أراضي القدس بين هواجس الفلسطينيين وفك الاحتلال

أراضي القدس بين هواجس الفلسطينيين وفك الاحتلال
بيت حنينا، القدس المحتلة - أرشيفية (أ ف ب)

في وضع طبيعي، لا يكون فيه الاحتلال طاغيًا ومهيمنًا، من مصلحة المواطن أن يحظى بتسجيل قانوني مقنن للأراضي التي يملكها، وأن يحصل على قول قاطع "طابو" يحدد من خلاله ملكيته لأرضه. هذا ما يحصل في كل أنحاء العالم، إلا أن المقدسيين استثناء من كل ذلك.

الاحتلال عطَل تسجيل ملكية الأراضي الفلسطينية

شرعت السلطات الأردنية بإجراء تسوية لتسجيل ملكية الأراضي الخاصة عقب نكبة عام 1948، وذلك عبر تحديد المنطقة (تحديد حوض أو مجموعة أحواض) التي تقسم الأرض التي ستتم فيها التسوية من قبل دائرة الأراضي، ومن ثم استصدار أمر تسوية، إلا أن السلطات الإسرائيلية عطلت هذه الإجراءات وألغتها عند احتلال المدينة عام 1967. جمدت الطلبات والعمل بالأحواض المعمولة، ولم تستأنف وضع أحواض جديدة. كما أوضح المحامي علاء محاجنة في حديث لــ"عرب 48".

ومنذ ذلك الحين لم تسجل أي أرض فلسطينية في "طابو" يقطع بملكية صاحبها ويحدد هويته. ويدل معظم المقدسيين على أراضيهم بما يمتلكونه من "كوشان" تركي أو وثائق منحتها سلطات الانتداب البريطانية والسلطات الأردنية.

لم تسمح السلطات الإسرائيلية، منذ احتلال القدس عام 1967، بتسجيل أي أرض بملكية فلسطينية تقع في أحياء المدينة المحتلة أو القرى والبلدات التي تحيطها في مكاتب السجل العقاري التابع لوزارة القضاة الإسرائيلية، وذلك للتوجس الإسرائيلي من الآثار السياسية التي قد تضر بمصالح إسرائيل (نظرًا للوضع القانوني الدولي الحساس بكل ما يعلق بمدينة القدس)، أو ربما تماشيًا مع السياسة الإسرائيلية التي تتجنب و"تترفع" عن أي تسويات لأوضاع الأحياء والبلدات والمدن العربية، ذلك بالإضافة إلى الهوة والفراغ البيروقراطي والإجرائي بين السلطات الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية

أظهر بحث أعده معهد القدس لدراسات السياسة، نشر اليوم، الإثنين، في صحيفة "هآرتس"، بعنوان "البناء غير القانوني والنزاعات الدموية و2 مليار شيكل في السنة: ثمن النقص في حقوق الأرض في القدس الشرقية"، أن كل عائلة من القدس الشرقية تخسر نحو 80 ألف شيكل سنويًا ​​نتيجة لعدم تسوية الملكية على الأراضي الخاصة، وأن المجتمع الفلسطيني في المدينة يخسر من 630 مليون حتى 1.4 مليارد شيكل سنويًا، ما يقدر بربع الدخل الإجمالي السنوي للمقدسيين.

كما أظهرت الدراسة الأثر الاجتماعي لعدم تسجيل ملكية الأراضي، باعتبارها عاملًا مهم في تعزيز مستويات الفقر المرتفعة في الأحياء العربية بالقدس، وعدم تطوير البنية التحتية، بزعم أن بلدية الاحتلال تجد صعوبة كبيرة في تحديد مواقع لبناء المدارس أو رصف الطرق.

وأشارت الدراسة إلى أن عدم تسجيل الأراضي لا يُمَكّن سكان القدس الشرقية من إثبات ملكية ممتلكاتهم وبالتالي لا يمكنهم من الحصول على قرض عقاري لتطويرها، بالإضافة إلى الصعوبات في استصدار تصاريح وتراخيص بناء على أراضيهم، ما يؤدي إلى نزاعات حدودية قضائية طويلة الأمد، ويعزز ظاهرة تزوير الوثائق وسرقة الأرض الشائعة نتيجة لذلك.

تسوية إسرائيلية أم طرق بديلة للتهجير؟

قبل عطلة الدوائر الحكومية الإسرائيلية بمناسبة عيد الفصح العبري (من 30 آذار حتى 7 نيسان 2018)، عمم مفوض السجل العقاري للأراضي التابع لوزارة القضاء، دعوة إلى كل من يدعي ملكية أراضي خاصة في بلدتي بيت حنينا وصور باهر، للوصول إلى مكاتب تسجيل الأراضي وتقديم دعوة يطالب من خلالها بتسجيل أرضه.

لكن مستوى ثقة السكان الفلسطينيين في السلطات الإسرائيلية يجعل هذه الخطوة، كمثيلاتها، تُعتبر محاولة أخرى لرفع مستوى السيادة الإسرائيلية على المدينة المحتلة ونقل الأراضي والهياكل الفلسطينية إلى الدولة أو لصالح المستوطنين.

إذ نجح الاحتلال الإسرائيلي في خلق واقع مركب في القدس، فعند الحديث عن إجراءات لبدء تسجيل الأراضي، يتخوف الفلسطينيون من استخدام ذلك بهدف الاستيلاء على أراضيهم لصالح المستوطنين، واستغلال الأراضي غير المسجلة باعتبارها "أملاك الغائبين" ما يشرعن ويتيح مصادرتها، وبالتالي طرد المنتفعين منها والقاطنين فيها من الفلسطينيين وهدم المنازل المقامة عليها؛ مزيدًا من التهجير.

وتثير التسوية المطروحة من وزارة قضاء الاحتلال مخاوف حقيقية بشأن "أملاك الغائبين" بأن يضع الوصي أو الحارس على هذه الأملاك، يد الدولة على كل ما يتم استثناؤه من إجراءات التسوية، ما يمنح الاحتلال فرصة مصادرة الكثير من الأراضي الفلسطينية الخاصة.

ويخشى الكثير من المقدسيين أن تكون إجراءات وزارة القضاء تهدف للتغطية على عملية سياسية ستؤذيهم في نهاية المطاف. حيث يعتبرون أنه كان يجب أن يتم ذلك منذ فترة طويلة من خلال مشاورات عامة مع أصحاب الشأن، لا من خلال تحرك أحادي الجانب دون إجراء مناقشات لبحث حيثيات المسألة ما يثير العديد من الشكوك.

وتعزز التصريحات التي نقلتها "هآرتس" عن عضو بلدية القدس، أرييه كينغ، أن خطوة التسوية "تساعد إسرائيل على تطبيق السيادة الإسرائيلية ولكنها ستساعد أيضًا مالكي الأراضي ضد جميع أنواع السرقات والتزوير، وهذا سيمكن الدولة والبلدية من إدارة مواردها بشكل أفضل. لدى الدولة أصول لا تستخدمها لعدم تسويتها".

كما تتمثل الأبعاد السياسية للتسوية المقترحة من قبل الاحتلال في سلسلة من التدابير للسيطرة على مجالات عديدة في القدس تتمثل بضغوطات وزارة التعليم لإدخال المناهج الإسرائيلية على المدارس المقدسية، وإجراءات تنظيمية في مجال النقل العام من مصادرة أراضي لتوسيع شبكة النقل، وإطلاق الأسماء على شوارع المدينة خلافًا لرغبة الفلسطينيين سعيًا لتهويد المدينة وطمس معالمها الفلسطينية العربية.

الحاجة لتسجيل ملكية الأراضي 

وعدم تسجيل الأراضي يخلق إشكاليات عديدة على الواقع الفلسطيني في المدينة المحتلة، بحسب ما أفاد محاجنة، أهمها عدم إمكانية استصدار طلبات ترخيص وبناء الذي يتطلب إثبات ملكية، ما يتيح لحكومة الاحتلال باستصدار عشرات أوامر الهدم بحق المنازل والعقارات الفلسطينية.

ذلك بالإضافة إلى الحاجة لاتباع نظام الوكالات الدورية غير قابلة للعزل، وهي السند الذي يعطيه مالك المال غير المنقول ويوكل به غيره بإجراء معاملة البيع والفراغ لدى الدائرة الرسمية نيابة عنه، والتي يرد فيها أنه باع ماله غير المنقول إلى شخص معين وقبض الثمن، غير أن هذا النظام غير الواضح يتيح لإمكانية التزوير والاحتيال، ذلك بالإضافة إلى الصعوبة التي يخلقها في التعامل مع موضوع الملكية.

اعتمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلية ما أطلقت عليه "نظام المختار"، يتلقى مالك الأرض، من خلاله، تأكيدًا بأن الأرض تخصه من "مختار" تعترف به الدولة، ما يتيح له الحصول على تراخيص بناء، بناءً على موافقة المختار. ما يشكّل أرضًا خصبة لعمليات الفساد والتزوير.

إستراتيجية الاحتلال

التفسير الذي قدمته الدولة عدة مرات ردا على الالتماسات المتعلقة بوقف تسجيل ملكية الأراضي هو أن التسجيل توقف بسبب "الصعوبات العملية والسياسية".

فيما تشير تقديرات إسرائيلية إلى القلق الحكومي إزاء الضغوط الدولية، ومن اعتبار الأردن والمؤسسة الكنسية ودائرة الأوقاف الإسلامية، خطوة مماثلة إجراء عدواني، وعدم رغبتها في تحمل تبعات ذلك، وتخوفًا من المضاعفات القانونية للموضوع.

ونقلت "هآرتس" عن مختصين أن قرار إجراء تسوية لتسجيل ملكية الأراضي في بلدتي بيت حنينا وصور باهر، قد يكون مرتبطة بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل والافتراض بأنه، خلافاً لمرات سابقة، لن يثير ذلك انتقادات دولية.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018