"جوار في الطبيعة"... تربية من أجل التحرر في دير راهبات الوردية

جانب من أنشطة مشروع "جوار في الطبيعة"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة
أشارك في هذه الشهادة تجربتي ضمن مشروع "جوار في الطبيعة"، الّذي نُظّم بالتعاون مع "جمعيّة الثقافة العربيّة" في حيفا، وقد كانت لي فرصة التخطيط له وتنفيذه. وليس المقصود من كتابتي وصف التجربة خلال ربيع 2019 فقط، وإنّما الحثّ على تحسين أساليب تربيتنا لأنفسنا ولأطفالنا، بشكل مستقلّ وصادق ونافع للذات الفرديّة والجماعيّة الفلسطينيّة.

 

معنى "الجوار" و"المجاورة"

جاء مشروع "جوار في الطبيعة" إلهامًا من كتابات التربويّ الفلسطينيّ منير فاشة، الّذي يطرح مفهوم المجاورة في السياق التربويّ، بصفتها وسيطًا للتعلّم الحرّ والشافي من أضرار المنظومة الاستهلاكيّة السائدة في الحياة إجمالًا، وفي السياق التربويّ بخاصّة. "إنّ هذه المنظومة"، يقول فاشة، "تجعل الإنسان مستهلكًا للمعرفة بمعناها التقنيّ، وتردعه عن مواجهة نفسه والسؤال والشكّ في معتقدات مجتمعه".

 

 

يعرّف فاشة المجاورة والجوار كالآتي: "مجموعة من المُريدين والمُرادين يقرّرون بحرّيّة، وبدافع ذاتيّ، الالتقاء دوريًّا حول أمر أو ناحية في حياتهم، يسعون إلى العيش وفقها، أو تعلّمها وفهمها، أو القيام بعمل يتعلّق بها، على أن تتوفّر فيها حرّيّة على الصعيدين الشخصيّ والجمعيّ للتعلّم، انطلاقًا من الواقع الّذي يعيشه المتجاورون، بلا وجود سلطة داخل المجموعة أو من خارجها[1].

نركّز خلال المشروع على التفاعلات على الصعيدين الذاتيّ والجماعيّ للأطفال والكبار ضمن الجوار، أي المحيط الحاضن، وهو الطبيعة في حالتنا. وبدل التركيز على معلومات ومهارات تقنيّة للمواضيع الّتي أردنا تعليمها للأطفال، رافقتنا فكرة المفكّر والتربويّ البرازيليّ باولو فريري، في كتابه "تعليم المقهورين"[2]، الّذي أراد تغيير دور التعليم من أداة للقهر إلى أداة لأجل التحرّر والتحرير. يطلق فريري مصطلح "التربية القهريّة" على التربية ذات الطابع القهريّ؛ حيث أنّ النظام التعليميّ يعتبر المتعلّمين "حسابات بنكيّة"، يودع الأساتذة المعرفة في أذهانهم، ولذلك فهم مقهورون. وفي "جوار"، جاء السؤال والشكّ في معنى تحسين الوعي الناقد للطفل، حجرًا أساسًا اعتُمد عليه في زراعتنا ولعبنا وأكلنا وحديثنا؛ فالطفل - وعلى الرغم من صغر سنّه أو بسبب هذا الصغر - كائن فضوليّ، قادر على الخيال والنقد المجرّد. 

 

لماذا تهمّني هذه الأسئلة؟

أسأل نفسي: لماذا تهمّني هذه الأسئلة، بدلًا من اتّخاذ الطريق السهلة في تقديم الحلول والإجابات للأطفال في أرض "الجوار"؟، سبب ذلك إدراك أنّ العمليّة التربويّة أمر في بالغ الأهمّيّة، وتتطلّب الجهود الذهنيّة والعمل الصادق؛ أي المسؤوليّة الأخلاقيّة لأفراد ومؤسّسات فلسطينيّة مستقلّة، بحثًا نحو التفكير، وفي السؤال حول التبعيّة الثقافيّة والاقتصاديّة للنظام الإسرائيليّ، وإسقاطات هذه التبعيّة على عقولنا وعقول أطفالنا.

يطلق فريري مصطلح "التربية القهريّة" على التربية ذات الطابع القهريّ؛ حيث أنّ النظام التعليميّ يعتبر المتعلّمين "حسابات بنكيّة"، يودع الأساتذة المعرفة في أذهانهم، ولذلك فهم مقهورون

 وفي "جوار"، حضر السؤال حول هدف عمليّة التعليم الساعي إلى الحرّيّة: أهي لأجل ممارسة الطفل لذاته بحرّيّة، أم لأجل تحقيق مجتمع حرّ؟ 

وبعد إدراك السؤال شكلًا ومضمونًا، جاء رفض الفصل بين الذات الفرديّة والجماعيّة؛ كلّ واحد منّا ذات مستقلّة مميّزة لها عالمها، والعوالم هذه تجتمع في فضاء واحد، لأجل العمل في الأرض بأيدي وأرجل أطفال ومتطوّعين، رغبوا في "جوار" الأطفال وممارسة الزراعة. ومن خلال العمل أيضًا، نبحث في علاقاتنا، أو على الأدقّ، نعمل فنتفاعل بصفتنا مجموعة، ونبحث في ما يطرأ في المجموعة موضوعًا للبحث. 

 

أرض "الجوار"

"جوار في الطبيعة" مساحة تربويّة لتعليم أسس الزراعة وإثارة التفكير بشكل نقديّ ومبدع، أي فلسفيّ، من خلال قراءة القصص والأحداث اليوميّة في مساحة مفتوحة عُرِّفت قصريًّا بالطبيعة. جاءت حدود هذه المساحة ضمن ملكيّة "دير الورديّة"، الواقع في البلدة القديمة أو التحتى في مدينة حيفا، في شارع يافا. جاء اسم الورديّة لأنّه مسكن ومصلًّى لراهبات ينتمين إلى رهبانيّة نسائيّة تُعنى بالتربية والخدمات، تأسّست في المشرق العربيّ عام 1880 في مدينة القدس، وقد أسّستها الراهبة ماري ألفونسين، هدفها نقل تعاليم الإنجيل إلى الناطقين باللغة العربيّة. ومن شروط الانتساب إلى الرهبنة أن تكون الفتاة عربيّة.

 

 

جاء اختيار الموقع المتميّز برحابته نظرًا إلى واقع أطفال يعيشون في هذه المدينة، ويمضون الكثير من الوقت تحت السقوف الأسمنتيّة والأجسام الحديديّة والبلاستيكيّة؛ فقامت أرض "الجوار" بمنح الفرصة للتجوال فيها، ليشعر ويتأمّل الطفل في كلّ ما يكتسيها من خضرة وزقزقة العصافير بأنواعها، إضافة إلى نعيق الغراب وملمس الأعشاب، ورائحة التربة الخصبة بعد هطول المطر، وكذلك تذوّق البرتقال واللعب بما سقط عن الشجرة، والّذي يُجمَّع – أخيرًا - في مكان صنع السماد. 

أرض الورديّة تمتدّ على مساحة 12 دونمًا، فيها البيّارة بأشجار الحمضيّات، وشجرة الزيتون الوحيدة الّتي اتّخذنا ظلّها مجلسًا دائريًّا للأطفال، للأكل والنقاش والراحة. 


مسار "الجوار"

ابتدأت سلسلة اللقاءات في السابع عشر من شباط (فبراير) 2019، بمشاركة عشرة أطفال، أعمارهم ما بين السادسة حتّى الثانية عشرة؛ التقينا على مدار خمسة شهور، كلّ أحد من الساعة التاسعة صباحًا حتّى الثانية ظهرًا، وقد جاء "جوارهم" في الطبيعة برفقتي [لعاملة لنا خاسكية]، ورفقة متطوّعين آخرين.

تميّز برنامج "جوار" بمرونته وعفويّته، وفي كلّ أسبوع، جرى التفكير والتحضير للبرنامج اليوميّ اعتمادًا على محطّات ثابتة وأخرى متغيّرة، متعلّقة بذات الطفل الفرديّة والجماعيّة. كنّا نحرص دائمًا على حقّ الطفل في عدم المشاركة في المحطّات المتغيّرة، الّتي اتّسمت بالأعمال اليدويّة.

اعتمدت على مساحة أرض يكمن بها وعليها الكافي من الأشياء، ليمارس الطفل معها وفيها ذاته المستكشفة الفضوليّة والعاملة المبدعة والنافعة، ولا بأس في أن يشعر أحيانًا بالملل

كنّا نبدأ اللقاءات بالتجمّع حول مصاطب الخضراوات الّتي أنشأناها معًا بشكل دائريّ، لتمارين الصباح وتعلُّم التنفّس بعمق من البطن، كي نحقّق التوازن والتحرّر من الضغوطات، ومن ثَمّ الإصغاء إلى الأصوات من حولنا، والعمل في حديقتنا، مدركين حقيقة حاجة النباتات للنموّ إلى أربعة أمور: شمس، وهواء، ومياه، وغذاء، مثلنا نحن البشر. اعتنينا بالدود الأحمر كي يمنحنا السماد بوفرة لحديقتنا، وراقبنا أمّ سليمان، وتعلّمنا عن العلاقات بينها والمَنّ والنمل، وطبخنا العلاج الطبيعيّ لحماية نباتاتنا من الحشرات المسبّبة لأضرار في المحصول.

بعد ذلك، كنّا نحضّر وجبة الفطور معًا؛ إذ يشترك الأطفال في تقطيع الخضراوات من حديقتنا للسلطة، وفي تحضير الطحينة، وأحيانًا في إشعال النار وخَبز الخبز على الصاج. 

في البداية، اعتمدتُ على محطّة قراءة القصص، لإثارة التفكير الفلسفيّ عبر إثارة السؤال الّذي ليس له جواب واحد صحيح، لكن، ومع المكوث معًا وقتًا طويلًا نعمل ونلعب، عايشنا العديد من الأحداث الّتي شكّلت لنا موضوع نقاش حول أفكار ومعانٍ عديدة، مثل الصداقة وعلاقة الأرض بالإنسان وغير ذلك، وكنت أطرح الأسئلة الّتي قد تساعد على توضيح الفكرة والتعمّق بها. وكانت المجموعة تمارس تعلّم الإصغاء والإنصات إلى حديث الآخر؛ حيث يمارس الطفل التفكير في فكرته وفي فكرة صديقه، في الآن نفسه.

 

 

وضعنا طاولة كانت للأطفال مكتبة، في البدء لم أحثّهم على القراءة، واكتفيت بتنبيههم على أنّها موجودة لمَنْ يرغب فيها. لربّما لهذا السبب رأيتهم جميعًا في أوقات مختلفة يقرؤون، كلّ اثنين معًا بالأساس. وقد شاهدت المشتركة الصغرى، سنا، ذات السنوات الستّ، تبني عشّ العصفور، كالصورة في كتاب يصف عبر الصور التقنيّات المختلفة للحيوانات في بناء البيوت. 

لم تتوفّر الألعاب بشكلها المادّيّ في مساحة "الجوار"؛ فعلى الرغم من أنّه لا اعتراض لديّ على أيّ نوع من وجود الألعاب في الحيّز التربويّ، لكن، كي يتمكّن الطفل من التعامل مع وقته بشكل مستقلّ، بلا وساطة البالغ أو ملهيات، وكي يبحث ويراقب ويشعر ويفكّر في ما حوله، اعتمدت على مساحة أرض يكمن بها وعليها الكافي من الأشياء، ليمارس الطفل معها وفيها ذاته المستكشفة الفضوليّة والعاملة المبدعة والنافعة، ولا بأس في أن يشعر أحيانًا بالملل، بل على العكس، حتّى في الملل تكمن فرصة للطفل بالسؤال: "ماذا أختار أن أعمل مع الملل؟".

 

"أين تقع حيفا؟"

تربية الأطفال والكبار ليست حقل عمل منعزل عمّا حوله، من ظروف سياسيّة واجتماعيّة تحيط بها. جاء السياق الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ المحلّيّ لعمليّة التعلّم والتعليم في "جوار" الأطفال، من مدينة حيفا الواقعة على جبل الكرمل، في شمال فلسطين، الّتي احتلّتها الحركة الصهيونيّة عام 1948، وهجّرت معظم سكّانها العرب الفلسطينيّين. وفي هذا السياق، ظهر جواب واحد للسؤال الّذي طرحته على الأطفال المشتركين "أين تقع حيفا؟"،  وهو: "حيفا مدينة تقع في جبل الكرمل الملامس للبحر، في فلسطين". هكذا، حدّد "الجوار" الإطار الجغرافيّ السياسيّ لأطفاله بأنّهم في فلسطين. إلّا أنّ مركّبات الهويّة وتاريخها طُرحت بشكل يدعو الطفل إلى التفكير فيها، ليشكّل مفاهيمه الخاصّة عبر النقاش مع الآخرين، لتكون أفكاره أجمل كالحجر المنقوش.

حدّد "الجوار" الإطار الجغرافيّ السياسيّ لأطفاله بأنّهم في فلسطين. إلّا أنّ مركّبات الهويّة وتاريخها طُرحت بشكل يدعو الطفل إلى التفكير فيها، ليشكّل مفاهيمه الخاصّة عبر النقاش مع الآخرين

جاءت ضرورة تحديد إطار الحيّز "حيفا تقع في فلسطين"، لتمثّل النقيض لواقع مدينة حيفا الّتي غدت مركزًا ثقافيًّا لفلسطينيّي أراضي 48، لكنّها تبقى كبقيّة المدن والقرى في قلب فلسطين المحتلّة عام 1948، تبقى متعلّقة بالنظام الاستعماريّ الاستيطانيّ على الصعيدين المادّيّ والاجتماعيّ.

 

قصص من "جوار" 

          (أ) "أكثر من اللزوم حرّيّة..."

في نهاية اللقاء الأوّل، طلبتُ الحديث مع طفل يبلغ من العمر 12 عامًا، ابتدأت المحادثة بسؤال: "ليش عم نحكي هاي المحادثة على جنب؟"

- بعرفش.

- بتعرف، خذ وقتك وفكّر، وأنا هون.

- مش عم بسمع، وبعمل ضجّة.

- وشو المشكلة بلّي بتحكيه؟

بدأ الطفل بالاعتذار وتقديم الحجج والادّعاءات حول أهمّيّة الإصغاء، لكن ذلك كان صوتًا لكلمات يردّدها بلا إدراك معناها. ربّما، لو أدرك حقيقة معناها لكان عمله وتصرّفه يتناغمان مع الفكرة.

- فشّ داعي للأسف حاليًّا، بَسْأَل من جديد وبصيغ سؤالي بطريقة ثانية: إن كنت عنجد واعي معنى الكلمات اللّي عبرت عنها شفهيًّا، إذن، ليش تصرّفك كان عكسها؟

- أنا منفعل من المحلّ.

- وأنا كمان بحسّ بالانفعال والحماسة لأنّي هون، وعم بتعرّف ع ناس جداد، من الممكن يكونولي أصدقاء جداد.

- وإنت بتعطينا أكثر من اللزوم حرّيّة...

آنذاك، شعرت بالسعادة والحزن في الوقت ذاته، بالسعادة لأنّه يعبّر عن نفسه بكلماته لا عبر نصائح وتوصيات، والشعور بالحزن لأنّنا مجتمع يفتقر إلى الحرّيّة، ولا ندرك ممارستها بشكل طبيعيّ يتماهى مع طبيعة المجتمع البشريّ، ومعنى ممارسة الحرّيّة يكون بوضع الحدود بوعي واستقلاليّة.

- مش أنا اللّي بعطيك الحرّيّة، بسّ هذا المدى من الحرّيّة هو الشيء القائم والموجود في هذا المكان، وإنت بتختار كيف تتعامل مع هذا الكمّ، وإن كان ما بلاءمك، معناها ما تيجي ع اللقاءات.

تراجع: بالعكس، بدّيش بأقلّ من هيك.

- إذن، راجع نفسك، وإلك القرار.

- طيّب.

 

 

واستمرّ الطفل بحضور جميع اللقاءات، وأحيانًا - وبشكل مشاكس وذكيّ جدًّا - تفحّص معنى الحرّيّة معي ومع الآخرين، وخاض تجربة بحث ذاتيّ ومستقلّ عن وجوده وعلاقاته بالآخرين، والأجمل أنّه اختار التعبير عن أفكاره ومشاعره بصدق، وهو ما منحه فرصة أن يكون مشاكسًا، وفي الوقت ذاته الصوتَ الحاضن لأصدقائه في المجموعة، خاصّة للطفلة الأصغر سنًّا بين المشتركين.

شكّل هذا الحدث بيني والطفل، نقطة بداية لنا في صياغة العلاقة: أوّلًا، ما من سلطة للمعلّمة تجعلها تعطي وتأخذ حرّيّة ما، وإنّما ثمّة مساحة مادّيّة تفرض الحرّيّة على كلّ مَنْ يقطنها، والكلّ له حقّ الاختيار في أن يبقى أو يغادرها. 

ثانيًا، النقاش الصادق حول أمر ما، بين البالغ والطفل، بلا هرميّة وسلطويّة، يسمح للاثنين بالحديث بصدق دون رسميّات زائفة، بلا معنًى؛ وبهذا يتحقّق مبدأ الثقة بين الطرفين، ليسمح ذلك لكلّ منهما بالتعبير عن نفسه باستقلاليّة.

ظلّت الفكرة الّتي طرحها الطفل، وكذلك نقده (وإنت بتعطينا أكثر من اللزوم حرّيّة…)، ترنّ في الرأس حتّى لحظات الكتابة الآنيّة، وستبقى إلى ما بعد فعل الكتابة. ناقشني الطفل، وبهذا صار فعل التفكير لديّ أجمل؛ فقد أصغيت إلى ما يقوله، وتعلّمت أمرًا أو أمرين عن طفل فلسطينيّ فقدَ الحرّيّة، يشعر بامتلاك "زيادة عن اللزوم" حرّيّة.

النقاش الصادق حول أمر ما، بين البالغ والطفل، بلا هرميّة وسلطويّة، يسمح للاثنين بالحديث بصدق دون رسميّات زائفة، بلا معنًى؛ وبهذا يتحقّق مبدأ الثقة بين الطرفين، ليسمح ذلك لكلّ منهما بالتعبير عن نفسه باستقلاليّة

ولربّما هذا هو السبب في اختيار العمل مع الأطفال. ليس الهدف تلقينهم المعلومات، أي "التربية البنكيّة" السائدة كما وصفها فريري، أو الأخلاق بشكلها التلقينيّ، لتتحوّل إلى شيء تقنيّ ينبع من العقل، بلا شعور وتعاطف مع الآخر، وتكون النتيجة مؤسفة حين تفقد الكلمات المعاني في كينونة الطفل، لتحوّله إلى غريب:

"إنّ الكلمة غير الحقيقيّة، تلك الّتي تعجز عن تحوير الواقع، تتأتّى عندما يُفرض الانفصام على عناصرها المكوّنة. وعندما يجري تجريد الكلمة من بعدها الخاصّ بالعمل، يتأثّر التفكير بشكل أوتوماتيكيّ، وتتحوّل الكلمة إلى ثرثرة عبثيّة، إلى صفّ كلام بلا فائدة، إلى لغو مغترب ويحمل على الاغتراب، تصبح كلمة فارغة لا تستطيع التنديد بالعالم؛ لأنّ التنديد يستحيل دون التزام بالتحوير، ولا يوجد تحوير بلا عمل"[3].

 

          (ب) مقايضة ليمونة بخسّة

حين سألت عن آرائهم حول السماح للراهبات اللواتي يسكنّ "دير الورديّة" بالأكل من خسّاتنا وبندوراتنا وكوساياتنا، كانت إجابة الجميع بالقبول، إلّا أنّ أحد الأطفال لم ينس أنّ الراهبات لا يسمحن لنا بتناول الليمون من الشجرة؛ فعرض أن نسمح لهنّ بالتناول من خضراواتنا، وفي المقابل أن يسمحن لنا باستعمال الليمون الّذي نحتاج إليه لتحضير الطحينة في وجبة الفطور. وافق الجميع على هذا الشرط، بل فرحوا لهذا الاقتراح، وأمّا صاحب الاقتراح، فطلب أن يكون رسول المجموعة إلى الراهبة الهنديّة. في الطريق سألني: "ما معنى كلمة ’خسّة‘ بالإنجليزيّة؟".

 

 

فتحت لنا الراهبة الباب بعد أن قرعنا الجرس، وبدأ الرسول بتبليغ الراهبة قرار المجموعة بصدق. أبلغها الرسالة ولسانه ويداه تعبّر عن المجموعة: "You can take our lettuce, and we take Lemon from your tree".

هذه كانت حادثة واحدة، ضمن الكثير من الأحداث الّتي عايشناها عفويًّا، في الأرض، وقد مَنَحَت للأطفال فرصة التعلّم عن معنى الملكيّة الخاصّة، ومبدأ المقايضة عبر المشاركة فيها، من غير أن تتحوّل إلى مصدر للعداوة بينهم والراهبات.

 

          (ت)  الحيّة في البيّارة 

في لقائنا الثاني عشر، وفي أثناء جلوسنا تحت شجرة الزيتون، رأينا مجموعة من ستّة طيور أو سبعة، من طير المينا الهنديّ، رأيناها تصيح، وحين كنّا نخمّن اسم الطائر ونميّزه من لونه والعلامة البرتقاليّة أسفل عينيه، إذا بعزّام يصرخ: "حيّة!". 

وقفنا جميعًا خارج مظلّتنا الزيتونيّة وداخلها، نراقب الحيّة الفارّة بالاتّجاه العكسيّ لمكان وقوفنا. لم نميّز نوعها حينذاك، وقد حدّثتهم في لقائنا السابق عن الأفاعي في موسم الصيف، وعن نوعَيها السامّ وغير السامّ، لكنّ الحديث كان مجرّد حديث عن صور بلا حسّ، واكتفيت أثناءها بالمَثَل "جنب العقرب لا تقرب، وجنب الحيّة افرش ونام". 

كانت لـ "جوار" مرجعيّاته العالميّة والعربيّة الإسلاميّة، لكن كي تتحقّق تربية الأطفال من أجل الحرّيّة، لا تكفي المرجعيّات، وإنّما يجب فحصها على أرض الواقع وملاءمتها لهم، والتجديد والتغيير فيها، كي تتلاءم بشكل طبيعيّ والسياق المحلّيّ.

حين عدنا إلى مجلسنا الدائريّ، كانوا حقًّا مدهوشين. هتف طفل: "جنب العقرب ما تقرب، وجنب الحيّة افرش ونام. يلّا جيبو مخدّات".

اختفت الحيّة، لكنّها بقيت في الرؤوس، ولا سيّما في رأسي، وأحسست بالقلق على سلامة الأطفال جسدًا وروحًا؛ فاتّخذت القرار بنقل المجلس إلى مكان بعيد مكشوف، إلى جانب ما يسمّيه الصغار "مطبخنا"، وهناك تحدّثنا بعد أن أصغينا إلى الّذين شعروا بالخوف من كائن "الحيّة". قال أحدهم: "إسّا راح تكون براسنا الحيّة متخبّية بشي محلّ، بسّ إذا بنقتلها وبنعرف إنّه بطّل في منها، يعني مش بكلّ الحياة، بسّ هون بنرتاح".

وتحدّثت طفلتان إليه، وقد نظرتا في عيونه لا عيوني - عيون المعلّمة - وحكتا عن الخوف؛ أي أنّهما قامتا بفعل التسمية، حول العالم وداخله. فردّ: "بسّ مهي راح تقتل العصافير عنّا، والعصافير كثير حلو نطّلّع عليها". وردّت ثالثة: "بسّ مهي بتحمينا من أشياء ضارّة". ودعمها آخر بمثال. وأضاف الأخير: "إذا قتلتها، راح تفكّر فيها أكثر". واستمرّ الحديث، خاطبوا عقولهم بعد أن خاطبت الطبيعة حسّهم.

وفي الأسبوع التالي، رجعنا إلى مجلسنا الأصليّ، لنتنفّس بعمق، ولنعتني بنباتاتنا عبر رشّ مياه الثوم وإكليل الجبل، لحمايتها من المَنّ، وكذلك لإطعام الدود الأحمر في الصندوق الأبيض، ليستمرّ في إنتاج السماد لحديقتنا، وقد تحدّثنا وتساءلنا عن التعبير الصريح للطفل حول قتل الحيّة في اللقاء السابق، لنعرف ونفهم معنى دائرة الحياة عبر طرح السؤال: إذا اختفت كلّ الحيّات حول العالم؛ فماذا سيحدث؟

ولنطرح المسألة الفلسفيّة: لو فكّر الجميع مثلي، حول اختفاء الحيّة من حديقتي فقط، لا من العالم، فماذا يعني ذلك؟

 

ختامًا

كانت لـ "جوار" مرجعيّاته العالميّة والعربيّة الإسلاميّة، لكن كي تتحقّق تربية الأطفال من أجل الحرّيّة، لا تكفي المرجعيّات، وإنّما يجب فحصها على أرض الواقع وملاءمتها لهم، والتجديد والتغيير فيها، كي تتلاءم بشكل طبيعيّ والسياق المحلّيّ.

 

 

لقد كان لكلّ طفل مشارك شغفه الخاصّ لأمر ما في الأرض، وقد جاء التعبير عنه عبر الأهالي الّذين نقلوا الصورة من صغارهم؛ فتحدّث بعضهم عن المتعة والاجتهاد في ممارسة الطفل للزراعة، ونقلها إلى شرفة البيت، ومنهم مَنْ تحدّث عن النقاشات الّتي دارت بين الأطفال، ولا سيّما في مواضيع تخصّ الهويّة والانتماء؛ فقد صادف "جوارنا" ذكرى النكبة ويوم الأرض، وكان رائعًا لقاء بعضهم في "مسيرة العودة" الّتي نُظّمت في قرية "خبّيزة" المهجّرة، وتحدّث آخرون عن حقيقة وجودهم في البيّارة، ليمارسوا أعمالًا يدويّة أُقصيت في عالمٍ تحكمه التكنولوجيا، أو عن العلاقة الشخصيّة القريبة بين الطفل والمعلّمة، وقد تميّزت بحبّ وثقة.

لقد خضنا في مشروع "حوار في الطبيعة" تجربة ومسارًا تربويّين يحقّقان العمل والسياق لكلّ ما يتعلّمه الطفل، حتّى يستطيع خلق المعاني للأمور وتنميتها داخله ومن حوله.

..........

[1] منير فاشة، حكايتي مع الرياضيّات (رام الله: مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ، 2016)، ص 41.

[2] (Paulo Freire, Pedagogy of the oppressed (NewYork: Seabury Press, 1970.

[3] Ibid, pp. 75-6.

 

 

لنا خاسكيّة

 

 

 

متخصّصة في الفلسفة والعلوم السياسيّة، وحاصلة على شهادة في التدريس وأخرى في في الزراعة المعمّرة. 

 

 

 

تعليقات Facebook