غزة: مواجهة تداعيات كورونا في ظل الحصار

غزة: مواجهة تداعيات كورونا في ظل الحصار
في غزة: يواجهون الحصار وكورونا (توضيحية)

في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد الذي انتشر في أنحاء العالم، وألقى بظلاله على مختلف جوانب حياة المجتمعات دون أن تلوح بالأفق نهاية لهذا الوباء قريبا، كان من الملفت أن قطاع غزة المحاصر، منذ 14عاما، بكل ما يعني ذلك من أزمة إنسانية عميقة استطاع مواجهة الجائحة دون أن تسجل حالة وفاة واحدة لغاية الآن.

وفي هذا الصدد، أجرى "عرب 48" هذا اللقاء مع وكيل وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، د. يوسف أبو الريش.

إمكانيات متواضعة وتحديات كبيرة

استعرض أبو الريش تحديات فيروس كورونا في ظل الحصار الخانق، وكيف تم مواجهة هذا الوباء، معتبرا أن قطاع غزة سجل إنجازا كبيرا في هذا التحدي أمام دول كبرى.

د. يوسف أبو الريش

وقال وكيل وزارة الصحة في غزة، لـ"عرب 48" إن "ظهور جائحة كورونا كان مباغتا وفاجأ وأربك دولا كبرى، كما شكّل تحديا كبيرا حتى لتلك الدول التي تمثل منظوماتها الصحية منظومة متقدمة، وتلك التي تمتلك أعلى الاقتصاديات والموارد، وشكّلت لهم الجائحة صدمة وتحديا كبيرا، بل إن منظومات صحية لعدة دول انهارت أمام هذا الفيروس وأصبحت مشلولة وغير قادرة على التعامل مع الجائحة. وعندما نتحدث عن قطاع غزة فلنا أن نتخيل حجم هذا التحدي وكيف سيكون الأثر على قطاع غزة الذي صمد منذ 14 عاما تحت الحصار. هذا الحصار الذي طال البشر والحجر، وطال البنية التحتية للقطاع الصحي كما باقي القطاعات الأخرى، وطال الكادر البشري وقدرته على التمرن والتمرس والتخصص، وطال الأجهزة الأساسية داخل وزارة الصحة والقدرة التشغيلية وتوفر المواد التشغيلية مثل الوقود والأدوية والمستهلكات. لنا أن نتخيل إذا كان هذا الفيروس الذي شكل هذا التحدي الكبير لمنظومات صحية كبرى في العالم، ووقعت في براثن هذا الوباء، كيف هو الحال في قطاع غزة؟ وبهذه الإشكاليات، نتحدث عن قطاع أنهكه الحصار وأتى على كل شيء بما فيها الجوانب الصحية، أي لا يمكن أن يتخيل أحد أن يقوم النظام الصحي من غير وجود المحددات الصحية الأساسية المتمثلة في الاستخدام الآدمي في توفر الماء الكافي للاستخدام الآدمي ولأغراض مختلفة من وجود صرف صحي والقدرة على معالجة الصرف، وتوفير طعام كاف يحتوي على عناصر التغذية الأساسية. ولا يمكن أن نتخيل أن هناك قطاعات صحية يمكن أن تنهض بينما المحددات الصحية الأساسية تعاني من إشكاليات كبيرة، وهذا هو الحال في القطاع. لنا أن نتخيل كم كان هو التحدي أمام هذا الفيروس الذي مثل التحدي الكبير بكل دول العالم، ناهيك عن أن هذا يمثل تحديا للمنظومة الصحية في قطاع غزة".

رصد ومتابعة

وعن بداية هذا التحدي، أوضح أبو الريش، أنه "تم الانتباه مبكرا لهذا الفيروس، وكنا نتابع أولا بأول التقارير التي تخرج من الصين وتلك المؤشرات التي خرجت من هناك بوجود فيروس بدأ ينتشر، واستشعارا منا بأن هذا الأمر سيشكل خطرا وتحديا كبيرا علينا فوجب أن يبقى في دائرة المنع والوقاية لأن ظروف القطاع استثنائية من حيث الأسر الكبيرة التي يبلغ عدد أفرادها من 30-40 شخصا للأسرة الواحدة والازدحام السكاني العالي جدا يستحيل أن تكون معه على المستوى اليومي ممارسات منضبطة من حيث التباعد الجسدي وتوفر المياه الصالحة للاستخدام التي تساعد على النظافة الشخصية، لذلك كنا قلقون جدا من هذا الفيروس إذا وصل إلى قطاع غزة وستكون آثاره مدمرة وبشكل كبير. ومن هنا كنا نتابع بانتباه وقلق بالغ ما يحدث في الصين، ومع تشكلت اللجان المختصة لمتابعة الأمر لحظة بلحظة والتطورات التي قد تحدث بالعالم، وبدأت تتخذ إجراءات عملية على الأرض والبحث عن السبل والوسائل الأنجع التي يتعامل معها العالم، وبداية هذه الإجراءات العملية من خلال منع كل من هو قادم من الصين أو من أي دولة أخرى من الوصول إلى القطاع، منعا لانتشار الوباء. كما كنا من الأوائل في اعتماد الحجر الصحي وكذلك الحجر المنزلي الملزم لكل من دخل القطاع، إلى جانب تشكيل لجان من وزارة الصحة وباقي الوزارات والتنسيق فيما بينها بما يتناسب مع الصحة والسلامة العامة. وتم وضع أدلة واستشارة وسياسات للتعامل مع المحجوزين والمحجورين لتعريف الإنسان المحجور كيفية التعامل مع الحالة، وتم تشكيل فرق ميدانية تعمل على مدار الساعة مهمتها الأساسية مكافحة العدوى، والسلامة العامة وسلامة الإجراءات. وتم الاهتمام مبكرا بفرق إجراء الفحوصات والعينات، وتم تدريب هذه الفرق مبكرا، وأشرف على ذلك أساتذة جامعات بالتعاون مع وزارة الصحة، وقمنا توفير الطواقم المهنية بجدارة".

تحديات أخرى

وعن التحديات الأخرى التي تواجه قطاع غزة، شدد أبو الريش بأن "التحدي الأول كان كيف يمكن استقبال أعداد كبيرة مصابة بالفيروس بسبب عدم وجود أماكن مخصصة لذلك؟ تحولنا إلى استخدام المدارس لهذا الغرض، وكان التحدي كذلك قبول المجتمع المحلي لهذه الفكرة، إذ انتشرت مخاوف في حينه من أن ينتشر الوباء في محيط هذه المراكز، وعلى ذلك كانت هناك تحديات لتوفير الأماكن وتوفير الاحتياجات للمحجورين وتوفير طواقم الأمن لحراسة الأماكن وتشكيل طواقم طبية للتعامل بحرفية كي لا تصاب الطواقم وكذلك المحجورين بالفيروس، وهذه لم تكن فكرة سهلة ومثلت تحديا كبيرا، وهي فكرة خلاقة، لكن كانت تحتاج لإمكانيات ومواد كبيرة في توفير المستلزمات. وبالتالي استطعنا من خلال تضافر الجهود، وبالتعاون والتكافل بين الوزارات والتعلم من التجربة والأخطاء استطعنا أن نقدم نموذجا، إذ لم تسجل حالة واحدة في قطاع غزة، وهذه الإجراءات لم تكن مركزة على الأفراد فقط بل تركزت أيضا على البضائع التجارية وعلى المعابر، وانتشرت الفرق المكلفة على المعابر لتنفيذ الإجراءات والسياسات التي وضعت لوصول البضائع سالمة سليمة ومنع عبور الفيروس إلى القطاع".

وأشار وكيل وزارة الصحة في غزة إلى أنه "رغم كل هذا العمل ونجاعته تبقى الخشية بأن تكون هناك مناطق من الممكن أن تخترق من خلال بعض الثغرات والأنفاق وغيرها من مهربين أو متسللين إلى داخل القطاع، لذلك نقول إن الخطر لا زال قائما ونبذل جهودا كبيرة والتدقيق بشكل يومي لأن هذا يعني أن درجة اليقين قد وصلت حد منع وصول الفيروس، ومن أجل ذلك توجد خطة قطاعية بين الوزارات المختلفة، والاستعداد التام على مدار الساعة، وهناك خطة واضحة لكل السيناريوهات المحتملة والعمل على توفير المستلزمات والمتطلبات. هذه الخطط بالتنسيق مع القطاعات والمؤسسات الأخرى".

وختم أبو الريش بالقول: "بالتأكيد نحن لم نصل لمرحلة الجهوزية التامة، ولا زالت تفصلنا مسافة، وهذه المسافة هي ثمن هذا الحصار الظالم الذي يضرب القطاع منذ 14 عاما. ونحاول أن نجيرها بالعديد من المشاريع، لكن بكل أسف وفق إمكانيات القطاع نعمل لمواجهة هذا الوباء".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص