"عن الحبّ والموت": البحث عن إجابة ما بين يوريديس ويسوع

يوريديس وأورفيوس | إدوار بويتنر

 

الحبّ مسافة إلى العمق، زيادة في معرفة الذات، لا نيّة في التمدّد على ظهر العالم، بل الاكتفاء بأقلّ حجم من الممكن أن يكون، تلك الحالة الشموليّة للفهم، والإجابة الغريبة عن أسئلة النقص، رغبةً في الاكتمال.

 

متلاصقان؟

على القرب من الحبّ، يتفرّع غموض الموت من نفس الشجرة، حيث السؤال الأكبر، هو "الما" خلف كلّ حياة، الانتقال إلى مكان لم تطأه حاسّة؛ لتفنّد لنا الصور بالطريقة الّتي نتفهّمها، وندمجها ضمن حدود المنطق، انشقاق كلّيّ عن السرب المستمرّ، إلى التوقّف والصمت المحمَّل بالأسى.

يبدأ الحبّ في النموّ مع الإنسان، من خلال التركيبة الحسّيّة الّتي تشكّل عليها تكوينه، من استجابات نفسيّة واجتماعيّة، تبعًا لتركيبه وبيئته، وينمو الحبّ في جسد الإنسان، مثل شتلة تحتاج إلى كلّ ما يدعم بقاءها، وإلّا خفتت وماتت، موت الحبّ، وحبّ الموت، ونقول: "أحبّك حتّى الموت"، و"أموت في حبّك".

 

غلاف كتاب "عن الحبّ والموت"​​

 

إلى هذه الدرجة، الحبّ والموت متلاصقان؟ هل الحبّ أمر كونيّ؟ أم هو شيء عاديّ لا يمكنه التحكّم بمصير الإنسان؟ ما الّذي يدفع الإنسان ليتذكّر الموت وقت الحبّ؟ وهل هذا من الطبيعيّ؟

هذا ما يقدّمه الروائيّ الألمانيّ باتريك زوسكند، ويحاول مناقشته من خلال كتابه "عن الحبّ والموت"، بترجمة من نبيل الحفّار، والصادر عن "دار المدى" عام 2017.

   

الأكثر حيرة

زوسكند يقدّم ما يشبه البحث النقديّ الأدبيّ، حول تداخل الحبّ والموت، ويحاول أن يقدّم الإحساس بالحبّ بشكل مغاير، وليس كما تناوله أفلاطون من باب التبجيل والتقديس، حيث سيطرته على الإنسان، وتحكّمه بمصيره، إنّما يقف زوسكند خارج الحبّ؛ ليصفه بالشيء الأكثر حيرة في الحياة، وعن القصور في وصفه يتحدّث، كأنّه لغز غير قابل للحلّ، لكنّها تأويلات لا أكثر، وقد اعتبر الحبّ الأكثر شراكة مع الموت في نسبة الغموض.    

يستغرب زوسكند من شدّة انشغال الإنسان بالحبّ على مرّ العصور، وبالفنّ الّذي يُعتبر وهج العاطفة والحواسّ، ويحاول أن يربط الحبّ بالمعرفة، فيقول: "الشعراء لا يكتبون عمّا يعرفونه، بل عمّا لا يعرفونه حقّ المعرفة". 

 

الروائيّ الألمانيّ باتريك زوسكند

 

في "المأدبة"، حاول أفلاطون تقديم أبسط التعريفات للحبّ؛ بأنّه ما يملأ النفس أو يفرّغها من الانسجام، وسقراط قدّم الحبّ على أنّه ذهول وجنون محبَّب.          

يتناول زوسكند من "المأدبة" فكرة الحمل والوضع في الجمال، حيث إنّ ما يتبقّى من الإنسان هو الّذي يمكن الفنّ أن يصوغه، فورد في "المأدبة": "كلّ ما ندعوه إبداعًا، هو حصّة الإنسان في الوجود".

           

الغباء اللحظيّ

امتلك زوسكند القدرة على السخرية من اعتبار الحبّ الأمر الأكثر سموًّا، وامتلاكه مادّة الخلاص، وأنّ فيه شيئًا ألوهيًّا، منذ ألفين وخمسمئة عام، من قِبَل كلّ مَنْ يؤلّف أو يغنّي.

ويتمازج زوسكند وما طرحه أفلاطون؛ بأنّ الحمقى لا يطمحون إلى الخير والجمال والسعادة الإلهيّة، وكذلك الحكماء؛ لأنّ لديهم كلّ ذلك، ويقول زوسكند: "أولئك إذن فحسب، ’المابَين‘، الّذين يقفون في المنطقة الوسطى، بين الحماقة والحكمة، هم مَنْ يطمحون إلى الجمال". وقد طرح أمثلة للفهم الخاطئ لمعنى الحبّ، حين انتقد الزوجين اللذين قبّلا بعضهما بعضًا عند إشارة المرور بشكل مبتذل، وتسبّبا في إزعاج الجميع وإيقاف الحالة المروريّة. وتساءل عن النموذج الّذي يمثّل النشوة، وعن الفرق بين ذلك والحبّ الحسّيّ، في قصّة المطعم، وراح إلى أنّ قصّة النادل والكاتب، ليست هي الطريقة الفضلى لتعريف الحبّ.

 

أفلاطون، صاحب كتاب "المأدبة"

 

 زوسكند، وبطريقة مثيرة، يسخر ممّا يصيب عقل الإنسان من غباء حين يحبّ، ويسخر من نفسه حين يتفقّد رسائله القديمة، ويعزو السبب في عدم القدرة على محاورة العاشق في عشقه، بشكل منطقيّ، إلى فكرة الغباء اللحظيّ، ويتساءل - بشكل فيه من الجدّيّة - عمّا إذا كان الحبّ مرضًا شنيعًا، يصيب الإنسان ويعطّل ممارسته لذاته، ويطلب من سقراط النجدة بحكمته!

 

الفراشة

ينتقل زوسكند بنا من الحبّ إلى الموت بالقول: "إذا كان بوسعنا الدردشة بحيويّة عن الحبّ، فليس ثمّة ما يقال عن الموت، إنّه يشلّ قدرتنا على الكلام"، وبفكرة فلسفيّة يقدّم سؤالًا مغلقًا على ذاته؛ فيتساءل: "هل الموت موضوع؟ أم هو اللاموضوع في ذاته؟".                                                                                                 

ويواصل الأسئلة الملغومة، الّتي تنفجر في الدماغ؛ لتحرّك أسرار المعرفة؛ فيسأل: "هل الحبّ والموت ضدّان؟ أم رفيقان؟"، ويتناول ما حاول الكتّاب والفلاسفة عرضه من تقريب للموت والحبّ؛ فيقول ستندال: "الحبّ الحقيقيّ يجعل فكرة الموت مألوفة، خفيفة ليس فيها ما يفزع، يصبح الموت موضوع موازنة، هو الثمن الّذي يقبل الإنسان بدفعه، لقاء أشياء كثيرة".                                                                     

إنّ تناول زوسكند للموت؛ على أنّه الخلاص الّذي يلجأ إليه العاشق؛ للتغلّب على آلام الحبّ، لهو فلسفة غريبة، كمن يكشف الستار عن السماء لأوّل مرّة.

 

كلايست وغوته

 

ويذهب زوسكند إلى فكرة أن يبحث الحبّ عن أنقى صيغة له، ويحقّقها الموت! ويفرّق زوسكند بين كلايست، الّذي كان مهووسًا بفكرة الانتحار الثنائيّ مع عشيقته، وفرتر الّذي فضّل الموت على فراق حبيبته. ويخلص إلى أنّ مَنْ اقتدى بفرتر هو الضعيف، الّذي لا يستحقّ أفضل من هذا الموت، أمّا كلايست فكان يمتلك من القوّة ما فيه من الاستهجان من قِبَل غوته، لكنّه بعد سنوات عبّر عن فتنته بفكرة الفراشة، الّتي تنجذب بلا مقاومة لمصدر النور؛ فتسقط ميّتة.

 

الإنسان الأكمل

انطلق زوسكند من معياره للتفريق بين يسوع الناصريّ بحبّه البريّة جمعاء، ورغبته في إرساء مبادئه للجميع، ومحاولته في إظهاره قدرته على إحياء الميّت وإعادته إلى الحياة؛ ليحقّق الإذهال للجميع ويحزّبهم لحزبه، وبين أوروفيوس الّذي أحبّ يوريديس فقط، في الأسطورة الإغريقيّة، الّذي نزل إلى عالم الموتى السفليّ ليعيد حبيبته، واعتُبر أوروفيوس الأقرب إلى الإنسان الأكمل.                                                        

في كتاب زوسكند، سيجد ضالّته مَنْ تغويه الأفكار الفلسفيّة، والطروحات المنبتة للعشب داخل العقل، هو طرح، ورغم أنّه قصير، إلّا أنّه يحوي من المعرفة، ما يزيد من النفس الإنسانيّة نورًا وحيرة في نفس الوقت.

 

 

حسام معروف

 

شاعر ومحرّر. عضو هيئة تحرير مجلّة 28 الغزّيّة، ويدير أنشطتها. يدير صفحة بيانات الأدبيّة على 'فيسبوك'. عضو مؤسّس في التجمّع الشبابيّ من أجل المعرفة 'يوتوبيا'. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج'.

 

 

تعليقات Facebook