الحرب الأهليّة الأميركيّة: الشارع والكلمة والصورة

Barnaby Furnas

يقول الشاعر الأميركيّ والت ويتمان في وصف الحرب الأهليّة الأميركيّة، التي امتدّت بين عامي 1861 و 1865، إنّ 'الحرب الحقيقيّة لا تصل أبدًا إلى الكتب'. وهو يشير بذلك إلى جدل توصيف الحرب الأهليّة وإشكاليّة تحديد معانيها في التاريخ الثقافيّ الأميركيّ. ولعلّ في الجدل حول أسباب الحرب إحالات أخرى، لا تمسّ العلاقة بين المرئيّ والمكتوب فقط، بل العلاقة الشائكة بين المكتوب والحدث أيضًا، بالإضافة إلى الجغرافيا السياسيّة الخاصّة بالحدث وشخوصه.

'كوخ العمّ توم'

في يوم من أيّام عام 1862، التقى أبراهام لينكون بالروائيّة الأميركيّة هارييت بيتشر ستو، مؤلّفة رواية 'كوخ العمّ توم' (1852)، بحضور جمع من السياسيّين والمثقّفين، ورحّب بها قائلًا: 'هذه السيّدة الصغيرة هي التي أشعلت الحرب الأهليّة'. رواية ستو تسرد معاناة العبد توم الذي باعه سيّده إلى سيّد آخر، وبقي متنقّلًا من قيد إلى قيد إلى أن مات من التعذيب الشديد الذي تعرّض له. ارتبطت نهاية الرواية المأساويّة بنهاية واعدة وقف فيها السيّد الأبيض جورج شيلبي قائلًا: 'اشهد يا إلهي، اشهد أنّني ومن هذه الساعة سأكافح لتخليص بلادي من لعنة العبوديّة'.

غلاف 'كوخ العمّ توم' الأوّل (1852)

كانت رواية ستو، التي صدرت قبل عشرة أعوام من الحرب، من الشعبيّة بمكان أن بيعت 300,000 نسخة في الولايات المتّحدة، ومليون نسخة في بريطانيا، في العام الأوّل لإصدارها. بعد ذلك، سُوّقت الرواية وسياقها نقديًّا وثقافيًّا كمرافعة أخلاقيّة عن علاقة الأدب بالفعل السياسيّ الاجتماعيّ.

رواية مضادّة

في الجنوب، حيث كانت ملامح الحرب تتكوّن ببطء وثقة في آن واحد، لم تُستقبل 'كوخ العمّ توم' بالودّ نفسه الذي استُقبلت فيه الرواية في الشمال، حيث مُنعت في بعض الولايات، وجُرّم حاملوها في ولايات أخرى. روائيّون من الجنوب بدأوا مشروع رواية مضادّة، تصف حكاياتهم في ذلك السياق مالكي العبيد بالخيّرين، وتؤكّد على ضرورة العبوديّة بصفته فعلًا اقتصاديًّا حيويًّا لخدمة السكّان جميعًا، وعملًا خيريًّا لتوفير لقمة العيش للعبيد، بدلًا من أن يهيموا على وجوههم في البرّيّة، حيث تلتقطهم الذئاب الجائعة.

الروائيّ الجنوبيّ والتر سكوت، على سبيل المثال، كان من الروائيّين الذين زرعوا أفكار الفروسيّة، والشجاعة، والسموّ لدى الجنوبيّين، في سعي واضح ضمن نخبة الجنوب الأدبيّة للتميّز بالهويّة والجوهر عن الشمال، 'الذي فقد الانتماء لأصوله'. 

حرب غير مكتوبة

حتّى أربعينات القرن الماضي، لم تكن علاقة الأدب الأميركيّ بالحرب الأهليّة موضوعًا 'ملائمًا' في المدارس والجامعات الأميركيّة. بعد ذلك، انتبه أكاديميّون أميركيّون إلى الفراغ المسكوت عنه، وحاولوا تأسيس مساقات خاصّة بذلك، لكنّ الحرب، موضوعًا أدبيًّا، بقيت 'حربًا غير مكتوبة'، بتعبير الناقد الأميريكيّ دانييل آرون.

أبراهام لينكون (1809 - 1865)

منذ سبعينات القرن الماضي، تسلّلت أصوات مثقّفين سود وملوّنين، وثقافات مهاجرة، إلى الجدل العامّ، في اعتبار الحرب الأهليّة مرجعيّة ثقافيّة ترسم وتحدّد هويّة الأميركيّ الجديد، ووجه الولايات المتّحدة المستقبليّ.

'ذهب مع الريح'

على صعيد الثقافة الشعبيّة، التقطت السينما الأميركيّة، منذ بداياتها، الحرب الأهليّة بذكاء شديد، حين حُوّلت رواية الكاتبة الجنوبيّة مارغريت ميتشيل، 'ذهب مع الريح' (1936)، إلى فيلم رومانسيّ حاز على شهرة مذهلة.

تبدأ أحداث الفيلم قبل بداية الحرب بقليل، مع توصيف الحياة العاطفيّة لسكارليت أوهارا، ابنة صاحب مزارع القمح في الولاية الجنوبيّة، جورجيا. بعد نشوب الحرب، تودّع سكارليت خطيبها الذي لا تحبّه، وتودّع الأرستقراطيّ أشلي ويلكس أيضًا، الذي خذلها وخطب فتاة أخرى. تنتهي الحرب بهزيمة القوّات الكونفدراليّة ودمار مزارع أبيها، إلى جانب هزيمتها العاطفيّة، إذ لم تستطع إقناع أشلي بالتخلّي عن زوجته، ولم تفلح بإقناع زوجها الجديد بالبقاء معها أيضًا.

KKK

خلال حركة الفيلم السرديّة، يؤدّي العبيد دورهم؛ خدمة أسيادهم بمحبّة وسرور أصيل. ومع نهاية الفيلم، وبداية حلم 'إعادة البناء'، يبدأ السياسيّون (البيض بطبيعة الحال) بشراء أصوات السود أو الأحرار الجدد، من دون أيّ نقاش، فالأسود لا يتكلّم لغة السياسة، بل يُستخدم أداةً في لعبة الديمقراطيّة البيضاء.

'ذهب مع الريح' (1939)

في رواية 'ذهب مع الريح' إشارات إلى دور جماعاتKKK  العنصريّة في إعادة بناء الجنوب مادّيًّا وأخلاقيًّا (لم يتناول الفيلم هذا الدور). مادّيًّا، حيث التأم ضبّاط الحرس القديم من مخلّفات القوّات الكونفدراليّة، وشجّعوا سكّان الجنوب على استرجاع مصالحهم، ومحاربة السود، والمتحالفين معهم من البيض. أخلاقيًّا، بعد هجوم الشماليّين وأعوانهم من السود على سكارليت، يحاصر رجالKKK  (وهم بمجملهم عشّاق سكارليت: زوجها فرانك، وحبيبها الذي خذلها أشلي، وحبيبها المستقبليّ بريت) المعتدين، ويدافعون عن شرف المرأة الجنوبيّة البيضاء.

أيقونة

على الرغم من خطابيّته وحواراته الورديّة، كان فيلم 'ذهب مع الريح' اختبارًا رياديًّا لصورة السود/ العبيد بعد الحرب الأهليّة، الصورة بمعناها الفيزيائيّ كما تظهر مع النصّ المكتوب في قاعة السينما، وبمعناها السيكولوجيّ أيضًا. يسرد كاتب السيناريو والحوار، سيدني هوارد، في مذكّراته، أنّه كتب إلى مارغريت ميتشل يسألها عن شخصيّاتها من السود، ويقول: 'لم أجد أحدًا كتب عن السود بهذا الشكل من قبل ... يبدون لي أكثر بياضًا'. لكن مارغريت ميتشل (الجنوبيّة) لم تكن معنيّة بالجدل، بل بصورة كرتونيّة مبهرة، صورة بعيدة عمّا يكمن في الوعي الأبيض وصور تفوّقه وسيادته.

لم يكن 'ذهب مع الريح' الفيلم الأخير الذي تحدّث عن الحرب الأهليّة والسود، ولن يكون. وستظلّ صورة أبراهام لنكون أيقونة في المخيّلة الأميركيّة، أيقونة انتصار لقيمة إنسانيّة حاسمة، وأيقونة جدل بشأن قيم ورموز هويّاتيّة. ستقف الأيقونة مزدوجة الوجه على جدار خلفيّ إلى جانب الخادمة السوداء 'مامي'؛ وهي تنظر بعين مترقبة إلى سيّدتها الحائرة سكارليت.

 

أشرف الزغل

 

شاعر وباحث من فلسطين. له أربع مجموعات شعريّة؛ 'دواليب الرماد' (بالاشتراك مع عبد الرحيم الشيخ)، و'نوم كما أرى'، و'صحراء في المترو'، و'صورة العائلة البشعة'. حصل على جائزة الكاتب الشابّ – حقل الشعر من مؤسّسة عبد المحسن القطان عام 2001.

تعليقات Facebook