مع بداية العام الدراسي الجديد: التعليم في القدس العربية ينهار..

مع بداية العام الدراسي الجديد: التعليم في القدس العربية ينهار..

مع بداية العام الدراسي الجديد، تشير كافة المعطيات والمعلومات إلى أن التعليم في القدس العربية يسير بخطى متسارعة نحو الانهيار الكلي. فالعديد من التقارير، ومن أكثر من مصدر، تجمع على هذه الحقيقة.

وتقول السيدة اعتدال الأشهب، نائبة مدير التربية والتعليم الفلسطيني في القدس: "إن المدينة المقدسة بحاجة إلى 3000 غرفة صفية جديدة بحلول عام 2010، وان القدس بحاجة إلى بناء 20 مدرسة جديدة دفعة واحدة من أجل سد النقص الشديد في الغرف الدراسية".

وأشارت إلى أن نسبة تسرب الطلبة من المدارس في القدس تصل إلى 11% " في حين اعترف تقرير حكومي إسرائيلي بأن نسبة التسرب في المرحلة الثانوية في مدارس القدس العربية الحكومية هي 1 إلى 2 .

أما التقرير المشترك المعد حول أوضاع التعليم الحكومي في القدس الشرقية والذي أعدته جمعيتا "حقوق المواطن" و"عير عاميم" الإسرائيلية فيشير إلى أن 30 ألف طالب فلسطيني لا يتوفر لهم إطار تعليمي في المدارس الرسمية، ويضطرون للتوجه إلى المدارس الخاصة. والكثيرون منهم يبقون خارج أي إطار تعليمي. وبلغ عدد الطلاب الذين لم تستوعبهم أي مدرسة مع بداية العام الحالي 5500 طالب.

وأضاف التقرير بأن الوضع المزري للتعليم الفلسطيني في القدس نابع بالأساس من نقص ما لا يقل عن 1000 غرفة صفية. وكذلك أكد التقرير على أن ما يقارب نصف الصفوف الصفية التعليمية التي تديرها البلدية لا تفي بالمواصفات المطلوبة، أي أنها لا تصلح للاستخدام كغرف صفية ويصل عددها إلى 665 غرفة صفية، أما الغرف المستأجرة فعدا عن عدم صالحيتها ومطابقتها للمواصفات فهي غرف ضيقة جداً، ويتم حشر الطلبة فيها كعلب السردين بمعدل 40 طالبا فما فوق وبكثافة صفية تتراوح من 05.- 0.9، علماً بأن نسبة الكثافة الصفية العالمية هي من 1.25 – 1.50 ، وهذا يعني أن تلك الغرف تعاني من اكتظاظ شديد وتفتقر إلى التهوية وشروط الأمان والسلامة. وبلدية القدس تعترف أنه من ضمن الغرف الني تشرف عليها والبالغة 1300 غرفة صفية هناك 221 غرفة لا تفي بالمواصفات.

وحسب معطيات نشرتها وحدة البحث والتوثيق في مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أشارت إلى أن التعليم في القدس يتوزع على أكثر من مظلة تعليمية من حيث الإشراف والإدارة، حيث يبلغ عدد المدارس في القدس 120 مدرسة، تشرف بلدية القدس على 54 مدرسة منها، تشكل نسبة الطلبة فيها أكثر من 60% من مجموع طلبة المدارس، وهناك 20 مدرسة تشرف عليها الأوقاف الإسلامية، و38 مدرسة خاصة وأهلية، و8 مدارس تشرف عليها وكالة غوث اللاجئين.

وحسب التقرير ذاته فإن النقص في الغرف الصفية عشية افتتاح العام الدراسي الحالي يبلغ 1800 غرفة صفية.

هذا الوضع المأساوي لقطاع التعليم في القدس يسير ضمن سياسة مدروسة وممنهجة ينفذها الاحتلال بحق قطاع التعليم خاصة والقدس عامة، حيث أن عدم إقامة مبان ومدارس جديدة من شأنه أن يؤدي إلى حالة شديدة من الاكتظاظ في الغرف الصفية، وتسرب نسبة عالية من طلاب المدارس ،والدفع بهم إما كأيد عاملة رخيصة إلى سوق العمل الإسرائيلي، أو إلى دائرة تفريغهم من محتواهم الوطني والنضالي وإغراقهم في الرذيلة والأمراض الاجتماعية من مخدرات وجنوح ومشاكل اجتماعية وغيرها.

وكل هذا الخراب والتدمير الممنهج لقطاع التعليم في القدس من قبل الاحتلال يتزامن مع توجيه وزير التربية والتعليم الإسرائيلي "جدعون ساعر" ضربة أخرى لجهاز التعليم العربي الذي يعاني من التمييز بكافة أشكاله، وهذه المرة عبر تعميق المفاهيم الصهيونية ،وضرب الانتماء الفلسطيني، من خلال حصص تعليمية عن الهوية اليهودية والتراث اليهودي الصهيوني، وربط الهبات والمكافآت للمدارس بنسبة التجنيد للجيش أو الخدمة المدنية والعسكرية، إلى جانب معايير أخرى.

وواضح أيضاً أنه علينا كفلسطينيين وسلطة تحمل مسؤولياتنا في هذا الجانب، حيث لا توجد سياسة واضحة تجاه مستقبل العملية التعليمية في القدس، ولا توجد مرجعيات وعناوين واضحة ومحددة في هذا الجانب، ناهيك عن غياب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى لهذا القطاع وعدم وجود صندوق خاص لهذا القطاع أو ميزانيات كافية، والمدارس الأهلية أو الخاصة في القدس وحتى التي تشرف عليها السلطة تتحمل قسطا من المسؤولية في تدهور أوضاع التعليم في القدس وانهياره والمساهمة في تسرب الطلبة المقدسيين من المدارس، فهذه المدارس عندما يتوجه إليها الطلبة الذين لا يتوفر لهم مقاعد في الإطار التعليمي الحكومي، تجابههم مشكل جدية تتمثل برفض قبولهم إذا كانت معدلاتهم تقل عن 80%، ناهيك عن ارتفاع الأقساط والتي تزيد عن معدل الأقساط الجامعية، علماً بأن الكثير من هذه المدارس لها تعاقدات مالية من الباطن مع بلدية القدس ودائرة معارفها، وبالتالي يجب التوقف أمام هذه المسألة بشكل جدي من قبل الجهات الفلسطينية المسؤولة، ولا يجوز معالجة هذه الظاهرة أو المسألة بشكل خجول أو وفق سياسة "الطبطبة وتبويس اللحى" فهذه المدارس بأقساطها المرتفعة وشروط قبولها المجحفة تساهم ليس بدفع الطلبة للتسرب من المدارس، والدفع بهم إلى سوق العمل الإسرائيلي الرخيص، بل تدفع ببعض أهالي الطلبة إلى الرحيل من القدس من أجل تعليم أبنائهم بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المقدسيون.

وكل هذا في سبيل أن تتباهى "وتتفشخر" إدارات تلك المدارس بأن مستوى التعليم لديها على درجة عالية من الكفاءة، والمعدلات المرتفعة في التوجيهي التي يحصل عليها طلبتها تبرر الأقساط المدرسية المرتفعة التي تجبيها من الطلبة، علماً أنه بمقارنة منطقية وموضوعية نرى أن مستوى التعليم بين المدارس الحكومية والخاصة تقلص إلى حد كبير.

وبعد هذا العرض المكثف والسريع لواقع القطاع التعليمي في القدس، والذي كنا نقول سابقاً أنه على حافة الانهيار، نجد اليوم أنه فعلاً قد دخل مرحلة الانهيار، ونرى أن حجم الجهد المبذول فلسطينيا سواءً على المستوى الرسمي أو الشعبي لا يرتقي إلى الحد الأدنى من المسؤولية، وما يجري من جهد شعبي ورسمي هو جهد مبعثر وغير مؤطر ولا منظم ويفتقر إلى الفاعلية،ويغلب عليه العمل الاستعراضي والارتجالي والموسمي.

وما نحتاجه في هذا الجانب هو طاقم مهني مختص، وأذرع تنفيذية تمتلك الميزانيات الكافية لتلبية احتياجات هذا القطاع الهام، وبما يمكن من انتشال طلابنا وحمايتهم من مخاطر التجهيل وتعميم ثقافة التخلف، وعمليات الأسرلة والتهويد.

وما تقوم به وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية ووزيرها العنصري "جدعون ساعر" بحق أهلنا وطلبتنا في مناطق 48 سيتم سحبه وتطبيقه لاحقاً على طلبتنا في القدس، فقد أعلن أنه سيدخل موضوعاً إلزامياً جديداً لطلاب المدارس من الصف الرابع وحتى التاسع وهو" تراث اليهودية والصهيونية"، ويتعلم فيه الطلاب عن السبت، الصلوات، والكنيس والأعياد، ويشمل الموضوع الإلزامي أيضاً النشيد الوطني و"وثيقة الاستقلال"، والعلم الإسرائيلي، والحنين إلأى "صهيون، وقانون العودة الإسرائيلي والقدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل، الهجرة والاستيطان وأعياد إسرائيل وأمورا أخرى.

وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول "إنه يجب على الطلاب جميعاً التعلم عن شخصيات يهودية تاريخية كرمبام"( رابي موشه بن ميمون) و"راشي"رابي شلومو يتسحاك" وهرتسل وآخرين.

إن ما يجري التخطيط له بحق قطاع التعليم في القدس على درجة عالية من الخطورة، ويتطلب صحوة سريعة ودقا لجدران الخزان بشكل جدي من قبل المقدسيين أنفسهم أولاً وأخيراً وعدم رهن حركتهم أو تحركاتهم بالمستوى الرسمي الفلسطيني.