محجر "بيت حجاي": الأرض فلسطينية والعمال فلسطينيون والأرباح للمستوطنة

محجر "بيت حجاي": الأرض فلسطينية والعمال فلسطينيون والأرباح للمستوطنة

تَقَع مستوطنة "بيت حجاي" في قلب الأراضي الفلسطينيّة في الضّفّة الغربيّة، قضاء مدينة الخليل، وقد أُقِيمَت المستوطنة عام 1984، وزادت من نفوذها مع الوقت، علمًا أنّها تلقّت عدّة ضربات من المقاومة الفلسطينية، كان آخرها عملية الخليل والتي تزامنت مع بدء المفاوضات المباشرة بين الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وقتل فيها 4 مستوطنين. وقد أعادت العملية الأضواء على هذه المستوطنة، وأثاَرَت مجدّدًا قضيّة عدم شرعيّة كافّة النّشاطات الاستيطانيّة وتبعاتها، سياسيًّا واقتصاديًا.

ألقى شاي فوجلمان، الصّحفيّ في "هآرتس"، الضّوء على قضيّة الكسّارة التّابعة لمستوطنة "بيت حجاي"، وهي محجر في الأراضي الفلسطينيّة متاخم للخطّ الأخضر، إذ أنّ المستوطنة تلقّت عام 1991، ستّة أعوام بعد إقامة المستوطنة، امتيازًا من دولة إسرائيل، منحته باسمها "وحدة الاستيطان التّابعة للهستدروت الصّهيونيّة".

حَمَلَ هذا الامتياز رخصَةً للمستوطنة يمهّد الطّريق ويشرّع بتشغيل محاجر-كسّارات داخل أراضي الضّفّة الغربيّة. وقد جاءَت هذه الخطوة، كما أقرّت الوثائق الرّسميّة بغية "تطوير المستوطنة وتثبيتها، وأيضًا لصالح تطوير ودعم قرية الأحداث التي أُقِيمَت في بيت حجاي".

يبعد المحجر عن مستوطنة "بيت حجاي"، الحائزة على امتياز تشغيله، مسافة 22 كيلومترًا، متاخمةً الخطّ الأخضر. وفي هذا السّياق يقول فوجلمان أنّ غالبيّة سكّان المستوطنة لم يدخلوا بتاتًا المحجر الذي يدرّ عليهم الأرباح، إذ أنّ مستوطنًا واحدًا فقط (من بيت حجاي) يعمل في المحجر، إلى جانب العمّال الفلسطينيّين الذين يقومون بتشغيل هذا المصنع (غالبيّتهم من قرية الظّاهريّة). تقوم شركة "مدان" الإسرائيليّة بصيانة وتشغيل أعمال الحفر والتّنقيب، والتي تدفع بدورها ضريبة الأرنونا لما يمسّى بـ"المجلس الإقليميّ هار حفرون" (جبل الخليل). وعليه، فإنّ مستوطنة "بيت حجاي" تتمتّع بنصيبها من الأرنونا التي تدفعها الشّركة المُشَغِّلَة، إضافة لدفعها عائدات للمستوطنة، عن كلّ طنّ من الحصى والحجارة التي تُسْتَخْرَجُ من المحجر. وتشكّل العائدات من المحجر ما يعادل 80% من دَخلَ مستوطنة "بيت حجاي".

يُعْتَبَر محجر "بيت حجاي" أكبر محجر في حدود الضّفّة الغربيّة، وثالث أكبر محجر في "إسرائيل" والضّفّة معًا. يشار إلى أنّ المحجر (وفقًا لالتماس منذ عام 2005) يستخرج ويسوّق 3 ملايين طنًّا من الحصى ومن منتجات الحجارة الأُخرى، وهو ربع ناتج كافّة المحاجر الإسرائيليّة في الضّفّة الغربيّة. وهنا جدير بالذّكر أنّ 74% من ناتج المحاجر الإسرائيليّة في الضّفّة الغربيّة، يُنْقَلُ إلى إسرائيل، ناهيك عن 80% من ناتج المحاجر الفلسطينيّة المُقَامة في مناطق C. ومن هنا فإن 20-30% من مجمل ما تستخدمه إسرائيل من حصى ومنتجات المحاجر يأتيها من الضّفّة الغربيّة.

هذه الممارسات غير القانونيّة وفقًا للمعايير والقوانين الدّوليّة، والمنافية لأخلاقيّات الدّول الشّرعيّة، أَثَارَت وما تزال تثير حفيظة الكثيرين ممّن يعترضون على سياسات الاستيطان في الضّفّة الغربيّة.

قدمت منظمة "ييش دين" لحقوق الإنسان في الضّفّة الغربيّة التماسًا قضائيًّا لمحكمة العدل العليا في إسرائيل، قبل عام، طالبت فيه بإيقاف عمل المحجر غير الشّرعيّ ومنع تجديد الامتياز الذي يمنح ترخيص العمل فيه، إضافةً لطلبها إيقاف عمل ثمانية محاجر أُخرى داخل حدود الضّفّة الغربيّة. وادّعى الملتمسون للمحكمة أنّه لا يحقّ "لشركات إسرائيليّة الحفر والتّنقيب في محاجر متواجدة على الأراضي المحتلّة، كما ولا يحقّ لها التّمتّع بهذه الصّلاحيّة، وذلك وفقًا لمواثيق ومعاهدات دوليّة، مُلْزِمَة لدولة إسرائيل".

يعتمد الملتمسون، عبر ممثّلهم القضائيّ المحاميّ ميخائيل سفاراد، على بندين من وثيقة هاغ، تنصّ على كيفيّة تعامل المُحْتَلّ (اسم فاعل) مع محتلّه (اسم مفعول)، وفيها تؤطّر حدود النّشاطات التي يقوم بها المحتلّ في المناطقّ التي احتلّها. تحوّل هذان البندان لمادّة دسمة تشحن الحرب القضائيّة، فكلّ طرفٍ يفسّرها وفقًا لرؤيته. الأُولى، هي وجهة النّظر المعارضة لإجراء أيّ نوع من هذه النّشاطات داخل أراضي الاحتلال.

أمّا الطّرف الآخر، الذي يمثّل موقف مستوطنة "بيت حجاي"، فيدّعي بأنّه ليس من حقّ من يحتلّ إنشاء هذه المحاجر وتشغيلها، وإنّما هو واجب عليه. ويأتي المستوطنون بكافّة الحجج والذّرائع والتّبريرات التي من شأنها أن تبقي امتياز المحجر جاريًا بحوزتها، ولذلك فهي تحاول خلق ثغرات كثيرة في الالتماس الذي قامت به منظّمة "ييش دين".

وعلى سبيل المثال تدّعي مستوطنة "بيت حجاي" أنّ الالتماس ذو طابع سياسيّ، خاصّة وأنّ الملتمسين لا يمثّلون بشكل مباشر المصلحة الفلسطينيّة للمواطنين الفلسطينيّين المتضرّرين، وتضيف أنّ التّطرّق لقضيّة المحاجر قد أُدْرِجَ في التّسويات المرحليّة مع الفلسطينيّين، وبما أنّ المفاوضات لم تفض إلى تسوية دائمة، فيظلّ الحال على ما هو عليه (لحين تجدّد المفاوضات والتّوصّل لتسوية دائمة تحوي قرارًا تفصيليًّا بشأن المحاجر!).

يشار في هذا السياق إلى أن القوانين الدولية تنص على أنّ المناطق التي تقع تحت الاحتلال يمنع استخدامها للاستغلال الاقتصاديّ أو لزيادة المصالح الاقتصاديّة والوطنيّة للقوّة المحتلّة. وينظر القانون الدّولي إلى الاحتلال على أنّه سوء قسريّ، محدّد زمنيًّا، ولا ينظر إليه على أنّه أرض خصبة لاستغلال الموارد.