرحيّة وحواراتها، معتبرًا إيّاها تعبيرًا عن نقد ونّوس لنظام الحقيقة المسيطر الذي ظهر فيه السجّان، والطبيب، ورجل الدين، وربّ العمل، ورجالات الحكومة، حتّى زوجته، ممثّلين لمنظومة قمع واحدة، تمارس القوّة من خلال المكر، والخداع، واللفّ والدوران. كرّر ونّوس هذا النقد في مسرحيّة 'طقوس الإشارات والتحوّلات' (1994)، وفي مسرحيّة 'يوم من زماننا' (1995).

الضحيّة الحقيقة

في الفصل الخامس، وضع حمدان شعر طه محمّد علي على محكّ النقد الثقافيّ، مبرزًا دور إبداعه الشعريّ في تشكيل الهويّة الفرديّة والجماعيّة الفلسطينيّة؛ فالشاعر نقل صورتين متناقضتين: الأولى تعود إلى الماضي قبل النكبة، 'زمن الفردوس الفلسطينيّ المفقود' المتخيّل، والثانية من زمن الحاضر الذي تغيّرت فيه معالم المكان والإنسان. لكنّ الشاعر في وصفه لتجاربه قبل النكبة وبعدها، '[حوّل] الضحيّة العاجزة الضعيفة إلى حقيقة حادّة، تُغرز في عنق القوّة لتقوّضها أخلاقيًّا'.

طه محمّد علي (1931 - 2011)

وفي عمليّة استعادة الماضي عبر التذكّر، رسم الشاعر عالمًا مفقودًا، لكنّه متجذّر ودائم، وعالمًا حاضرًا، لكنّه مؤقّت، كأنّه يشير بطريقة إبداعيّة إلى أنّ الحقيقة القابعة في مخزن الذاكرة أقوى من القوّة القائمة في الحاضر.

قمعستان

في الفصل السادس، تناول مسعود الشعر الهجائيّ لنزار قبّاني، الذي تحوّل بعد نكسة 1967 إلى شاعر 'يكتب بالسكّين'. فقبّاني الذي اقتحم الطابو العربيّ في تناوله 'خصوصيّات المرأة ومناطقها المحرّمة' قبل الهزيمة، وجّه بعدها سهام هجائه 'نحو خصوصيّات الحاكم ومناطقه المحرّمة'، معتبرًا دولته التي يحكمها جهاز قمع خاضع حوّل الوطن إلى منفى لساكنيه.

صحيح أنّ مساحة الدول العربيّة تمتدّ من 'شمال إفريقيا إلى بلاد نفطستان'، إلّا أنّها 'دويلات الخصيان'، يقودها 'حكّام مؤمركون'، 'يقرفصون فوق رقبة الشعوب بالوراثة'، ناسفين مفهوم الدولة الحديثة: 'هل تعرفون الآن ما دولة (قمعستان)؟ [هي] تلك التي ألّفها... لحّنها... أخرجها الشيطان. هل تعرفون هذه الدويلة العجيبة؟ حيث دخول المرء للمرحاض يحتاج إلى قرار... ورغبة الزوجين في الإنجاب تحتاج إلى قرار، وشَعْرُ من أحبّها يمنعه الشرطيّ أن يطير في الريح بلا قرار'.

نزار قبّاني (1923 - 1998)

مقابل دولة (قمعستان)، ثمّة وطن لا يستطيع الحاكم أن يبقيه منفى لساكنيه، فهو على الرغم من القمع يظلّ طبيعيًّا ديونيسيًّا، واحدًا غير مشطور بأيّ فعل أبولونيّ لحاكم 'يعلن كلّ يوم أن لا وطن سواه وأن لا معبود سواه'، ولحاكم يخاطب رعاياه بلغة القوّة: 'أيّها الناس: لقد أصبحت سلطانًا عليكم، فاكسروا أصنامكم بعد ضلال واعبدوني ... أوقفوا كلّ الأناشيد التي ينشدها الأطفال في حبّ الوطن، فأنا صرت الوطن'.

وعلى الرغم من بطش الحكّام وغلبة أبولو، رمز الانضباط السلطويّ، إلّا أنّ ديونيسوس، رمز العفويّة، هو المنتصر في النهاية: 'ليس هناك سلطة يمكنها أن تمنع الخيول عن صهيلها ... مهما رفعتم عاليًا أسواركم، لن تمنعوا الشمس من الإشراق'.

هنديّ أحمر... رجل أبيض

في الفصل السابع، حلّل حمدان قصيدة محمود درويش، 'خطبة الهنديّ الأحمر'، مفكّكا طلاميس رموزها من خلال كشفه صورة الصراع المتكرّر بين قوّتين، مثّلتا في التاريخ قطبين متضادّين: قطب وحدويّ (طنطاليّ) نسبة إلى طنطالوس، الذي كلّما دنا من الماء أو مدّ يده نحو الفاكهة اختفيا، وقطب فصليّ (سيزيفيّ)، نسبة إلى سيزيف الذي يعمل عملًا مضنيًا، دائمًا، في صعوده إلى قمّة الجبل من دون الوصول إلى هدفه.

مثّل القطب الطنطاليّ نمط حياة نظريّ، محوره التأمّل والرجاء وإدراك العجز، ومثّل القطب السيزيفيّ نمط حياة عمليّ، محوره الفعل وإنجازه، عماده القوّة، والانضباط، والسيطرة النسبيّة على الأشياء.

محمود درويش (1941 - 2008)

ومع أنّ لهذين النمطين وجه مشترك، هو التكرار، والعودة، واللاجدوى، إلّا أنّ أفراد الحضارة الطنطاليّة يختلفون عن أفراد الحضارة السيزيفيّة. أوّل حمدان قصيدة درويش على أنّها تعبير رمزيّ عن حالة الصراع الدمويّ بين أفراد هاتين الحضارتين: حضارة الهنديّ الأحمر وحضارة الرجل الأبيض، متّخذًا من اختلاف الحضارتين إطارًا فلسفيًّا.

 ينسحب هذا التعبير الرمزيّ على الحالة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة التي يسود فيها صراع طنطاليّ - سيزيفيّ أيضًا، يجعل مفهومي النصر والهزيمة جافّين. صحيح أنّ أفراد الحضارة الطنطاليّة، عبدة إله الطبيعة، فقدوا أرض الوطن، لكنّهم لجأوا للذاكرة، مستمدّين منها استمرار انتمائهم إلى المكان كي لا تضيع هويّتهم.

أمّا أفراد الحضارة السيزيفيّة، عبدة إله الحديد، فقد اعتمدوا على هيمنتهم المؤقّتة على المكان في زمن الحاضر، لكنّهم لن يستطيعوا السيطرة على الروح الطنطاليّة التي تملأ المكان المطلق المتخيّل، والقائم في الذاكرة، الذي يشير إلى مكان واقعيّ هدّمه ضيوفه أو مستوطنوه الجدد، ليقيموا حضارتهم المادّيّة على أنقاض حضارة فيها وحدة بين المادّة والروح. فصورة الرجل الأبيض في القصيدة، في نظر حمدان، استعارة أسطوريّة وسلبيّة ترمز إلى 'حضارة فصليّة مجزّئة ... لتسهيل عمليّة بسط سيطرتها ... في إطار نظام هرميّ ... [يقوم على] نفي وإقصاء الآخر ... من أجل تحقيق مشروع [يعمل على] تسخير وتطويع للناسوت واللاهوت'.

صيّاد

في الفصل الثامن، تناول حمدان إبداع الفنّان ناجي العلي، الذي استطاع بريشته أن يحوّل حنظلة الطفل، ابن العاشرة، إلى صيّاد للحقيقة. وحنظلة رمز إلى العليّ نفسه، الذي وضع على بطن الزمن صخرة منذ النكبة، كما صرّح في إحدى مقابلاته الصحافيّة: 'شخصيّة هذا الطفل الصغير الحافي [حنظلة] هي رمز لطفولتي. أنا تركت فلسطين في هذا السنّ وما زلت فيه'.

ناجي العلي (1937 - 1987)

استطاع العلي من خلال حنظلة 'تجميد الزمن لكي لا تندثر القضيّة'، وكشف الحقيقة غير المجيّرة لقوّة السلطة والسلطان، كما صرّح: 'أنا منطقة محرّرة، ليست مجيّرة لأيّ مؤسّسة أو نظام. [أنا] متّهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها ... أنا منحاز لمن هم ’تحت’... الذين يرزحون تحت نير... الأكاذيب... وصخور... القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات'. هذا القول، في تأويل حمدان، 'نسخة جديدة لصراع أخناتون محفوظ الباحث عن الحقيقة وفاضح الأقوياء.

اختار حمدان من حوالي 12 ألف لوحة كاريكاتيريّة رسمها العلي، 18 لوحة تعكس معادلة الحقيقة والقوّة التي تُظهر زيف النظامين العربيّ والفلسطينيّ الرسميّين، ومؤسّاساتهما الأحاديّة. مع السنين، تطوّر فهم حنظلة، لكنّه بقي كاشفًا أبعاد الصراع بين القامع والمقموع، وبين نظام القوّة وصدق الحقيقة.

كرامة وانتقام

في الفصل التاسع والأخير، اختار حمدان ثلاثة أفلام فلسطينيّة: 'عرس في الجليل' (ميشيل خيلفي، 1987)، و'سجلّ اختفاء' (إيليا سليمان، 1996)، و'درب التبّانات' (علي نصّار، 1997)، رصد من خلالها التحوّلات المصيريّة للشعب الفلسطينيّ، التي أثّرت في مبناه الاجتماعيّ في كلّ من أراضي 48، والضفّة الغربيّة، وقطاع غزّة، والمخيّمات، والشتات.

في قراءة هيرمينيوتيكيّة للأفلام الثلاثة، أوّل حمدان الأحداث والمشاهد ليبرز الصراع على الساحة الفلسطينيّة بين القوّة والحقيقة، وبين القامع والمقموع. فظهرت في 'عرس الجليل' العروس رمزًا لكرامة فلسطين الضائعة، وظهر العريس العاجز جنسيًّا عن تحقيق الفعل الذي من المفترض أن يجلب هذه الكرامة، ليستبدله بفعل آخر، تمثّل بالانتقام من الأب، مختار القرية، ورمز المسؤوليّة القوميّة عن ضياع الوطن، حين وافق على وجود الإسرائيليّين في العرس. إنّ انتقام الابن وغرسه السكّين في جسد أبيه، وإراقة دمه، كلّها استعارات لانتصار الحقيقة العاجزة على جبروت القمع الداخليّ، جالب القمع الخارجيّ.

إيليا سليمان

وبالطريقة نفسها أوّل حمدان فيلم 'سجلّ اختفاء'، فظهرت فيه قصّة غياب الحلم الشخصيّ والوطنيّ، وظهر بطل الفيلم متنقّلًا بين الناصرة، والقدس، ونيويورك، تعبيرًا رمزيًّا عن تمزّق التواصل المكانيّ وفقدان الوطن.

أمّا مشاهد فيلم 'درب التبّانات'، فترمز إلى عالم مزدوج، فيه مجموعتان متناقضتان: الأولى 'محور الشرّ'، مثّله مختار القرية الذي يأمر إحدى النساء أن تسلّمه ديكًا تملكه، لكي يقدّمه إلى زوجته، ليتحوّل الديك إلى رمز من رموز الهيمنة والسيطرة، مقابل ديك مجنون القرية، أحد رموز الحقيقة. يربّي المجنون ديكه لكي ينتصر على ديك المختار المسروق، غير أنّ الكلب، رمز آخر من رموز الهيمنة، يفتك به.

من بين شخصيّات المجموعة الأولى التي لا تتورّع عن اختراق الحدود القوميّة والأخلاقيّة، شخصيّة الضابط الإسرائيليّ، وجنوده الذين ينكّلون بالسكّان بحجّة الحفاظ على الأمن والنظام.

ولا يخلو 'درب التبّانات' من لقطات كوميديّة ونقد كرنفاليّ، أبطاله أطفال قرية يحوّلون مكان لعبهم إلى مسرح ريفيّ مرتجل، يقلب معادلة القوّة والحقيقة رأسًا على عقب.      

 

بروفسور قيس فرّو

 

 

حاصل على الدكتوراه في التاريخ من 'مركز دراسات البحر المتوسّط' عام 1980، ثمّ درجة الأستاذيّة. عمل باحثًا ومحاضرًا في قسم تاريخ الشرق الأوسط، ورئيسًا له، بجامعة حيفا. له العديد من الكتب والمقالات العلميّة، مثل: 'الحرير في لبنان: تغيّرات اقتصاديّة اجتماعيّة 1860- 1914'، و'من تاريخ الدروز'، 'تغيّر مفهوم الأمّة، صعود العروبة ومشكلة الأقلّيّات 1850- 1940'.                          

تعليقات Facebook