العنف ضد المرأة في غزة: صورة عامة من قصص خاصة

العنف ضد المرأة في غزة: صورة عامة من قصص خاصة
توضيحية (أ ب أ)

كون غزة منفصلة عن الجسم الفلسطيني بسبب العزل الذي مارسه الاحتلال وفرضه على القطاع، لا يعني أنها لا تشترك مع بقية المجتمع الفلسطيني في مشكلاته الاجتماعية وآفاته المختلفة، ولعل قضية العنف ضد المرأة من أبرز تلك المشكلات التي تطفو على السطح.

ويتشارك في هذه الآفة - على اختلاف العوامل والأسباب والتداعيات – المجتمع الفلسطيني بأكمله، إذ لا يخفى على أحد النسب المتصاعدة لحالات العنف ضد المرأة في الضفة الغربية المحتلة وفي الداخل الفلسطيني، حيث تعرض ما يقارب 105,000 من النساء العربيات في مناطق الـ48، لأحد أشكال العنف خلال العام 2018 الماضي.

وفي ظل عدم وجود إحصائيات دقيقة، من يصعب الكشف عن حجم العنف الذي تتعرض له النساء في القطاع المحاصر، لأسباب اجتماعية مختلفة، وما يجعل من مهمة حصر الحالات وتوثيقها، هو خوف النساء من الإبلاغ عن تعرضهن لعنف إضافي من العائلة، بالإضافة إلى فزاعة "الفضيحة" ومن ردة فعل المجتمع الذي لا يبدي رفضا قاطعا لهذه الممارسات.

حاولنا في "عرب ٤٨" الوصول إلى بعض السيدات اللاتي تعرضن لأي شكل من أشكال العنف من قبل أزواجهن أو داخل نطاق العائلة، في محاولة لتسليط الضوء على هذه القضية المهمشة.

فاقمت الأزمة الإنسانية الطويلة والمستمرة في قطاع غزة من مستوى العنف ضد المرأة بجميع أشكاله بحسب العديد من المختصين. نتج ذلك عن مجموعة من الأسباب المختلفة، بداية من الزواج المبكر وارتباطًا طردا بسوء الوضع الاقتصادي وعدم وجود مقررات دراسية توعوية حول موضوع الحقوق الخاصة بالمرأة.

ورغم انخفاض نسب الأمية وارتفاع في نسب التعليم، يقول المختصون إن "المجتمع وصل إلى حد كبير من الوعي والثقافة إلا أن العادات والتقاليد عند البعض تطغى على كل هذا".

عنف داخل البيت

مثل الكثير من قريناتها، تخرجت سارة (اسم مستعار)، وهي شابة تبلغ من العمر 34 عامًا، من إحدى جامعات قطاع غزة، وحصلت على وظيفة وانخرطت في المجتمع المدني بغزة.

حلمت سارة في حياة مستقلة ناجحة وفي عائلة صغيرة، إلا أن أهلها سرعان ما أجبروها على الزواج من شاب لا تعرفه، ومنذ تلك اللحظة تغيّر مجرى حياتها حتى فقدت الشعور بالحرية في ظل الرقابة "الأبوية الذكورية" على مختلف المجالات في حياتها.

استرسلت سارة في سرد قصتها لـ"عرب ٤٨"، التي تمحورت حول ذكريات تلك اللحظة التي ما زالت تعاني من تبعاتها إلى اليوم. وقالت: "تعرضت للضرب من زوجي منذ الأسبوع الأول لزواجنا، كان يهينني بشكل يومي، واستمر الوضع على هذا النحو لسنوات طويلة حتى بات أطفالي الثلاثة يشهدون على ضربي وإهانتي المستمرة".

واصلت حديثها بحزن وهي تمسح دموعها: "عشت حياتي في دوامة لا تتوقف من العنف، فكرت في الانتحار أكثر من مرة، وما يعز علي أن زوجي حرص طوال الوقت على أن يظهر أمام الناس بمظهر الناشط الاجتماعي والشخصية التي لها احترامها بينهم. لا أحد يصدق أن هذا الشخص يتحول إلى وحش بمجرد إغلاق أبواب البيت علينا".

قررت سارة الخلاص من هذه الحالة، وطرقت جميع الأبواب من المؤسسات القانونية حتى الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون في القطاع وغيرها من الجمعيات المدنية لكن دون جدوى، إلى أن لجأت إلى بيت للمعنفات، "بيت الأمان"، ولكن الأمر لم يدم طويلًا. وبعد أن مكثت هناك قرابة الشهر، اضطرت إلى العودة إلى البيت مجددًا بضغط من أهلها وتهديدات وصلت إلى حد تهديدها بالقتل.

"بعد المضايقات المستمرة من أهلي في محاولة لإجباري على الصمت على العنف المستمر الذي أتعرض له من زوجي، تولدت لدي خيبة أمل كبيرة وندبة لهذه القسمة والحظ العاثر الذي جعلني أختار بين الصمت على التعنيف أو الدخول في مشكلات مع عائلتي"، تابعت سارة مشددة على أن "عائلتي كانت شريكة في هذه المأساة. ردوني إليه كلما لجأت إليهم، وأعادوني إليه حتى بعد أن طلقني مرتين".

الزوج الهارب

"كان أبي قاسي القلب لا يعرف الرحمة، يضربني وأخوتي منذ كنا أطفالا، وكأن ضربه لنا هو المنفس الوحيد لغضبه من مشكلاته اليومية، كان يصبه علينا بشكل مستمر". هكذا بدأت بشرى (45 عاما)، بسرد قصتها لـ"عرب ٤٨".

عن حياتها القاسية والمليئة بالتعنيف الأسري تتحدث بشرى (اسم مستعار)، الأمر الذي دفعها قبل 25 عامًا للقبول بالزواج من شاب تقدم لخطبتها بعد أن أتمت تعليمها الجامعي رغبة بوضع حد للقسوة التي كانت تتعرض لها في منزل عائلتها.

تزوجت بشرى أملًا بحياة زوجية كريمة تشكل لها مخرجًا من دائرة العنف المغلقة. لكن المصير ذاته كان ينتظرها في حياتها الأخرى، حيث لم يختلف زوجها عن أبيها بشيء، ولم يلبث أن كشف عن وجهه الحقيقي، وبدأ بتعنيفها لأقل الأسباب بعد فترة قصيرة على زواجهما.

تسرد بشرى قصتها وتقول: "لم تكن لدى زوجي رغبة بالإنجاب بسبب الوضع المادي السيئ، مما جعله ينهال علي ضربًا عندما اكتشف أنني حامل بابنتنا البكر حتى كدت أن أفقد الجنين".

تابعت بشرى وتنهيدات السحرة تغالبها: "لم يتوقف الأمر عند تعنيفي فقط، بل استولى زوجي على مصاغي وباعه دون موافقتي، كانت حياتنا أشبه بالجحيم منها للحياة، وكلما ذهبت إلى بيت عائلتي هربًا منه كُنت أُخير بين الحرمان من أولادي أو العودة إلى بيت زوجي، فأختار أولادي خوفًا عليهم منه، فهم لم يطيقوا ما أتحمله مكرهة"

وأضافت بشرى أنه "هكذا استمر الحال إلى أن استيقظت يومًا على صوت الهاتف فكان زوجي وقد أخبرني أنه غادر البلاد ولن يعود إليها ثانية".

منذ ذلك اليوم حتى الآن، تعيش بشرى مع أولادها الذين كبروا مع أمهم دون وجود معنوي أو مادي لأب في حياتهما على الإطلاق. تقول "لم أعد أدري كيف أوصف حالتي، لست مطلقة ولا متزوجة".

ترعى بشرى ولديها في بيت صغير استأجرته وتصرف عليهم من عملها في الرسم والفنون وتبيع ما تصنعه للمهتمين من الناس، ساعية بذلك لتوفير فرصة حياة لأبنائها أفضل من تلك التي عاشوها مع أبيهم، أو قد يعيشونها من دونه.

النهاية؟

قصص كثيرة عن تعنيف المرأة وظلمها ظلّت مخبأة بين جدران البيوت ومتوارية بالأنين؛ وسط مطالبات لا تتوقف من النساء في غزة بإنهاء هذه الممارسات اللاإنسانية ضد المرأة التي لا يقوى المجتمع بدونها على شيء.

يذكر أن الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، دعا لإضاءة "فنار غزة" باللون البرتقالي، ضمن حملة من 16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في حركة رمزية، للفت الأنظار في غزة إلى مسألة العنف الذي تتعرض له المرأة؛ وذلك بالتزامن مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يصادف الـ25 من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام.